تُعدّ صلة الرحم من أعظم القيم التي تحفظ للأسرة تماسكها، وتجمع أفرادها على المحبة والتراحم والتعاون. فالأسر لا تقوى بكثرة أفرادها ولا بما تملكه من إمكانات فحسب، وإنما تقوى بعمق الروابط التي تجمع أبناءها، وبقدر ما يسود بينهم من مودة ووفاء وتواصل.
وقد حثّ الإسلام على صلة الرحم، وجعلها من الأعمال العظيمة التي تقرّب الإنسان إلى ربه، لما لها من أثر كبير في إصلاح العلاقات وتقوية المجتمع. فالرحم ليست مجرد معرفة الأسماء والأنساب، بل هي سؤال واهتمام، وزيارة وتواصل، ومشاركة في الأفراح، ومواساة في الأحزان، ووقوف إلى جانب القريب عند الحاجة.
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: 36] وقال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1 ] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الرعد: 21] وقال سبحانه محذرًا من القطيعة:
وقال رسول الله ﷺ: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه» رواه البخاري ومسلم. وقال ﷺ: «مَن أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه»
متفق عليه. وقال ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها» رواه البخاري.
وهذا الحديث الأخير يحمل معنى عظيمًا؛ إذ يبيّن أن صلة الرحم الحقيقية لا تكون فقط في مقابلة الإحسان بالإحسان، وإنما تظهر في المبادرة إلى التواصل والعفو والمحافظة على رابطة الأسرة حتى عند وجود الجفاء أو التقصير.
وفي زمن تتسارع فيه الحياة وتكثر فيه المشاغل، أصبح من المهم أن نحافظ على هذه الروابط وألا نسمح للانشغال أو البعد أو اختلاف وجهات النظر بأن يقطع ما أمر الله به أن يوصل. فكم من علاقة أسرية ضعفت بسبب تأجيل الاتصال، أو انتظار المبادرة من الطرف الآخر، أو تراكم عتابٍ كان يمكن أن يزول بكلمة طيبة.
إن الأسرة التي يحرص أفرادها على صلة الرحم هي أسرة أكثر قوة واستقرارًا؛ يعرف الصغير فيها كبار أسرته، ويتعلم من تجاربهم، ويشعر الكبير بأن أبناء الأسرة وأحفادها قريبون منه. ومن خلال هذا التواصل تنتقل القيم والذكريات والتاريخ من جيل إلى جيل، فلا تضيع الهوية الأسرية ولا تنقطع صلة الأبناء بماضيهم.
كما أن صلة الرحم لا تعني غياب الاختلاف، فاختلاف الآراء أمر طبيعي بين الناس، ولكن قوة الأسرة تظهر في قدرتها على تجاوز الخلاف، وتقديم المحبة وصلة الرحم على الخصومات العابرة. فالعاقل من يحفظ الود، ويصل من قطعه، ويبادر بالسلام، ويجعل مصلحة الأسرة ووحدتها فوق الاعتبارات الشخصية.
ومن هنا فإن مسؤولية المحافظة على صلة الرحم مسؤولية مشتركة بين جميع أفراد الأسرة؛ من خلال اللقاءات الأسرية، والسؤال عن الغائب، والاهتمام بالكبير، ومساعدة المحتاج، وتعريف الأبناء بأقاربهم وتاريخ أسرتهم. فهذه الأمور الصغيرة في ظاهرها تصنع مع الزمن روابط قوية لا تُقدّر بثمن.
إن صلة الرحم ليست واجبًا عابرًا نؤديه في المناسبات، بل هي أسلوب حياة يحفظ للأسرة قوتها، ويمنح أفرادها شعورًا بالانتماء والأمان. وحين نحافظ على أرحامنا، فإننا لا نحفظ الماضي وحده، بل نبني للمستقبل أسرة أكثر تماسكًا ومحبةً وترابطًا.
فصلة الرحم هي الجسر الذي يصل الماضي بالحاضر، ويحمل قيم الأسرة وذكرياتها إلى الأجيال القادمة، لتبقى الأسرة قوية ما بقي أفرادها متواصلين ومتراحمين.
«إن صلة الرحم ليست مجرد عادة اجتماعية، بل عبادة عظيمة، وحصن للأسرة، وجسرٌ يصل القلوب والذكريات والأجيال، وبها تبقى الأسرة متماسكة قوية، مهما باعدت بين أفرادها المسافات واختلفت بهم ظروف الحياة.»
الاستاذ ابراهيم بن عبدالله السلطان العرفج يهدي المستشار فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان نسخة من كتابه ال ابوعليان العشيرة والامارة.
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
كتاب «آل أبو عليان: العشيرة والإمارة – بريدة 950هـ–1288هـ» للأستاذ إبراهيم بن عبد الله السلطان العرفج، هو كتاب تاريخي توثيقي صدر حديثًا في طبعته الأولى سنة 2026م، من منشورات جداول للنشر والترجمة والتوزيع بيروت ويقع في نحو 367 صفحة.
قراءة سريعة في الكتاب:-
يُعد الكتاب إضافة مهمة إلى المكتبة التاريخية المتعلقة بتاريخ مدينة بريدة ومنطقة القصيم؛ لأنه يتناول تاريخ أسرة آل أبو عليان ودورها في تأسيس مدينة بريدة ونشأة إمارتها وتطورها عبر حقبة طويلة تمتد من القرن العاشر الهجري حتى أواخر القرن الثالث عشر الهجري.
وتبرز قيمة الكتاب في أنه لا يقف عند مجرد سرد أسماء الأمراء والأحداث، بل يحاول ربط تاريخ العشيرة بتاريخ المجتمع القصيمي نفسه، من حيث نشأة المدينة، والاستقرار، والتجارة، والتعليم، والعلاقات الاجتماعية والسياسية. وتشير نبذة الناشر إلى اهتمام الكتاب بدور الإمارة في التحولات الحضارية التي شهدتها المنطقة وبعلاقتها بتاريخ الدولة السعودية الأولى والثانية.
ومن خلال موضوع الكتاب، يمكن القول إن أهميته تتجلى في ثلاثة جوانب:
التوثيق التاريخي لدور أسرة آل أبو عليان في تاريخ بريدة وإمارتها.
إبراز البعد الاجتماعي والحضاري لنشأة المجتمع في القصيم، وليس الاقتصار على التاريخ السياسي.
تقديم مادة للأجيال الجديدة للتعرف على تاريخ الأسرة والمدينة والمنطقة، واستخلاص العبر من التجارب التاريخية.
لهذا فإن أهمية مثل هذا الكتاب لا تقتصر على أسرة آل أبو عليان وحدها، بل تتجاوز ذلك إلى كل المهتمين بتاريخ بريدة والقصيم ونجد؛ لأن تاريخ الأسر المؤسسة والقيادات المحلية يمثل جزءًا أصيلًا من تاريخ المدن والمجتمعات السعودية.
وخلاصة القراءة:
هذا الكتاب يمثل جهدًا توثيقيًا يستحق التقدير، ويبدو أنه يجمع بين تاريخ العشيرة (ألاسرة) والإمارة وتاريخ المدينة والمجتمع، وهو ما يجعله مرجعًا مهمًا للباحثين وأبناء الأسرة والمهتمين بتاريخ المنطقة.
ذكريات الطفولة في الأحياء القديمة من حي الخالدية بمدينة بريدة إلى أحياء مدينة الرياض
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
هناك أماكن لا تغادر الذاكرة، مهما ابتعدنا عنها، ولا تفقد حضورها مهما امتدت بنا السنوات. فهي ليست مجرد أحياء وشوارع وبيوت، بل صفحات من العمر، شهدت بداياتنا الأولى، وحفظت خطواتنا الأولى، واحتضنت أجمل سنوات الطفولة.
كان حي الخالدية في بريدة أول تلك الصفحات؛ ويقع الحي شرق مدينة بريدة ويعد من الأحياء التاريخية القديمة العريقة التي تشكلت خلال المائة سنة الماضية والتي ظهرت ملامحها خلال القرن الماضي، ويُنظر إليه كواحد من الأحياء التي سكنها عدد كبير من الأسر الموسرة والبارزة من أهل بريدة آنذاك. وهو قريب من سوق الجردة ومن حي السادة القديم.
ومن المعالم الرئيسية التي تشكلت في الحي عند إنشائه مبنى امارة المنطقة القديم ومبنى مستشفى بريدة المركزي ومبنى الشرطة القديم ومبنى الدفاع المدني ومبنى المعهد العلمي ومبنى المدرسة الثانوية ومبنى جامع الشيخ ابراهيم الجردان ومبنى مدرسة الخالدية الابتدائية الطيني.
ويقع منزلنا في هذا الحي الذي اشتراه الوالد رحمه الله جنوب مسجد ابراهيم الجردان ، وعلى شارعين متظاهرين أحدهما ينتهي في أحد أبواب جامع الشيخ ابراهيم الجردان -رحمه الله-. ويتكون المنزل من طابقين الطابق العلوي ، يوجد به غرفة يطلق عليها الروشن خاصة بالوالد ، وبعض الغرف الأخرى الخاصة بنا.
والطابق الارضي ، وفيه الليوان ، ويحتوي على عدد من أشجار النخيل ، وشجرة واحدة من الأترنج وبئر للماء، كما يحتوي على مطبخ ومجلس الرجال (القهوة) ففي هذا البيت كانت ولادتي في صيف عام 1381، في ذلك المنزل الطيني الكبير.
واستمر سكننا بهذا المنزل مع الاسرة ، حتى منتصف سنة 1382 هجرية
وبعد حوالي سنتين من ولادتي أقام والدي رحمه الله فيلتنا المسلحة والنادرة في مدينة بريدة آنذاك وفي أجواء هذا الحي عشت السنوات الأولى من طفولتي، بين بيوتٍ متقاربة، وجيرانٍ يعرف بعضهم بعضًا، وحياةٍ بسيطةٍ يغلب عليها الترابط والألفة. فقد كانت الأحياء القديمة تتميز بروحٍ اجتماعية خاصة؛ فالجيران أهل، والبيوت متقاربة، والأطفال يجدون في الحي عالمًا واسعًا للّعب واللقاء واكتشاف الحياة.
ومن سكان الحي الذين عرفتهم الاسر الكريمة التالية :- أسرة الحصين ، واسرة العم سليمان الجارالله العجلان ، واسرة الجردان وأسرة العميم ، وأسرة القاسم ، وأسرة البريدي ، وأسرة النقيدان ، وأسرة التويجري ، وأسرة العجلان ، وأسرة العمار ، وأسرة الهذال وأسرة النغيمشي ، و أسرة الدخيل ، وأسرة الصائغ الحميد ، وأسرة الرشود وأسرة اللهيب ، وأسرة السبيل، وأسرة الغنام ، وأسرة الفنتوخ ، وأسرة الخريجي ، واسرة الجاسر، وأسرة السلمي وأسرة الدغيم ، واسرة العواد ، واسرة السلمان ، وأسرة العجمي ، وأسرة الضحيان، وأسرة البشر، وأسرة أباالخيل، وأسرة البراك وأسرة النقيدان، وأسرة العرفج، وأسرة المنسلح ،وأسرة الدرويش، وأسرة العقل، وأسرة النجيدي.
كما سكن الحي ايضا أسرة الرشودي، و أسرة الرشيد ،وأسرة القوسي، وأسرة الدوسري، وأسرة السويد ، وأسرة السلطان ، وأسرة الدبيب ، وأسرة الضبيعي وأسرة الثنيان ،وأسرة العيدان ، وأسرة الحميدة ،وأسرة المشيقح ، وأسرة العلندا وغيرها من الأسر الكريمة الكثيرة التي لا تحضرني اسماؤها في الوقت الحاضر.
ومما أذكره عن تاريخ الحي أن المؤذن لجامع الجردان الذي تم بناؤه عام 1363هـ،على نفقة والدة الأمير عبدالله بن فيصل آل فرحان هو الجد علي الجارالله العجلان حتى عام 1385 حيث أصيب بمرضه الذي أقعده عن الحركة والأذان. فقد كان ينطلق في صحته الى المسجد ويعتلى منارته الطويلة ، ذات الدرج الطيني ، المتعرج ، والمتهدم بعضها من أثر الصعود ، والنزول ، ليؤذن في قمتها بالمسلمين ، وقد نصحه الوالد رحمهما الله بعدم الصعود إلى المنارة ، والاكتفاء بالأذان من سطح المسجد نظرا لتقدمه في العمر رحمه الله ، إلا أنه كان مصرا على الأذان في أعلى المنارة.
كما أنه كان يقوم بمهمة الإمام حين غيابه وكان الأمام حينها فضيلة الشيخ محمد السبيل رحمه الله وذلك أثناء عمله أستاذاً في المعهد العلمي في بريدة، أي قبل انتقاله لاحقاً إلى مكة المكرمة وتعيينه إماماً وخطيباً في المسجد الحرام، وهو المنصب الذي اشتهر به على مدى عقود.
وجود الشيخ السبيل في جامع الجردان يعطي أهميّة تاريخية للمسجد، إذ كان من العلماء البارزين في المنطقة قبل شهرته اللاحقة على مستوى العالم الإسلامي.
ولا أنسى الخبّاز اليمني الذي كان يدير مخبزًا صغيرًا يقع في طرف بيت الدخيل، وكان من ضمن ما يبيعه الخبز الحار، إضافة إلى دخان السجائر للكبار.
ومن المشاهد التي ما زالت عالقة في ذاكرتي، أنني كنت أستغرب وجود حمار يأتي كل صباح إلى المخبز، وقد عُلّق في رقبته «عِلاق» ــ وهي شنطة صغيرة من القماش ــ فيأتي الخبّاز إليه، فيأخذ العِلاق من رقبته، ويمد يده إلى داخله، فيجد الريال الموضوع فيه، فيأخذ قيمته من الخبز، ثم يعيد وضع الخبز في العِلاق ويعلّقه مرة أخرى في رقبة الحمار، فيعود الحمار من حيث أتى دون أن يرافقه أحد!
وقد أثار هذا المشهد فضولي وأنا طفل، فتتبعت ذات يوم مسيرة هذا الحمار، لأكتشف أنه يأتي من «العكيرشة»، التي كانت تبعد عن المخبز قرابة خمسة كيلومترات، ويقطع هذه المسافة كل صباح ليشتري الخبز لصاحبه، ثم يعود إليه محمّلًا بما اشتراه.
وكان هذا المشهد بالنسبة لي آنذاك أمرًا عجيبًا؛ فقد كان الحمار يعرف الطريق، ويعرف المخبز، ويعرف صاحبه، ويعرف أن ما في العِلاق من نقود مخصص لشراء الخبز! وهي صورة بسيطة من صور الحياة في ذلك الزمن، لكنها بقيت في الذاكرة بكل تفاصيلها، لأنها تختصر بساطة الناس، وثقتهم، وطبيعة الحياة اليومية في الأحياء القديمة.
وعندما بلغت السادسة من عمري، بدأت مرحلة جديدة مع المدرسة، والتحقت بمدرسة الخالدية ببريدة، القريبة من منزلنا وكانت تلك الخطوة الأولى في طريق التعليم، وبداية علاقةٍ طويلة مع المدرسة والكتاب والمعلمين والزملاء.
الانتقال إلى الرياض والسكن في حلة القصمان بعد أن رُشّح والدي رحمه الله للالتحاق بدورة في معهد الإدارة العامة بالرياض، للحصول على شهادة في برنامج التدريب للإدارة المتوسطة، وذلك خلال الفترة من عام 1388هـ إلى عام 1389هـ، انتقلنا إلى مدينة الرياض، وسكنا في حلة القصمان طوال مدة وجوده في المعهد.
وكانت تلك أولى مراحل تعرفي على مدينة الرياض عن قرب، حيث بدأت أتعرف على أبناء الحي الذين هم في مثل سني، وأعيش معهم بعض تفاصيل الحياة اليومية في ذلك الزمن.
وبعد أن أنهى والدي رحمه الله فترة التدريب، عاد إلى عمله في بريدة، ثم ما لبث أن حظي بترقية إلى وظيفة في مدينة الرياض، فعاد إليها مرة أخرى، وانتقلنا إلى الحي نفسه، وواصلت دراستي في المدرسة الخالدية بالرياض، التي كنت قد التحقت بها، وواصلت الدراسة فيها حتى نهاية المرحلة الابتدائية وكان مديرها الاستاذ سعد الدلقان رحمه الله ومن الاساتذة عبدالرحمن البليهد رحمه الله والأستاذ عبد العزيز بن سعد الخراشي وغيرهم.
وكانت حلة القصمان آنذاك تقع في منطقة حيوية، وتتوسط عددًا من الأسواق والمحلات التجارية المعروفة في الرياض، فكانت تنتشر فيها محلات التموينات والمخابز والمطاعم، فضلًا عن قربها الشديد من شارع الوزير، الذي كان من الشوارع التجارية المهمة في ذلك الوقت، وتنتشر فيه المحلات الحديثة والعصرية، التي كان يدير كثيرًا منها الشوام والأردنيون واللبنانيون، وقد كان ذلك يضفي على المنطقة حركة تجارية وحياة اجتماعية مميزة.
وكان معظم سكان الحلة من أهل القصيم، وهو ما جعلها بيئة مألوفة لوالدي رحمه الله، وقريبة كذلك من مقر عمله. ولهذا اجتهد في البحث عن منزل مناسب للأسرة، حتى وقع اختياره على منزل قريب من شارع المرقب وبالقرب من المنطقة الرابعة، حيث مركز الشرطة.
وكان المنزل من البيوت المسلحة في ذلك الوقت، واسعًا وشرحًا، وفي داخله فناء كبير، وخلفه حوش ومرافق متعددة، وكان مناسبًا لنا ولأسرتنا من حيث المساحة والموقع.
ومن الجيران الذين أذكرهم في تلك المرحلة عمي المحامي محمد بن سليمان الجارالله العجلان آل أبو عليان، وكذلك أسرة الجنيفي، وأسرة العمار، وأسرة العيسى، وأسرة العصيمي، وأسرة الرومي، وأسرة المطوع، وأسرة الرسي، وأسرة الرميح، وأسرة العمرو، وأسرة الحيدان، وأسرة الشماسي، وغيرهم من الأسر التي كانت تسكن الحي.
وكان اجتماع هذه الأسر، ولا سيما أسر أهل القصيم، من السمات الجميلة التي ميزت الحي، حيث كانت العلاقات بين الجيران قائمة على المعرفة والمودة والتواصل، وكان الحي في تلك السنوات عالمًا صغيرًا نعيش فيه تفاصيل طفولتنا، ونكوّن فيه صداقاتنا وذكرياتنا التي بقيت راسخة في الذاكرة إلى اليوم.
خالي ناصر والزي العسكري ومن المشاهد التي لا تزال عالقة في ذاكرتي من طفولتي في حلة القصمان، زيارة خالي ناصر بن سليمان العمران لنا، وكان في ذلك الوقت طالبًا في كلية قوى الأمن الداخلي بالرياض.(تقلد لاحقا رتبة لواء)
وكان خالي يأتي إلينا في إجازة نهاية كل أسبوع، ويقضي إجازته معنا، إذ كانت أسرته تقيم في مدينة بريدة بمنطقة القصيم. وكان أكثر ما يلفت انتباهي، وأنا في تلك السن، أنه كان يأتي مرتديًا زيه العسكري، الذي كان مميزًا وأنيقًا في نظرنا نحن الأطفال، ويثير فضول من هم في مثل سني.
فكنت أترقب قدومه، وأتأمل ذلك الزي الرسمي وما يضفيه على صاحبه من هيبة وأناقة، وكان حضوره في الحي بزيه العسكري مشهدًا لافتًا بالنسبة لي، وظل هذا المشهد من الذكريات الجميلة التي ارتبطت بمرحلة طفولتي في حلة القصمان.
ولعل هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو عابرة في نظر الآخرين، هي التي تمنح ذكريات الطفولة قيمتها؛ فهي لا تحفظ لنا الأحداث الكبيرة فحسب، بل تحفظ أيضًا الأشخاص والملابس والأماكن والمشاهد التي صنعت عالمنا الأول، وبقيت صورتها حاضرة في الذاكرة رغم مرور السنين.
أول زواج في بيت حلة القصمان وفي هذا المنزل في حلة القصمان، شهدت أول زواج لأختي الكبيرة أم محمد ، فقد تزوجت وزفّت إلى زوجها وأنا لا أزال طفلًا.
وأذكر أنني حزنت حزنًا شديدًا لفراقها، فقد كانت قريبة مني، وكنت أستشعر معنى الفراق رغم صغر سني. وما زلت أذكر ذلك الموقف وكأنه أمام عيني؛ فقد دمعت عيناي من شدة حزني، ووقفت أمام إحدى المرايا الموجودة في البيت، أنظر إلى عيني وهما تدمعان لفراق أختي.
وقد يبدو هذا الموقف بسيطًا في تفاصيله، لكنه بقي راسخًا في ذاكرتي؛ فربما كانت تلك من أولى المرات التي شعرت فيها، وأنا طفل، بأن البيت الذي اعتدنا أن نجتمع فيه يمكن أن يتغير، وأن أفراد الأسرة قد يغادرونه إلى حياة جديدة، وأن الفرح بالزواج قد يحمل في قلب الطفل الصغير شيئًا من الحزن على فراق من يحب.
بدايات المراهقة وألعاب الحارة وفي هذا المنزل أيضًا شهدت بدايات مراهقتي، وكانت مرحلة جميلة من مراحل العمر، عشت فيها مع أبناء الحارة تفاصيل لا تزال حاضرة في ذاكرتي إلى اليوم.
كنا، أنا وأخواني وبقية أبناء الحارة، نخرج إلى الأسواق والقصيريات القريبة من منزلنا، ولا سيما في وقت القيلولة، حين كان أصحاب المحلات يغلقون متاجرهم ويذهبون إلى الراحة. فكنا نستغل هدوء الأسواق وخلوها من الحركة، ونلعب في أطراف القصيريات وبين المحلات، ونقضي ساعات طويلة في اللهو والمرح.
وكانت لنا ألعاب شعبية كثيرة، من بينها لعبة (البراجونة) وعظيم سَرّا، إلى جانب ألعاب أخرى اعتدنا ممارستها في ذلك الوقت، كما كانت كرة القدم حاضرة بقوة في حياتنا اليومية.
وكنا نلعب كرة القدم عند باب يُعرف باسم باب مستودع الشماسي، وكان بابًا كبيرًا أسود اللون، فاتخذناه مرمى لنا، وكنا نتجمع عنده ونخوض مبارياتنا بحماس الطفولة وروح المنافسة، دون أن نملك من أدوات اللعب إلا القليل، ولكننا كنا نملك الكثير من الحماس والفرح.
واليوم، حين أستعيد تلك الذكريات، أدرك أن أجمل ما فيها لم يكن الألعاب وحدها، وإنما الصحبة، وروح الجماعة، والحي الذي كان يجمعنا، وتلك الأيام التي عشناها ببساطة وعفوية، وتركت في نفوسنا ذكريات لا تزال تعيش معنا حتى اليوم.
ولم تقتصر علاقتنا بكرة القدم على اللعب العابر، بل تطورت إلى تأسيس فريق خاص بنا أطلقنا عليه اسم «فريق المجد». وذهبنا إلى أحد الخطاطين، وطلبنا منه أن يكتب لنا اسم الفريق، ثم اشترينا فنائل (شيرتات) خاصة بالفريق، وطبعنا عليها اسم المجد من الخلف، ووضعنا لكل لاعب رقمًا خاصًا به. وكنت أحد مدافعي الفريق.
وكنا نشعر بالفخر ونحن نرتدي تلك الفنائل، وكأننا فريق محترف له تاريخه وشعاره ومبارياته! وكنا نباري فرق الأحياء القريبة من حينا، ونخوض معها مباريات يسودها الحماس والمنافسة والروح الرياضية.
ولم نكتفِ بذلك، بل قمنا بإعداد ملعب خاص لنا في حي الغرابي، وأصبح لنا مكان نلتقي فيه لممارسة كرة القدم، ونقضي فيه أوقاتًا طويلة، خصوصًا في العطل والإجازات.
كانت تلك الأيام بسيطة في إمكاناتها، لكنها غنية بالفرح والصداقة والمغامرة. فلم تكن لدينا وسائل الترفيه الكثيرة التي يعرفها أبناء هذا الجيل، ولذلك كنا نصنع لأنفسنا عالمنا الخاص؛ نحول بابًا أسود إلى مرمى، ونؤسس فريقًا لكرة القدم، ونذهب إلى الخطاط لنكتب اسم فريقنا على القمصان، ونعيش تلك التفاصيل الصغيرة وكأنها إنجازات عظيمة.
كرة الطائرة قبل المدرسة وفي أواخر المرحلة الابتدائية، كانت دراستنا في فصل الشتاء، وكانت الأجواء الباردة تضفي على تلك الأيام طابعًا خاصًا. وكنا نستيقظ مبكرًا ونستعد للذهاب إلى المدرسة، لكننا لم نكن نذهب إليها مباشرة.
ففي بعض الشوارع القريبة من منزلنا كانت المساحة ضيقة، فكنا نستغلها بطريقة بسيطة ومبتكرة؛ إذ نضع شبكة بين جدارين، ونحوّل الشارع إلى ملعب صغير لكرة الطائرة، ثم نبدأ اللعب مع أبناء الحارة قبل موعد دخولنا إلى المدرسة.
وكنا نستمر في اللعب حتى يقترب وقت المدرسة، فنترك الكرة والشبكة ونتوجه إليها، وكأننا بدأنا يومنا الرياضي قبل أن يبدأ يومنا الدراسي!
كانت إمكاناتنا بسيطة جدًا، لكننا كنا نعرف كيف نصنع منها المتعة؛ فالشارع ضيق وشبكة بين جدارين كانا كافيين ليصبح المكان ملعبًا يجتمع فيه أبناء الحي، وتبقى فيه أصواتنا وضحكاتنا جزءًا من صباحاتنا الجميلة.
وحين أستعيد هذه الذكريات اليوم، أتذكر كيف كانت الحارة نفسها ملعبنا، وأزقتها ساحاتنا، وأبناء الجيران رفاق لعبنا، وكيف كانت طفولتنا مليئة بالحركة والنشاط رغم بساطة الحياة وقلة وسائل الترفيه في ذلك الزمن.
هواية جمع الطوابع ومن الهوايات التي رافقتني في تلك المرحلة من طفولتي وبدايات مراهقتي هواية جمع الطوابع البريدية، وكانت من الهوايات التي استحوذت على اهتمامي وأثارت فضولي، إذ كنت أجد متعة كبيرة في البحث عن الطوابع المختلفة والتعرف عليها وجمعها.
وكانت طريقتي في الحصول عليها بسيطة، فكنت أذهب إلى شارع الوزير وشارع البطحاء، حيث كانت تكثر الشركات والبنوك والمكاتب التجارية في ذلك الوقت. وكانت المراسلات البريدية بين هذه الجهات كثيرة، وأحيانًا أجد بعض الظروف والرسائل التي تم التخلص منها ملقاة في قارعة الطريق، فألتقطها وأحملها معي، ثم أنزع عنها الطوابع بعناية واحتفظ بها ضمن مجموعتي.
وكان ما يزيد شغفي بهذه الهواية أن الطوابع لم تكن من بلد واحد، بل كانت تأتيني من مختلف أنحاء العالم؛ فمنها الطوابع السعودية والخليجية والعربية، ومنها الطوابع الأوروبية والأمريكية والآسيوية، وغيرها من دول العالم.
ومع مرور الوقت أخذت مجموعتي تكبر شيئًا فشيئًا، حتى أصبحت لدي عدة ألبومات تضم مئات الطوابع المتنوعة، وكنت أعتز بها واحرص على ترتيبها والاحتفاظ بها.
ولم تكن هواية جمع الطوابع بالنسبة لي مجرد جمع قطع صغيرة من الورق، بل كانت نافذة أطل منها على العالم وأنا طفل؛ فكل طابع كان يحمل اسم دولة أو صورة شخصية أو معلمًا أو مناسبة، وكنت أتأمل هذه الصور والأسماء وأتساءل عن البلدان التي جاءت منها، وكأنني أسافر إليها بخيالي وأنا في منزلي بحلة القصمان.
وحين أتذكر اليوم تلك الألبومات، أجد أنها لم تكن مجرد مقتنيات طفولية، وإنما كانت جزءًا من تكوين شخصيتي في تلك المرحلة؛ فقد علمتني الصبر، والدقة، والاهتمام بالتفاصيل، وحب البحث والاحتفاظ بالذكريات، وهي قيم ظلت ترافقني في مراحل لاحقة من حياتي.
مذكراتي اليومية.. ذاكرة بدأت مبكرًا ومن الهوايات التي أعتز بها كثيرًا، أنني بدأت في سن مبكرة كتابة مذكراتي اليومية؛ فقد كنت أدوّن يومياتي منذ أن كان عمري نحو ثلاثة عشر عامًا، واستمرت هذه العادة معي حتى المرحلة الجامعية.
كنت أحرص على تسجيل كثير من الأشياء التي تمر بي خلال يومي، ولا سيما ما أراه مهمًا أو يستحق أن يبقى في الذاكرة. ولم تكن مذكراتي تقتصر على أحداثي الشخصية، بل كنت أسجل فيها جوانب مختلفة من الحياة من حولي؛ فأدوّن بعض الظواهر والأحوال المناخية، والأيام الوطنية والمناسبات، والأحداث التاريخية والوقائع السياسية التي كانت تقع في ذلك الوقت، إلى جانب ما يتعلق بالأسرة من مناسبات وأحداث وتفاصيل يومية.
ومع مرور السنوات، أصبحت هذه المذكرات سجلًا شخصيًا يوثق مرحلة مهمة من حياتي، ويحتفظ بتفاصيل ربما كان من الصعب أن أتذكرها لو لم أقم بتدوينها في حينها.
واليوم، حين أعود إلى تلك المذكرات القديمة، أشعر بقيمة هذه الهواية التي لازمتني منذ الصغر؛ فأنا لا أقرأ فيها ما كتبته عن نفسي فحسب، وإنما أجد بين صفحاتها صورة لزمن كامل: أحوال الناس، وتغيرات الحياة، والمناسبات، والأحداث التي عشناها، وما كان يشغلنا في تلك السنوات.
ولعل أجمل ما في هذه الهواية أنني كنت أكتب الأحداث وهي حاضرة في ذهني، قبل أن تتراكم عليها السنوات وتغطيها الذاكرة بالنسيان؛ ولذلك أصبحت تلك المذكرات اليوم شاهدًا شخصيًا على مراحل من حياتي، ومصدرًا مهمًا لاستعادة كثير من التفاصيل التي عشتها في طفولتي وشبابي.
ومن هنا أدركت أن الكتابة لا تحفظ الحاضر لنا فحسب، بل تحوّل الأيام العابرة إلى ذاكرة باقية، يمكن للإنسان أن يعود إليها بعد سنوات طويلة، فيجد نفسه وكأنه يستعيد شيئًا من عمره الذي مضى.
رحلاتنا إلى مطار الرياض ومن الذكريات التي لا أنساها من تلك المرحلة أننا كنا نذهب مشياً على الأقدام من منزلنا في حلة القصمان إلى مطار الرياض، رغم أن المسافة كانت تقارب ثمانية كيلومترات.
ولم يكن الذهاب إلى المطار لغاية السفر، وإنما كان في حد ذاته رحلة ومغامرة بالنسبة لنا ونحن صغار. فكنا نقطع الطريق مشيًا، وكان هدفنا أن نشاهد الطائرات وهي تقلع وتهبط، ونتأمل حركتها وأصواتها، ونراقب المسافرين وهم يدخلون إلى المطار أو يغادرونه.
كما كنا نستمتع بمشاهدة الركاب القادمين والمغادرين، وننظر إلى ما كان يقدم لهم من خدمات وطعام وشراب، وكل تلك التفاصيل كانت تثير فضولنا وتزيد متعتنا بالزيارة.
وكان المطار بالنسبة لنا آنذاك مكانًا مختلفًا عن عالم الحي الذي نعيش فيه؛ ففيه طائرات تأتي من أماكن بعيدة، وركاب يحملون حقائبهم، وأشخاص يودعون مسافرين أو يستقبلون قادمين. وكنا نقف متأملين هذا المشهد، نتخيل البلدان التي جاءت منها الطائرات، وإلى أين سيذهب أولئك المسافرون.
واليوم، حين أتذكر أننا كنا نقطع نحو ثمانية كيلومترات ذهابًا إلى المطار مشيًا لمجرد مشاهدة الطائرات والركاب، أدرك مدى بساطة الحياة في ذلك الزمن، وكيف كنا نصنع لأنفسنا متعة ومغامرة من أشياء تبدو اليوم عادية، لكنها كانت بالنسبة لنا عالمًا واسعًا مليئًا بالإثارة والخيال.
كانت تلك الرحلات إلى المطار جزءًا من مغامرات طفولتنا، و ذكرى من ذكريات الرياض القديمة التي ما زالت حاضرة في الذاكرة بكل تفاصيلها.
وكان لكل انتقالٍ أثره في الذاكرة؛ فالأحياء القديمة لم تكن مجرد أماكن للسكن، بل كانت مدارس اجتماعية يتعلم فيها الطفل معنى الجيرة، والاحترام، والتعاون، والاعتماد على النفس. كانت الحياة أقل تعقيدًا، وأكثر قربًا من الناس، وكانت فرحة الطفل تصنعها أشياء بسيطة، لكنها تبقى في الذاكرة أعوامًا طويلة.
الانتقال إلى حي الملز.. بيت الأسرة والتعليم وفي عام 1394هـ انتقلنا من حلة القصمان إلى حي الملز، وكانت هذه النقلة بداية مرحلة جديدة ومهمة في حياتنا الأسرية والتعليمية. فكان هذا الحي محطة أخرى من محطات الطفولة والشباب، ومرحلةً جديدة ارتبطت في الذاكرة بالمدرسة والأصدقاء والجيران ومشاهد الحياة اليومية.
وكان والدي رحمه الله قد اشترى أرضًا واسعة في حي الملز، شمال محطة سكة الحديد وأقام عليها فيلا كبيرة تتسع لنا وتزيد، وقد حرص رحمه الله على أن يكون لكل واحد منا من الإخوان والأخوات غرفة خاصة به، مما جعل المنزل واسعًا ومريحًا، وأصبح مع مرور الوقت مركزًا لحياتنا الأسرية وذكرياتنا الجميلة.
كما أنشأ والدي في المنزل حديقة خاصة، وزرع فيها نحو عشر نخلات متنوعة، إلى جانب مجموعة من أشجار الفاكهة، فكان للمنزل حديقة تضفي عليه جمالًا وحياة، وأصبحت جزءًا من ذاكرتنا في تلك المرحلة.
وفي ذلك الوقت كنت قد أنهيت المرحلة الابتدائية، وتقدمت للالتحاق بالمرحلة المتوسطة في مدرسة العباس القريبة من منزلنا. إلا أن الله سبحانه وتعالى كتب لي ولأخي صالح مسارًا تعليميًا مختلفًا.
فقد التقى والدي رحمه الله، ذات يوم، بمعالي الشيخ عبدالعزيز المسند رحمه الله، وكان صديقًا له، وكنت أنا وأخي صالح برفقة والدنا في ذلك اللقاء. فسأل الشيخ والدي عن المرحلة التي وصلنا إليها في التعليم، فأخبره بأننا أنهينا المرحلة الابتدائية وأنه قام بتسجيلنا في المرحلة المتوسطة.
فأشار الشيخ عبدالعزيز المسند رحمه الله على والدي أن يسجلنا في المعهد العلمي بالرياض، التابع آنذاك لرئاسة الكليات والمعاهد العلمية، وأخذ يقنع والدي بوجهة نظره، ويبين له ما للمعهد العلمي من أهمية في تكوين الطالب وتعليمه.
فاقتنع والدي رحمه الله برأيه، وقام بتسجيل أخي صالح وأنا في معهد الرياض العلمي، وكانت تلك المشورة سببًا في تغيير مسارنا التعليمي؛ فأكملنا المرحلة المتوسطة ثم المرحلة الثانوية في المعهد، وتخرجنا منه، ثم واصلنا طريقنا التعليمي بالالتحاق بـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
جدي علي وآخر أيامه في منزل الملز ومن الذكريات المهمة التي لا يمكن أن أتجاوزها عند الحديث عن منزلنا في حي الملز، أن جدّي العقيلي علي الجارالله العجلان رحمه الله كان يقيم معنا في هذا المنزل. وكان في ذلك الوقت قد تجاوز الخمسة والسبعين من عمره، وقد أمضى معنا فيه جانبًا من آخر أيام حياته.
وفي هذا المنزل توفي جدي رحمه الله، وذلك في يوم الثلاثاء 27/12/1395هـ، وكان لوفاته أثر عميق في نفوسنا، فقد كان كبير الأسرة، وله مكانته في قلوبنا.
وبعد وفاته رحمه الله، تولى ابن أخته الشيخ محمد بن عبدالله الصلال أمر تغسيله وتكفينه ، ثم تمت الصُلّاة عليه في مسجد الشيخ أحمد المنصور بحي المرقب في البطحاء، وبعد ذلك وُوري الثرى في مقبرة العود، التي كانت في ذلك الوقت من مقابر مدينة الرياض المعروفة.
وبقيت وفاة جدي رحمه الله من الأحداث التي ارتبطت في ذاكرتي بهذا المنزل؛ فقد كان البيت الذي شهد إقامته بيننا، ثم شهد آخر أيامه ووفاته، ليبقى جزءًا من تاريخ الأسرة وذكرياتها.
رحم الله جدي عليًا، ورحم والدي، وجميع موتى المسلمين، وجزاهم الله عنا خير الجزاء، فقد تركوا لنا من الذكريات والمواقف ما يجعل حضورهم باقيًا في نفوسنا، وإن غابوا عن أعيننا.
وكان منزلنا في حي الملز شاهدًا كذلك على كثير من المناسبات السعيدة في الأسرة؛ ففيه تزوجت بقية اخواتي ، كما شهد المنزل زواج أخي جار الله رحمه الله.
ولهذا ارتبط المنزل في ذاكرتي بالفرح والبهجة، فقد كان بيتًا تجتمع فيه الأسرة، وتقام فيه مناسبات الزواج، وتتعالى فيه أصوات الفرح، وتلتقي فيه الأقارب والأهل والأصدقاء. ولم يكن مجرد منزل نسكن فيه، بل كان بيتًا يحمل جانبًا كبيرًا من تاريخ أسرتنا وذكرياتها.
أول سيارة.. فرحة لا تُنسى وأذكر أنه عندما أنهيت المرحلة المتوسطة، اشترى لي والدي رحمه الله سيارة،200L وكانت تلك من الذكريات التي لا تزال عالقة في نفسي.
وبعد أن حصلت على التصريح النظامي لقيادة السيارة، أصبحت أستطيع قيادتها، وكانت فرحتي بها كبيرة جدًا؛ فقد شعرت وأنا في تلك السن بأنني انتقلت إلى مرحلة جديدة من حياتي، وأصبح لدي قدر أكبر من الحرية والاعتماد على النفس.
ولا أزال أذكر فرحتي بذلك اليوم وكأنها بالأمس؛ فقد كنت فرحًا ومسرورًا بها جدًا ، وكانت السيارة بالنسبة لي أكثر من مجرد وسيلة للانتقال، فقد كانت تمثل شيئًا جديدًا في حياتي، وذكرى جميلة ارتبطت بمرحلة الشباب وبكرم والدي رحمه الله وحرصه على إسعاد أبنائه.
وكلما تذكرت تلك السيارة، تذكرت معها تلك الفرحة البريئة التي لا تعوضها اليوم أغلى السيارات؛ فالإنسان قد ينسى تفاصيل كثيرة من حياته، لكنه لا ينسى فرحة الأشياء الأولى.
ولم تتوقف علاقتي بهذا المنزل عند مرحلة الطفولة والشباب، بل امتدت إلى مراحل لاحقة من حياتي؛ فبعد تخرجي من الجامعة التحقت بـ معهد الإدارة العامة، ودرست فيه في برنامج الأنظمة، وحصلت على درجة الماجستير وظيفيًا، ضمن الدورة الرابعة عشرة.
وهكذا ظل هذا المنزل حاضرًا في مراحل متعددة من حياتي؛ عشت فيه سنوات الدراسة، وشهد أفراح إخوتي وأخواتي، واحتضن مرحلة من تكويني العلمي والمهني، ولذلك فإن ذكراه بالنسبة لي ليست مجرد ذكرى مكان، وإنما ذكرى مرحلة كاملة من العمر، ارتبطت فيها الأسرة والتعليم والعمل والفرح في منزل واحد.
بداية الحياة العملية والانتقال إلى حي الربوة وأذكر من ذكرياتي في هذه الفيلا التي سكناها في حي الملز أنها شهدت أيضًا بداية حياتي العملية بعد تخرجي من معهد الإدارة العامة في الدراسات القانونية.
فبعد تخرجي التحقت مباشرة بـ هيئة الرقابة والتحقيق، وتم قبولي فيها فورًا للعمل بوظيفة ممثل ادعاء في إدارة الادعاء بالهيئة، على المرتبة الثامنة وكانت مباشرتي للعمل بتاريخ 25/12/1406هـ.
وكانت تلك بداية مرحلة جديدة في حياتي، انتقلت فيها من مقاعد الدراسة والتأهيل العلمي إلى الحياة العملية، وبدأت ممارسة العمل في مجال الأنظمة والتحقيق والادعاء، وهو المجال الذي واصلت فيه مسيرتي المهنية بعد ذلك.
ولم أمضِ في هذا المنزل طويلًا بعد بداية عملي؛ فبعد نحو شهر واحد من مباشرَتي للعمل وكان ذلك في يوم الجمعة 27/1/1407 ، انتقلنا إلى مجموعة من الفلل التي كان والدي رحمه الله قد أقامها في حي الربوة.
وكانت أرض تلك الفلل واسعة، تبلغ مساحتها نحو ستة آلاف متر مربع، وقد خصص والدي رحمه الله الجزء الأكبر منها لفلته التي كان يسكنها، بينما أقام في بقية المساحة فللًا لأبنائه، حرصًا منه على أن تكون الأسرة متقاربة في السكن، وأن يكون لكل واحد منا مسكنه الخاص.
وكان ذلك من صور عناية والدي رحمه الله بأبنائه وحرصه على مستقبلهم واستقرارهم، فقد كان يفكر فينا ويخطط لنا، ويعمل على توفير أسباب الراحة والاستقرار لنا حتى بعد أن كبرنا وأصبح لكل منا حياته ومسؤولياته.
رحم الله والدي رحمة واسعة، فقد ترك لنا، إرثًا أعظم من ذلك كله؛ إرثًا من المحبة والرعاية وحسن التربية والحرص على جمع الأسرة وتقاربها، وما زالت آثار ما بذله من أجلنا حاضرة في حياتنا وذكرياتنا إلى اليوم.
وحين نستعيد اليوم تلك الأحياء، ندرك أن قيمة المكان ليست في مبانيه وشوارعه فحسب، وإنما في الذكريات التي تركها أهل المكان في نفوسنا. فالأحياء القديمة كانت تحمل شيئًا من الأصالة التي يصعب أن تتكرر؛ بساطة في المعيشة، ودفء في العلاقات، وقربًا بين الناس، وشعورًا بأن الحي بيتٌ كبير يسكنه الجميع.
ولعل أجمل ما في ذكريات الطفولة أنها لا تعود إلينا كما كانت، وإنما تعود في صورة مشاهد متفرقة: وجه جارٍ قديم، أو صوت معلم، أو طريقٍ كنا نسلكه كل صباح، أو بيتٍ كان لنا فيه ذكرى، أو صديقٍ رافقنا في سنوات العمر الأولى.
ثم جاءت بعد ذلك مرحلة حي الربوة بالرياض، لتفتح فصلًا جديدًا من الحياة، وتنتقل بنا الذاكرة من طفولة الأحياء القديمة إلى مراحل أخرى من العمر.
ومع مرور السنين، أدركت أن الإنسان قد يغادر المكان، لكنه لا يستطيع أن يغادر ذاكرته؛ فالأحياء التي عشنا فيها تظل تسكن فينا، لأنها احتفظت بأيامٍ لن تعود، وبوجوهٍ ربما غاب أصحابها، وبأصواتٍ ما زالت أصداؤها حاضرة في الوجدان.
وهكذا تبقى الخالدية ببريدة، وحلة القصمان، وحي الملز، ثم حي الربوة بالرياض، محطاتٍ في مسيرة العمر؛ لكل واحدٍ منها حكاية، ولكل حيٍ منها ذاكرة، ولكل مرحلةٍ منها أثر لا يمحوه الزمن.
«قد تتغير الأحياء، وتتسع المدن، وتتبدل معالم الأماكن، لكن ذاكرة الطفولة لا تهدمها السنين؛ فهي البيت الأول الذي يبقى في داخل الإنسان مهما ابتعدت به الحياة.»
مقال بمناسبة مهرجان وكرنفال بريدة الدولي للتمور 1448 هـ – 2026م
كتب: فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
تعيش مدينة بريدة هذه الأيام أجواء مهرجان وكرنفال بريدة الدولي للتمور لعام 1448 هـ – 2026 م، الذي يمثل أحد أبرز المواسم الاقتصادية والزراعية في منطقة القصيم، ويجسد المكانة التاريخية التي احتلتها النخلة والتمور في حياة أهل بريدة واقتصادهم.
وقد افتتح مهرجان وكرنفال بريدة الدولي للتمور في أوائل شهر أغسطس 2026م، ويستمر لمدة 75 يومًا، ويجمع بين النشاط الاقتصادي والزراعي والثقافي والسياحي، بما يعكس التطور الكبير الذي وصلت إليه صناعة التمور وتسويقها في المنطقة.
وتأتي هذه المناسبة فرصة مناسبة للعودة إلى تاريخ بريدة، واستحضار جهود أحد أبرز أمرائها في تاريخها، وهو الأمير حجيلان بن حمد آل أبو عليان، الذي ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من مراحل نمو بريدة واستقرارها، وبناء قوتها الاقتصادية والاجتماعية.
اشتهرت بريدة منذ القدم بالزراعة والتجارة، وكانت النخيل والتمور من أهم مقومات اقتصادها، إلى جانب الحبوب والخضروات وغيرها من المنتجات الزراعية.
ولم تكن بريدة مدينة زراعية فحسب، بل كانت كذلك مدينة تجارية نشطة، ارتبطت بالطرق والقوافل والأسواق، واستفادت من موقعها الجغرافي ومن خبرة أهلها المتوارثة في التجارة والزراعة.
وقد وصف الرحالة والمؤرخون بريدة وأهلها بما يعكس هذا النشاط التجاري، ومن ذلك ما نقله الرحالة الفرنسي شارل هوبير عند زيارته لها في القرن الثالث عشر الهجري، من وجود عدد كبير من الحوانيت والأسواق فيها.
كما نقل المؤرخ والرحالة أمين الريحاني عند زيارته لبريدة في أوائل القرن العشرين الميلادي وصفًا لأهلها بقوله إنهم لا يعرفون إلا التجارة والصلاة، وهو وصف يعكس ما عُرفت به المدينة من نشاط تجاري وحياة دينية واجتماعية.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة الوثيقة بين الزراعة والتجارة في تاريخ بريدة؛ فالمزارع لم تكن مجرد مصدر للغذاء، وإنما كانت جزءًا من منظومة اقتصادية متكاملة، تنتج وتبيع وتتبادل منتجاتها مع المناطق الأخرى.
يعد الأمير حجيلان بن حمد آل أبو عليان من أبرز أمراء القصيم ويؤسس لمرحلة مهمة في تاريخها :
وتشير الدراسة الأكاديمية التي أعدها الباحث عمرو بن إبراهيم العمرو بجامعة القصيم إلى أن إمارة حجيلان امتدت من 1194هـ إلى 1234هـ / 1780م إلى 1818م، وهي فترة قاربت أربعة عقود، وكانت مرحلة مهمة في تاريخ بريدة من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية.
وتكمن أهمية هذه الفترة في أنها لم تكن مرحلة عادية في تاريخ نجد؛ فقد شهدت أحداثًا سياسية وعسكرية كبيرة، وكان على أمراء المدن آنذاك أن يوازنوا بين حماية مدنهم والمحافظة على استقرار السكان ومصالحهم الاقتصادية.
ولهذا فإن الحديث عن دور حجيلان في المجال الزراعي ينبغي ألا يُفهم وفق مفهوم الزراعة الحديثة؛ فلم تكن في ذلك العصر وزارة للزراعة أو مشاريع زراعية حكومية أو برامج للتنمية الزراعية كما نعرفها اليوم.
وإنما كان دور الأمير في ذلك الزمن يتمثل بصورة أساسية في توفير الأمن والاستقرار، وحماية المدينة والسكان والممتلكات والطرق ومصادر المياه، وهي أمور كانت تمثل الأساس الذي تقوم عليه الحياة الزراعية والتجارية.
إن من أهم ما يمكن ربطه بعهد الأمير حجيلان بن حمد مسألة الأمن والاستقرار.
فالزراعة في بريدة كانت تعتمد على الآبار والسواني والعمل اليدوي، وكانت المزارع والبساتين تحتاج إلى الاستقرار والحماية حتى يستطيع أصحابها زراعة الأرض والعناية بالنخيل والمحاصيل.
ومن هنا فإن حماية المدينة ومزارعها وطرقها لم تكن مسألة أمنية منفصلة عن الاقتصاد، بل كانت جزءًا من حماية الثروة الزراعية نفسها.
ومن أبرز الشواهد على ذلك ما حدث سنة 1196 هـ عندما تعرضت بريدة لحملة سعدون بن عريعر، فواجه أهلها الحملة، وكان حجيلان بن حمد من أبرز من تولى قيادة الدفاع عنها، واستمر الحصار مدة طويلة قبل أن تنسحب الحملة دون أن تتمكن من إخضاع المدينة.
وقد كان لسور بريدة الذي اكتمل في بداية عهد حجيلان دور مهم في حماية المدينة خلال تلك الأحداث، وتذكر المصادر أن السور كان مكتملًا عندما حاصر سعدون بن عريعر بريدة سنة 1196 هـ.
ولا شك أن حماية المدينة في ذلك الوقت كانت تعني حماية سكانها وأموالهم وممتلكاتهم، ومن بينها المزارع والبساتين والنخيل.
كانت المياه ولا تزال عصب الحياة والأساس الأول للزراعة في بريدة والقصيم.
ففي عصر حجيلان لم تكن هناك شبكات مياه حديثة ولا أنظمة ري آلية، وإنما كانت الزراعة تعتمد على الآبار والسواني والجهد المتواصل الذي يبذله المزارعون في استخراج المياه وري نخيلهم ومحاصيلهم.
ولهذا فإن المحافظة على الأمن في محيط الآبار والمزارع، وحماية حقوق الناس وممتلكاتهم، كانت من أهم عوامل استمرار النشاط الزراعي.
ومن الخطأ التاريخي أن ننسب إلى الأمير حجيلان مشاريع زراعية محددة بالمعنى الحديث من غير وجود نص تاريخي صريح يثبت ذلك، ولكن من الصحيح أن ننظر إلى عهده باعتباره مرحلة كان فيها الأمن والاستقرار وحماية المجتمع من أهم العوامل التي مكنت النشاط الزراعي والاقتصادي من الاستمرار والنمو.
لم تكن منتجات بريدة الزراعية مخصصة للاستهلاك المحلي وحده؛ فقد ارتبطت الزراعة بالتجارة، وكانت التمور والخضروات وغيرها من المنتجات الزراعية تدخل في النشاط التجاري الذي عرفت به بريدة.
وهنا تظهر أهمية موقع المدينة واستقرارها؛ فكلما زاد الأمن، أمكن للمزارع أن ينتج، وللتاجر أن يشتري ويبيع، وللقوافل أن تتحرك، وللأسواق أن تنشط.
وهذا الترابط بين الأمن والزراعة والتجارة يجعل من الممكن فهم جانب مهم من أثر حجيلان بن حمد في الحياة الاقتصادية لبريدة، دون الحاجة إلى نسبة مشاريع زراعية محددة إليه لا تذكرها المصادر.
إن أهمية عهد حجيلان لا تقتصر على الجانب العسكري والسياسي، وإنما تمتد إلى الأحوال الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.
ولعل من أهم المراجع في هذا الجانب رسالة الماجستير التي قدمها الباحث عمرو بن إبراهيم العمرو إلى جامعة القصيم بعنوان:
«بريدة في عهد إمارة حجيلان بن حمد آل أبو عليان: 1194–1234هـ / 1780–1818م».
وقد تناولت الرسالة تاريخ بريدة في عهد حجيلان، ودرست جوانب من الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والحملات التي تعرضت لها المدينة، وهي دراسة أكاديمية متخصصة نوقشت في جامعة القصيم سنة 1431هـ، وأجيزت بدرجة الماجستير.
وتبرز أهمية هذه الدراسة في أنها تتيح للباحث أن يتعامل مع عهد حجيلان بوصفه مرحلة تاريخية متكاملة، لا باعتباره مجموعة من الأحداث العسكرية المنفصلة.
من نخلة الأمس إلى نخلة اليوم :
عندما ننظر اليوم إلى مهرجان وكرنفال بريدة الدولي للتمور، وما يشهده من حركة اقتصادية ضخمة، فإننا ندرك مدى عمق الجذور التاريخية التي قامت عليها هذه المكانة.
ففي أغسطس 2026م وحده، سجل الكرنفال خلال أول خمسة عشر يومًا مبيعات تجاوزت 98 مليون ريال، وبلغت كميات التمور المتداولة أكثر من 8,264 طنًا، مع أكثر من 12 ألف سيارة واردة إلى الكرنفال.
وهذه الأرقام الحديثة لا يمكن فصلها عن تاريخ طويل من العناية بالنخلة والزراعة والتجارة في بريدة والقصيم.
فالنخلة التي كانت مصدرًا للغذاء والدخل في الماضي، أصبحت اليوم جزءًا من منظومة اقتصادية عالمية متطورة، تشمل الإنتاج والتعبئة والتسويق والتصدير والسياحة الزراعية والصناعات المرتبطة بالتمور.
وهنا تبرز المفارقة الجميلة بين الماضي والحاضر:
بالأمس كانت السواني تروي نخيل بريدة، واليوم تروي التقنيات الحديثة والمشاريع الزراعية هذا الإرث الممتد عبر القرون.
أثر حجيلان من الأمن إلى الاقتصاد
عند الحديث عن الدور الزراعي للأمير حجيلان بن حمد، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي أن نقول إننا لا نملك – فيما وقفنا عليه من المصادر – ما يكفي لإثبات أنه أقام مشروعًا زراعيًا محددًا أو وضع برنامجًا زراعيًا بالمعنى المعروف في العصر الحديث.
ولكننا نستطيع أن نفهم أثر عهده من خلال منظومة أوسع:
الأمن أدى إلى الاستقرار، والاستقرار مكّن الناس من العمل، والعمل دعم الزراعة، والزراعة غذّت التجارة، والتجارة أسهمت في قوة بريدة الاقتصادية.
وهذه السلسلة من العلاقات هي التي تجعل دراسة عهد حجيلان مهمة عند الحديث عن تاريخ بريدة الاقتصادي والزراعي.
فالأمير الذي يحمي المدينة ويحافظ على أمنها ويحمي ممتلكات أهلها وطرقها على مدى أربعة عقود، إنما يحمي في الوقت نفسه البيئة التي تقوم عليها الزراعة والتجارة.
حجيلان والدفاع عن الدولة السعودية الأولى :
ولا يمكن الحديث عن عهد الأمير حجيلان بن حمد دون الإشارة إلى دوره السياسي والعسكري في تلك المرحلة، فقد كان من الأمراء الذين ارتبطوا بالدولة السعودية الأولى، ووقفوا إلى جانبها ودافعوا عنها في مواجهة القوى التي سعت إلى إضعافها.
وكانت بريدة في عهده جزءًا مهمًا من المشهد السياسي والعسكري في نجد، ولذلك لم يكن دور حجيلان مقتصرًا على إدارة شؤون مدينته، بل امتد إلى المشاركة في الأحداث التي شهدتها المنطقة خلال تلك الحقبة.
وهذا الجانب من سيرته يزيد من أهمية عهده؛ إذ جمع بين القيادة السياسية، والدفاع عن المدينة، والمحافظة على استقرار المجتمع ومصالحه الاقتصادية في فترة كانت من أكثر فترات تاريخ نجد حرجًا واضطرابًا.
إن مهرجان بريدة للتمور في عام 1448هـ – 2026م ليس مجرد موسم لبيع التمور، وإنما هو مناسبة نستعيد من خلالها جانبًا مهمًا من تاريخ مدينة عريقة ارتبط اسمها بالنخلة والزراعة والتجارة.
ومن الجميل أن نتذكر في هذه المناسبة أحد أبرز أمراء بريدة، الأمير حجيلان بن حمد آل أبو عليان، الذي عاش في مرحلة تاريخية صعبة، واستطاع أن يثبت نفوذه ويحافظ على استقرار بريدة والقصيم، وأن يؤدي دورًا بارزًا في الدفاع عنها، وفي الوقوف إلى جانب الدولة السعودية الأولى.
وإذا كانت بريدة اليوم تستقبل التجار والمتسوقين من مختلف مناطق المملكة ودول الخليج والعالم، وتشهد حركة اقتصادية وزراعية كبيرة في موسم التمور، فإن ذلك يمثل امتدادًا حديثًا لإرث قديم عرفته المدينة منذ قرون.
لقد تغيرت الأدوات، وتطورت وسائل الزراعة والري والتسويق، واتسعت الأسواق من السوق المحلي إلى السوق العالمي، لكن النخلة بقيت حاضرة، وبقيت بريدة وفية لعلاقتها التاريخية بالزراعة والتمور والتجارة.
ومن هنا فإن استحضار سيرة الأمير حجيلان بن حمد في مناسبة مهرجان بريدة للتمور هو استحضار لمرحلة من تاريخ المدينة، حين كان الأمن والاستقرار وحماية الأرض والماء والإنسان هي الأسس التي مكنت بريدة من مواصلة مسيرتها الاقتصادية والعمرانية، حتى أصبحت اليوم واحدة من أبرز مدن المملكة في مجال التمور والزراعة والتجارة.
رحم الله الأمير حجيلان بن حمد، ورحم رجال بريدة الأوائل الذين غرسوا النخيل، وحفروا الآبار، وعمروا الأرض، وأسهموا في بناء هذه المدينة التي نراها اليوم شامخة مزدهرة.
وإن ما تشهده بريدة اليوم من نهضة زراعية واقتصادية إنما هو امتداد لمسيرة طويلة من العمل والعطاء، تحظى اليوم بدعم واهتمام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز – حفظهما الله –، وبرعاية واهتمام صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز، أمير منطقة القصيم، الذي أسهم في دعم التنمية الزراعية والاقتصادية والسياحية في المنطقة، وتعزيز مكانة القصيم وبريدة على المستويين المحلي والدولي.
وهكذا تواصل بريدة مسيرتها؛ من نخلة الأمس التي كانت تُروى بالسواني، إلى نخلة اليوم التي أصبحت عنوانًا لاقتصاد زراعي متطور، ومن سوق الأمس إلى مهرجان وكرنفال عالمي يستقطب الزوار والتجار من داخل المملكة وخارجها.
إنها قصة مدينة عرفت قيمة الأرض والماء والنخلة والتجارة، وحافظت على إرثها، وطورت حاضرها، وتتطلع إلى مستقبل أكثر ازدهارًا بإذن الله.
إن من أوثق الروابط التي جمعت بين أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان وأسرة الدخيل آل أبو عليان (أهل السادة)، ما نشأ بينهما من صلات قربى ومصاهرة امتدت عبر أجيال متعاقبة، حتى غدت هذه العلاقة مثالًا للمودة والوفاء وحسن التواصل بين الأسرتين.
فقد كان جد والدي محمد بن علي الجارالله العجلان من جهة والدته السيدة منيرة بنت صالح الدخيل هو الشيخ صالح بن عبدالله بن حمود الدخيل رحمه الله، كما أن جد أعمامي محمد وعبدالرحمن وحصة أبناء سليمان الجارالله من جهة والدتهم السيدة هيلة بنت صالح الدخيل هو الشيخ نفسه، وهو ما يعكس عمق الصلة بين الأسرتين، وما قامت عليه من الثقة والمحبة والتعاون.
وقد تجاوزت هذه العلاقة حدود المصاهرة، لتجسد صورة من صور التلاحم الأسري والاجتماعي والاقتصادي الذي كان سائدًا في ذلك الزمن، واستمرت آثارها المباركة في الأبناء والأحفاد، وبقيت ذكراها حاضرة في نفوس من عاصروها.
وكان للشيخ صالح الدخيل رحمه الله عدد من الأبناء والبنات، فمن أبنائه: علي وعبدالله رحمهما الله، ومن بناته: منيرة زوجة علي الجارالله العجلان ، ونورة صاحبة هذه السيرة زوجة سليمان الدخيل من أهل الزلفي ، ومزنة توفيت صغيرة ، وهيلة زوجة سليمان الجارالله العجلان ، وحصة زوجة سليمان بن عبدالله الخضر ، وشمّا زوجة محمد بن علي الكواري التميمي في قطر، وطرفة زوجة حسن الكواري التميمي في البحرين ، رحمهن الله جميعًا. وهؤلاء هم أخوال والدي محمد بن علي الجارالله، كما أنهم أخوال أبناء عمه: محمد وعبدالرحمن وحصة أبناء سليمان الجارالله.
ولما كنت قد أعددت في هذا الموقع سيرًا مختصرة لخالي والدي: الشيخ علي بن صالح الدخيل، والشيخ عبدالله بن صالح الدخيل رحمهما الله، والسيدة منيرة زوجة جدي علي الجارالله العجلان رحمهما الله رأيت أن من الوفاء لهذه الأسرة الكريمة أن أكتب سيرةً لأختهما خالة والدي نورة بنت صالح الدخيل رحمها الله. أستذكر فيها سيرتها لنترحم عليها ونذكر شيئًا من مآثرها وأخلاقها وفاءً لحقها وإحياءً لذكرها الطيب بيننا وبين أسرتها.
وقد كان والدي يحب خالاته جميعًا حبًا كبيرًا، وكان لخالته نورة منزلة خاصة في نفسه؛ إذ عرفها عن قرب بحكم ملازمته لها في مراحل من حياته، فكان يكنّ لها بالغ المحبة والتقدير، وكانت تبادله من الحنان والعطف مثل ذلك. ولمستُ هذا بنفسي من خلال ما رأيته من علاقتهما، وما عرفته عنها عن قرب من خلال احتكاكي المباشر بها في سنوات متفرقة. وقد تركت في نفسي انطباعًا لا يزال حاضرًا؛ لما كانت تتحلى به من طيبة القلب، وسلامة الصدر، والصبر على ما واجهته في حياتها من ابتلاءات، فكانت مثالًا للمرأة المؤمنة المحتسبة، رحمها الله رحمة واسعة.
تزوجت رحمها الله في مقتبل عمرها، غير أن حياتها الزوجية لم يكتب لها الاستقرار، فلم يدم زواجها طويلًا، وعادت بعد انفصالها إلى بيت أسرتها، حيث واجهت هذه المرحلة بالصبر والرضا، محتسبة أمرها إلى الله تعالى، دون أن يؤثر ذلك في حسن خلقها أو طيب معاشرتها لمن حولها.
ثم عوَّضها الله خيرًا، فكتب لها الزواج مرةً أخرى من الشيخ سليمان الدخيل، أحد أعيان محافظة الزلفي، فوجدت معه حياةً أكثر استقرارًا وطمأنينة، واستمر زواجهما قائمًا حتى وافتها المنية، رحمهما الله. ولم يرزقها الله الذرية، فلم تنجب من زواجها الأول ولا من زواجها الثاني، إلا أنها كانت أمراة حنونة وقريبةً من أبناء إخوتها وأخواتها وأقاربها، تبذل لهم من عطفها ورعايتها ما جعلها تحظى بمحبتهم وتقديرهم.
ومن أجمل ما أحتفظ به في ذاكرتي عنها كثرة زياراتها لنا، سواء حين كنا نقيم في مدينة بريدة، أو بعد انتقالنا وانتقال أسرتها إلى مدينة الرياض؛ فما أكاد أذكر زيارةً لها إلا وكانت تدخل بيتنا وهي تحمل معها أصنافًا متنوعة من الحلوى والبسكويت، وكأنها تعلم مقدار ما يبعثه ذلك في نفوسنا نحن أحفاد أختها منيرة بنت صالح الدخيل من فرحٍ وشوق.
وكانت، ما إن ترتشف فنجان القهوة، حتى تبادر إلى إخراج ما أحضرته وتوزيعه علينا بمحبة وسخاء، فنلتف حولها بلهفة الأطفال، لا شوقًا إلى الحلوى وحدها، بل شوقًا إليها هي، وإلى أحاديثها العذبة، وسواليفها الممتعة، وما كانت تختزنه ذاكرتها من أخبار الأسرة وأشعارها.
وكان من أمتع ما نسمعه من خالتي نورة رحمها الله تلك الأبيات التي حفظتها عن أختها منيرة بنت صالح الدخيل، والدة والدي، والتي كانت تنشدها شوقًا إلى زوجها علي بن جارالله العجلان العقيلي، حين كان يطيل الغياب في رحلات العقيلات إلى بلاد الشام ومصر طلبًا للتجارة والرزق. وقد ظلت تلك الأبيات راسخة في ذاكرتها، ترددها كلما جرى الحديث عن تلك الأيام، فتأخذنا معها إلى زمن مضى، وتحيي في نفوسنا صورًا صادقة من حياة الأسرة، وما كان يكتنفها من المحبة والوفاء، وتجسد ما كانت تجده أختها من لوعة الفراق، وشدة الشوق، وترقب عودة زوجها سالمًا. وحتى اليوم، لا تزال تلك المجالس، وذلك الإنشاد العفوي، من أحب الذكريات التي استقرت في وجداني، ثم كانت تردد قائلة:
امس الضحى طبو الشيبان ودموع عيني ذواريفي
شهقت قالوا ارفقي يازين عند الجلوي على كيفي
والله ماقلت لك جوعان مير الشتاء يتبعه صيفي
هذه يا علي سنين ماهيب أيام العمر زرع على هيفي
كما قالت رحمها الله:
الله يسخر لبن عجلان حنية عزيز وله هيبة
الله يسخر له التجار عسى كل يعلي به
طلعت انا يوم الخميس ماغير اناظر عزوتي
قمت اتعوذ من ابليس بغيت اشرح غدفتي
ياخالقي غصب علي يا محمد ضايق صدري
دمع عيني وش اسويبه عيشتي فنجال من الفجر
والغدا تراي ما أدلى به عقب حصة عاد وشليبه
وكانت رحمها الله طيبة القلب، دمثة الأخلاق، حسنة المعشر، محبوبةً لدى من عرفها، بارةً بوالديها، واصلةً لإخوانها وأخواتها، حريصةً على صلة رحمها، لا تدخر وسعًا في الإحسان إلى أقاربها ومن حولها. كما عُرفت بحبها للبر والصدقة، فكانت تنفق من مالها ابتغاء مرضاة الله، وتعطف على الفقراء والمساكين، وتجد في قضاء حوائجهم وإدخال السرور عليهم سعادةً وراحةً، راجيةً ما عند الله من الأجر والثواب.
وفي أواخر حياتها أُدخلت مستشفى الملك خالد الجامعي بمدينة الرياض إثر مرضٍ ألمَّ بها، ولم يمهلها طويلًا. ثم انتقلت إلى رحمة الله تعالى عام 1432هـ، بعد حياةٍ حافلة بالصبر والإيمان وحسن الخلق.
وصُلِّي عليها في جامع الراجحي بمدينة الرياض، ثم ووريت الثرى في مقبرة النسيم، رحمها الله رحمةً واسعة، وغفر لها، وجعل ما أصابها رفعةً في درجاتها، وأجزل لها المثوبة، وجمعها بوالديها وأحبتها في جنات النعيم.
ومن الوثائق التاريخية اللافتة شهادةٌ مؤرخة في فبراير عام 1922م، محفوظة اليوم في متحف العقيلات التاريخي لمؤسسه الدكتور بدر بن صالح الوهيبي في مدينة بريدة تحمل ختم العقيلي علي الجارالله آل أبو عليان التميمي إلى جانب توافيع واختام عددٍ من وجهاء العقيلات النجديين في ذلك العصر بالمملكة المصرية يشهدون فيها بأن علي بن عثمان المعارك من رعايا سلطنة نجد. ومعتمدة من فوزان السابق النجدي وتكتسب هذه الوثيقة أهمية تاريخية خاصة إذ تعكس ما كان يتمتع به علي الجارالله رحمه الله من مكانةٍ رفيعة وثقةٍ كبيرة بين أبناء مجتمعه حيث لم تكن مثل هذه الشهادات تُوقَّع إلا من رجالٍ عُرفوا بالعدالة والأمانة وحسن السيرة وصدق الكلمة، فكان توقيعهم محلَّ اعتمادٍ وقبول لدى الجهات الرسمية. وأصبحت هذه الوثيقة اليوم شاهدًا تاريخيًا مهمًا يوثق حضور علي الجارالله في الحياة العامة ويبرز إسهامه في خدمة أبناء وطنه خارج نجد كما تمثل إحدى الشواهد المضيئة على الدور الذي اضطلع به رجال العقيلات في تعزيز الروابط بين نجد ومصر وما كانوا يحظون به من سمعة طيبة وثقة راسخة. رحم الله العقيلي علي الجارالله العجلان آل أبو عليان التميمي وجزاه خير الجزاء وأبقى سيرته العطرة وذكراه الطيبة في أبنائه وأحفاده وعموم أسرته
أحد رواد المقاولات المعمارية الهندسية في المملكة العربية السعودية
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
يُعد المهندس سليمان بن علي بن عبدالعزيز الرجيعي من الرواد الأوائل في مجال المقاولات المعمارية الهندسية في المملكة العربية السعودية، وهو أحد النماذج الوطنية التي جمعت بين التفوق العلمي، والإدارة الناجحة، والإسهام الفاعل في مسيرة التنمية العمرانية التي شهدتها المملكة خلال العقود الماضية.
ينتمي المهندس سليمان الى قبيلة سبيع من بني ثور، وُلد ونشأ في مدينة بريدة، المدينة التي ظل يحمل لها محبة خاصة واعتزازًا كبيرًا، وتلقى فيها تعليمه الابتدائي والمتوسط والثانوي درس في المدرسة الزراعية ثم في ثانوية بريدة قبل أن ينتقل إلى مدينة الرياض لمواصلة تعليمه الجامعي في جامعة الرياض – التي تُعرف اليوم بجامعة الملك سعود – حيث تخرج في أواخر الستينيات الميلادية من كلية الهندسة قسم العمارة بعد سنوات من الجد والاجتهاد والمثابرة، ليكون من أوائل المهندسين السعوديين الذين شاركوا في نهضة قطاع المشاريع والإنشاءات في المملكة.
بدأ حياته العملية موظفا في جمعية الهلال الأحمر السعودي ببريدة وبعد تخرجه من الجامعة عمل مهندسا في رئاسة تعليم البنات بالرياض ثم انتقل عمله الى وزارة الصحة، حيث عُيّن مهندسًا مشرفًا في الإدارة العامة للمشاريع، وأسهم في الإشراف على تنفيذ عدد من المشاريع الحكومية التابعة للوزارة، فاكتسب خبرة هندسية وإدارية واسعة، عززت قدراته المهنية، ومهدت له الطريق لخوض تجربة العمل الحر.
وبعد سنوات قليلة من العمل الحكومي، اتخذ قرارًا جريئًا بالاستقالة، واتجه إلى تأسيس مؤسسة وطنية للمقاولات بالشراكة مع عدد من إخوانه، وكان من أبرزهم شقيقه المهندس منصور الرجيعي. وقد بدأت المؤسسة بخطوات متدرجة، اعتمدت على جودة التنفيذ، والانضباط، والالتزام بالمواصفات، وحسن الإدارة، حتى أصبحت – بفضل الله ثم بجهود مؤسسيها – من المؤسسات الوطنية الرائدة في مجال المقاولات العامة.
وشهدت المؤسسة توسعًا كبيرًا، ونفذت مشاريع حكومية كبيرة نوعية في مختلف مناطق المملكة، ، وكان من أبرزها إنشاء المستشفيات العامة والتخصصية، ومباني إمارات المناطق، إلى جانب العديد من المشاريع التابعة لوزارات وأجهزة الدولة المختلفة. وقد أكسبها ذلك سمعة مرموقة بين كبريات شركات المقاولات الوطنية، لما عُرفت به من جودة التنفيذ، والالتزام بالمواصفات، والوفاء بالمواعيد، والحرص على إنجاز الأعمال وفق أعلى المعايير المهنية.
ولم يكن نجاح المهندس سليمان الرجيعي مقتصرًا على الجانب المهني، بل عُرف كذلك بحسن الخلق، وطيب المعشر، وكرم النفس، والتواضع، وهي صفات أكسبته محبة كل من عرفه وتعامل معه. كما كان مثالًا في بر الوالدين، والوفاء لأسرته، وصلة رحمه، فكان بارًا بوالديه، كريمًا مع عماته، قريبًا من أبناء عمومته، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ويحرص على أداء ما تمليه عليه قيم الأسرة والمجتمع من واجبات ومكارم.
وكان، رحمه الله، يتمتع بشخصية قيادية، تجمع بين الحزم والحكمة، وبين حسن الإدارة وبُعد النظر، فكان موفقًا في اتخاذ القرار، ناجحًا في إدارة أعماله، كما كان صاحب رأي سديد في الشأن العام والاقتصاد، ومحدثًا لبقًا، حاضر الذهن، يحسن الحوار، ويترك أثرًا طيبًا في مجالسه، وهي صفات قلما تجتمع إلا في الشخصيات التي تترك بصمة باقية في محيطها.
ولم يكن المهندس سليمان بن علي الرجيعي رحمه الله ناجحًا في حياته العملية فحسب، بل كان أيضًا مثالًا في الوفاء وحسن العشرة. فقد جمعته بوالدي محمد بن علي الجارالله العجلان رحمه الله، زمالة العمل في وزارة الصحة في سنواتهما الأولى ثم تحولت تلك الزمالة إلى صداقة متينة امتدت طوال حياتهما، ولم يفرِّق بينهما إلا الموت رحمهما الله . وكانا نموذجًا للصديقين الصادقين اللذين جمعتهما المودة والاحترام والتقدير المتبادل.
ومن الشواهد التي بقيت حاضرة على تلك العلاقة الوطيدة أن المهندس سليمان هو الذي تولى تصميم فيلا والدي الكائنة في حي الربوة بمدينة الرياض عام 1985 على مساحة 2500 م فكان ذلك العمل شاهدًا ماديًا على عمق تلك الصداقة والثقة التي كانت تربط بينهما. وكان رحمه الله كثيرَ التردد على والدي، يزوره في منزله بحي الملز، ثم استمرت تلك الزيارات بعد انتقال والدي إلى منزله في حي الربوة وكنتُ أحرص غالبًا على استقباله كلما قدم للزيارة فلم تنقطع أواصر المودة التي جمعتهما، بل ظلت قائمة على الوفاء والإخاء الصادق. وكانت لقاءاتهما عامرةً بالمحبة والذكريات وتبادل الرأي، في صورةٍ تجسد عمق العلاقة التي نشأت بينهما وقد بقي المهندس سليمان رحمه الله وفيًّا لهذه العلاقة حتى بعد وفاة والدي، فكان يذكره بخير، ويترحم عليه، ويستعيد مواقفه معه ، وهو ما يعكس ما عُرف عنه من أصالة الوفاء وحفظ الجميل.
ولم تقتصر علاقته بأسرتنا على والدي بل امتدت إلى شقيقي جارالله (أبو هشام) رحمه الله الذي ربطته به علاقة مودة واحترام وكان المهندس سليمان يرجع إليه في عدد من المسائل القانونية طالبًا مشورته لما عرف عنه من علم وخبرة وحسن رأي وهو ما يعكس ما كان يكنّه له من ثقة وتقدير.
وقد أسرَّ إليَّ بسرٍّ لم يكن يعلم به أحد، فقال لي بعد وفاة أخي جارالله رحمه الله: إنه يحرص في كل عيد أضحى على أن يضحي عنه بأضحية، وفاءً له ومحبةً صادقةً بقيت في قلبه ولم تنقطع بوفاته. ولم يقف وفاؤه عند هذا الحد، بل كان لا يكاد يلقاني إلا ويسألني عن أبناء أخي، ويستفسر عن أحوالهم، ويتابع أخبارهم باهتمام وحرص، وكأنه يرى في السؤال عنهم امتدادًا لوفائه ومحبةً لأبيهم رحمه الله.
ومن جميل ما يُذكر في سيرة المهندس سليمان بن علي الرجيعي رحمه الله أنه لم يكن صديقًا وفيًّا فحسب، بل كان سببًا في توثيق صلة القربى بين أسرتين كريمتين. فقد كان هو الحلقة التي ربطت بين أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان وأسرة الحصين الكريمة.
ومن المواقف التي لا تزال عالقة في ذاكرتي، وتدل على كريم شمائل المهندس سليمان بن علي الرجيعي رحمه الله، أنه في صيف عام 1984م، وكنت حينها طالبا في الجامعة وبينما كنت أقيم في أحد الفنادق في إسطنبول الواقعة على مضيق البسفور وعند توجهي إلى مكتب الاستقبال لإتمام إجراءات المغادرة التفتُ إلى يساري فإذا به يقف أمامي مصادفة فتبادلنا السلام والسؤال عن الأحوال ثم سألني: «إلى أين وجهتك؟ يا فهد » فأخبرته أنني في طريقي إلى بلغاريا.
وما إن علم بذلك حتى بادر دون تردد إلى إخراج محفظته وأراد أن يتكفل بسداد كامل تكلفة إقامتي في الفندق في موقف يجسد أصالة معدنه، وكرم نفسه وسخاء يده. إلا أنني شكرت له مبادرته الكريمة وأكدت له أن معي من المال ما يكفي لسداد قيمة الإقامة ومصاريف السفر.
وقد بقي ذلك الموقف محفورًا في ذاكرتي، ليس لقيمة المبلغ وإنما لما حمله من مشاعر المودة وصدق الأخوة والمبادرة إلى الإحسان وهي خصال عُرف بها المهندس سليمان رحمه الله طوال حياته فكان كريم النفس، سبّاقًا إلى المعروف لا يتردد في بذل ما يستطيع لإكرام من يحب.
ومن المواقف الإنسانية العظيمة التي تُذكر للمهندس سليمان بن علي بن عبدالعزيز الرجيعي رحمه الله، أنه تبرع بما قيمته 20 مليون ريال لشراء 371 جهاز من أجهزة غسيل الكلى، وقدّمها هدية للشعب السوري في فترةٍ عصيبة كان يعاني فيها من ظروف إنسانية بالغة القسوة. ويجسد هذا الموقف جانبًا من شخصيته الكريمة، وإيمانه العميق بأن المال رسالة، وأن الإحسان إلى المحتاجين لا تحدّه حدود ولا تقيده جنسية أو مكان.
وستبقى هذه الذكريات جزءًا من سيرة رجلٍ جمع بين النجاح المهني ودماثة الخلق والوفاء لأصدقائه وهي صفات لا تقل قيمة عن إنجازاته الهندسية بل تزيد سيرته إشراقًا وخلودًا في نفوس من عرفوه.
لقد مثّلت مسيرة المهندس سليمان بن علي الرجيعي نموذجًا مشرفًا لجيل من الرواد الذين أسهموا في بناء المملكة الحديثة، وسخروا علمهم وخبراتهم في تنفيذ مشاريع تنموية كان لها أثر واضح في تطوير البنية التحتية، ودعم مسيرة النهضة الشاملة التي شهدتها المملكة العربية السعودية في مختلف المجالات.
وفي يوم الاثنين 13 من شهر ذي الحجة من عام 1446هـ، الموافق 9 يونيو 2025 انتقل المهندس سليمان بن علي الرجيعي إلى رحمة الله تعالى، وصلي عليه في جامع الشيخ عبدالله المهيني ووُوري الثرى في مقبرة الشمال في مدينة الرياض بعد حياة حافلة بالعطاء والعمل والإنجاز، تاركًا وراءه إرثًا مهنيًا واجتماعيًا مشرفًا، وسيرة عطرة ستظل حاضرة في ذاكرة من عرفه، وفي سجل رجال البناء والتنمية في المملكة.
رحم الله المهندس سليمان بن علي بن عبدالعزيز الرجيعي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه لوطنه ومجتمعه، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان، وجعل ما قدمه من أعمال نافعة في ميزان حسناته.
لم يكن إدراج السيرة الذاتية للأستاذ عبدالله بن إبراهيم الحسون – رحمه الله – في موقع أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان عملاً عابرًا وإنما جاء انطلاقًا من رسالة الموقع في توثيق سير رجالات اسرة ال أبو عليان وأعلامها الذين كان لهم أثر في المجتمع وحفاظًا على هذا الإرث ليبقى حاضرًا بين الأجيال.
وقد كان من أهم الدوافع إلى نشر هذه السيرة أن أسرة الحسون تُعد إحدى الأسر الكريمة المنتمية إلى آل أبو عليان ومن ثم فإن توثيق سيرة أحد رجالاتها يُعد جزءًا من توثيق تاريخ الأسرة الكبير وإبرازًا لتنوع إسهامات أبنائها في ميادين الحياة المختلفة.
كما أن هذه السيرة كتبها ابنه الاستاذ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله الحسون وهو من الشخصيات المعروفة في أسرة آل أبو عليان ومن أصحاب الحضور الاجتماعي والثقافي وله إسهامات وكتابات نافعة فضلًا عن علاقاته الواسعة وحرصه الدائم على خدمة أسرته وتعزيز التواصل بين أفرادها. ومن هذا المنطلق كان من الوفاء والتقدير أن تُحفظ هذه السيرة في الموقع لتكون مرجعًا موثقًا يعرّف الأجيال بسيرة والده ويُبرز ما بذله من أعمال ومواقف تستحق أن تُروى وتُحفظ.
كتب د عبدالرحمن بن عبدالله الحسون
من مشاهير اسرة آل ابو عليان المعاصرين والدي المعلم والمربي الفاضل عبدالله بن إبراهيم الحسون رحمه الله كما يصفه المؤلف الأستاذ عبدالله زايد الطويان رحمه الله في كتابه أيسر الدلائل لبعض أنساب أسر القصيم وحائل. ولد رحمه الله عام ١٣٤٩هـ الموافق ١٩٣٠م في مدينة بريدة بمنطقة القصيم. ودرس المرحلة الابتدائية في مدينة بريدة ثم التحق بالمعهد العلمي فيها وتخرج منه في العام ١٣٦٧ هـ وأثناء عمله مديراً للتعليم الأهلي بالرياض بين عامي ١٣٩١-٩٥ ١٣هـ التحق منتسباً في كلية اللغة العربية في جامعة الإمام بالرياض. كان من رجالات التعليم الأوائل الذين خدموا التعليم في المملكة العربية السعودية منذ عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله.
تحدث عنه صديقه الوفي والوجيه في كتابه حب الحصيد الشيخ محمد بن عثمان البشر رحمه الله أحد أشهر أعيان بريدة وهو من أحفاد المؤرخ الشهير عثمان ابن بشر صاحب كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد يقول: ((عبدالله إبراهيم الحسون من أوائل الزملاء، ومن أوفى الأصدقاء، باشرت أنا وإياه العمل التدريس في وقت واحد عام ١٣٨٦هـ حيث وجه رحمه الله مدرساً بمدرسة المذنب مرافقاً للشيخ عبدالله المشعلي الذي قام بافتتاح أول مدرسة في المذنب وإدارتها. ثم جمعتنا مدارس بريدة. خلفني على إدارة مدرسة الفيصلية عام ١٣٧٩هـ حين انتقالي إلى المتوسطة الثانوية، وحين فصلت المرحلة المتوسطة عن الثانوية عام ١٣٨٥هـ تولى إدارة المدرسة المتوسطة في بريدة. عمل مساعداً لمدير عام تعليم البنات بالمنطقة الشرقية ثم مديراً للتعليم الأهلي بالرئاسة العامة لتعليم البنات. كان مثال الصابر المحتسب. في آخر شعبان ١٤٢٩هـ زرته أنا والشيخ عبدالله بن سليمان الربدي زميل وصديق الجميع كان يحمد الله ويشكره أن مكنه من شهود صلوات الجماعة، كان الصديق والرفيق في مرحلة العمر، شاركنا في تعقب مشاريع مدينة بريدة، وكان وجوده في الرياض معيناً ومساعداً، بيته في الرياض بيت الجميع لا يرضى إلا أن نحل عنده دائماً. من مؤسسي جمعية البر الخيرية في بريدة يساعد في توفير الدعم لها أعتبره من الأمثلة الحية للمسلم الصابر المحتسب. وقد وفقه الله فوهبه أبناءً صالحين بررة برزوا في تعلمهم وفي أعمالهم)).
كان رحمه الله محباً للعلم والثقافة والتعليم ويعشق القراءة والكتابة، فكان عضواً في النادي الأدبي في القصيم ومشرفاً على مكتب صحيفة القصيم في بريدة لسنوات. وكما انه كان كاتباً في صحيفة القصيم وكتب بعض المقالات القيمة وتم نشرها في صحيفة القصيم واذكر ما نشر منها في العدد الثامن من تاريخ ٢٠-٠٧-١٣٧٩ من الهجرة يطالب فيه لجنة الاستيراد باسم الأهالي ان تجعل مدينة بريدة وهي من كبريات المدن الرئيسية في نجد والا تكون من المنسيات. ذكر الشيخ محمد البشر والدي رحمهما الله جميعاً عند حديثه عن جريدة القصيم وقال: ((إن اي كاتب أو مؤرخ أو متحدث عن منطقة القصيم ومدينة بريدة لابد أن يتطرق إلى حدث هام له قيمته وهو صدور صحيفة القصيم من بريدة وكان ذلك أملاً حياً يراود أبناء بريدة بصدور صحيفة باسم منطقتهم تكون لسان حالهم، والمعبر عنهم وعن وطنهم. وقد اختمرت الفكرة عند عدد من المتعلمين والمثقفين. وكان ذلك قبل قيام نادي القصيم الأدبي عام ١٤٠٠هـ. وقد نفذ الفكرة الأخوة في الرياض حيث سارع الشيخ/ عبدالله علي الصانع إلى أخذ امتياز وإذن بصدورها حتى قال وكنت أنا والأستاذ عبدالله الحسون مشرفين على مكتبها في بريدة. وفي موضع آخر ذكر قصة وفاة الملك فيصل رحمه الله في عام ١٣٩٥هـ وسفره إلى الرياض للصلاة عليه، فلم يتمكن من الوصول إلى جامع الرياض فبقوا في منزل والدي رحمه الله.
وقد تحدث المؤلف والأديب إبراهيم المسلم في كتابه القصيم والتطور الحضاري عن الشباب الذين ساهموا في مشاركة صادقة في تقدم بلادهم نحو الأفضل، وكانوا لا يقصدون مناصب، أو جاه، وإنما خدمات جليلة يقدمونها دون مقابل وذكر منهم والدي عبدالله إبراهيم الحسون رحمه الله.
كان الوالد رحمه الله رجلاً اجتماعياً ويهتم لأمر مدينة بريدة كثيراً، فتم ترشيحه ليصبح عضواً في مجلس أهالي بريدة، فكان مع وجهاء مدينة بريدة ولا يدع مناسبة أو زيارة للمسئولين أو مساعي لتطوير بريدة إلا ويشارك بها، وكما أن له مساهمات في حفلات بريدة ومناسباتهم الدورية ومشاركات في اجتماعات المناطق وغيرها. تم تكريمه من أمير القصيم كعضو بارز في جمعية البر ببريدة بمناسبة مرور ٤٠ سنة على إنشائها حيث كان من المؤسسين لها رحمه الله وكما تم تكريمه من قبل وزارة التعليم عند الاحتفال بمرور ٧٠ سنة على افتتاح المدرسة الفيصلية ببريدة وتم تدوين نبذة عن سيرته في كتاب الفيصلية تاريخ ورجال. وسطر أيضاً رحمه الله خلال مسيرة حياته موقفاً شجاعاً حكيماً حيث كان من أوائل المطالبين بافتتاح أول مدرسة بنات في بريدة ومن أشد المؤيدين لتعليم المرأة حيث واجه مع زملائه المقربين حملة مناهضة لتعليم المرأة في ذلك الوقت وتعامل معها بكل عقلانية وصبر رحمه الله حيث كان بعض الناس في ذلك الوقت يرون أن تعليم المرأة يؤدي إلى فساد الدين والمجتمع. ولوالدي الفضل بعد الله سبحانه في حب ذريته وذرية ذريته التعليم والتعلم وحب القراءة والمطالعة وتحصيل أعلى الشهادات، حيث كان رحمه الله شديد الحرص على متابعتنا وعدم تغيبنا عن المدرسة، وكان هو ملهمنا الحقيقي، قد رزقه الله أربعة عشر رجلًا واثنتا عشرة امرأة، جميعهم تعلموا وتخرجوا وأحفاده اليوم نهجوا على خطاه في حب العلم والتعليم والسعي للحصول على أعلى الشهادات والمراتب.
كان الوالد رحمه الله رجلاً قيادياً في أسرته وإدارياً ناجحاً في عمله. قد كتب بعد وفاته الأديب د.حسن بن فهد الهويمل مقالاً في صحيفة الجزيرة بعنوان عبدالله الحسون والذكر الجميل قال فيه: ((الموت اليقين هو وحده الذي لا نرقبه، بل نَفِرُّ منه، وإشكاليته أنه يلاقي ولا يلحق، والمؤمل أن تَفُوتَ اللاحق، ولكن الملاقي لا يدع لك فرصة الخلوص، وكل الأعزاء وذوو الفضل نفاجأ بموتهم، وكأننا لم نرقبه، وكلما قضى منهم من نحبه، أقبل بعضنا على بعض يتلاومون، كيف مات؟ وكان بالإمكان أن نراه وأن نزوره، وأن نجلس معه، نواسيه أو نأسوه أو نتوجع، هكذا كنت عندما علمت بموت أستاذي الأستاذ عبدالله بن إبراهيم الحسون، الذي كادت تنقطع أخباره لولا لقاءات عابرة أقبّل فيها رأسه ثم أمضي لشأني، لقد هاتفني زملاء الدراسة الابتدائية لتبادل التعازي بأستاذ عرفناه قبل ثلاث وخمسين سنة، وعرفنا فيه الجدَّ والإخلاص والمتابعة، والفقيد الذي لحق بكوكبة من معلمينا يتمتع بأخلاقيات فاضلة، يتجدد معها ذكره كلما تطاول عليها الزمن ومن ذا الذي يتنكر أو يُنكر أفضال معلميه، وفي الآثار: (من علّمني حرفاً صرت له عبداً) ورجل مثل الفقيد الفذ علّمنا أكثر من حرف، فلقد كان قدوة في قوَّته وانتظامه ومتابعته وجدِّه واجتهاده، وحمله همّ التربية قبل التعليم، عرفته أول ما عرفته يوم أن دخل علينا الفصل في عنفوان شبابه عام 1372هـ أي قبل سبع وخمسين سنة، وكنت يومها طالباً في السنة الرابعة الابتدائية في المدرسة العزيزية ببريدة لتدريس المطالعة، وكنت يومها لا أجيد القراءة. لقد انخرط في سلك التعليم عام 1368هـ حين عيِّن مدرساً ابتدائياً بمحافظة (المذنب) وبرزت مواهبه الإدارية الملفتة للنظر حين تولَّى إدارة المدرسة الفيصلية (ببريدة) عام 1379هـ وإدارة المدرسة المتوسطة (ببريدة) عام 1385هـ، ولما كانت طموحاته أكبر من ذلك شدَّ الرحال إلى المنطقة الشرقية ليكون مساعداً لمدير تعليم البنات، فمديراً للتعليم الأهلي بالرئاسة العامة لتعليم البنات، ولم أكن على تواصل معه أثناء تنقلاته القيادية إلا حين يعود إلى مراتع صباه ويلتقي بزملائه وطلابه، ولا سيما أنه كان من الشباب الواعي الذي يسعى في حاجات بلاده، ومشاريعها، وفي كهولته ترك الأعمال الحكومية وانخرط في سلك رجال الأعمال، وتعددت اهتماماته وتوسعت مسؤولياته، وكلما لقيته رأيت فيه العبد الصابر الذاكر المحتسب، حتى وافاه أجله يوم الأحد لأربعة عشر يوماً خلون من رمضان المبارك من العام ١٤٢٩هـ، ففقدنا بفقده أستاذاً ناصحاً ومواطناً مخلصاً أسهم في عدة مجالات إنسانية واجتماعية. لقد حدثني عمّا أجهله عنه أستاذي محمد بن عثمان البشر زميله ورفيق دربه أمد الله في عمره، وحديث مثله عنه يوحي بالفراغ الذي تركه، رحمه الله رحمةً واسعة وجعل في عقبه الخلف الصالح الذي يسد المكان الذي سده.
يُعد الخال الشيخ محمد بن سليمان بن محمد العمران الذي يعود نسبه إلى آل غيهب من بني زيد، من أبناء مدينة بريدة الاوفياء التي احبتهم واحبوها ومن الذين جمعوا بين طلب العلم الشرعي، والعمل الحكومي، ورفعة الخلق، وحسن السيرة، فكان مثالًا للرجل الوقور الذي عاش حياته على الاستقامة، وأحب الخير للناس، وترك في نفوس من عرفوه أثرًا طيبًا لا يزول.
ولد خالي محمد بن سليمان العمران في مدينة بريدة
سنة 1365هـ، في حي العجيبة ونشأ في بيت كريم عُرف بالاستقامة وصلاح الحال، فتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة العزيزية ببريدة، ثم انتقل إلى المدرسة الخالدية الابتدائية ببريدة بعد انتقال سكن الأسرة إلى حي حميدان بالخبيب ثم واصل دراسته في معهد بريدة العلمي الذي كان آنذاك يعد من أبرز الصروح العلمية في منطقة القصيم. وقد تتلمذ على أيدي نخبة من كبار علمائه، من أبرزهم: الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي، والشيخ صالح بن إبراهيم السكيتي، والشيخ علي بن سليمان الضالع، وكان لهذه البيئة العلمية أثرٌ بالغ في تكوين شخصيته، وترسيخ منهجه الشرعي حتى أنهى المرحلتين المتوسطة والثانوية،بالمعهد وتخرج منه سنة 1385 ثم انتقل إلى مدينة الرياض والتحق بكلية الشريعة، حيث حصل على درجة الليسانس(البكالوريوس) في الشريعة الإسلامية سنة 1389 هـ،
واستهل حياته العملية موظفا في مصلحة الأشغال العامة ثم انتقل للعمل في وكالة وزارة الداخلية لشئون الجوازات والجنسية وتحديدا في جوازات مدينة بريدة.
بعد ذلك انتقلت مسيرته الوظيفية إلى السلك التربوي وأصبح معلما في رئاسة الكليات والمعاهد العلمية معلماً في معهد حفر الباطن العلمي ثم معلما في معهد الأفلاج العلمي، حيث قضى عدة سنوات حافلة بالعطاء. وقد رافقه في تلك الرحلة المباركة أسرته ووالداه؛ سليمان بن محمد العمران، ومنيرة بنت عبدالرحمن الجمعة ـ رحمهما الله ـ، فكان حضورهما سنداً نفسياً كبيراً، وأسبغا على تلك المرحلة قدراً من السكينة والطمأنينة، فجمع بين أداء رسالته في التعليم وبرِّ والديه، في صورةٍ تجسد ما عُرف عنه من وفاءٍ للأسرة واعتزازٍ بها.
وقد أدى رسالته التعليمية والتربوية بإخلاص،وكان من أبرز ما عُرف به في ميدان التعليم حرصه البالغ على إيصال المعلومة إلى طلابه بأوضح أسلوب وأيسر عبارة، فلا يمل من إعادة الشرح، ولا يضيق بتكرار السؤال، حتى يطمئن إلى أن طلابه قد استوعبوا الدرس وفهموا مقاصده.
ثم انتقل عمله إلى وكالة وزارة الداخلية لشؤون البلديات، التي أصبحت فيما بعد وزارة الشؤون البلدية والقروية فعين بوظيفة مستشارا شرعيا في القضايا التي ترفعها الوزارة او ترفع عليها فعمل فيها سنوات طويلة تقلد فيها بعدة وظائف قيادية اتسمت بالجد والأمانة والإتقان،والنزاهة حتى أحيل إلى التقاعد بعد مسيرة حافلة بالعطاء والمسؤولية.
ولم تكن شخصيته تقف عند حدود العمل والوظيفة، بل كان صاحب خلق كريم، وهدوء ووقار، وتواضع يأسر القلوب، وبشاشة في الوجه، ولين في الحديث، واحترام للصغير والكبير، فلا يكاد يجلس في مجلس إلا ويترك فيه أثرًا من الألفة والمودة.
وعُرف بكرمه وسخائه، وحبه لإكرام الضيف، وبذل المعروف، ومساعدة المحتاج، والسعي في قضاء حوائج الناس، دون انتظار ثناء أو مقابل، ابتغاء مرضاة الله تعالى.
ومن أجلِّ صفاته برُّه بوالديه، فقد كان مثالًا في الوفاء والإحسان إليهما، والحرص على رضاهما، كما عُرف بصلة رحمه، وتواصله المستمر مع أعمامه في القصيم والكويت واخوانه وأخته هيلة وزوجها محمد بن علي الجارالله رحمها الله وأبنائهما، وأخواله من أسرة الجمعة وأبنائهم وسؤاله عن أقاربه، ومشاركته لهم أفراحهم وأتراحهم، فكان موضع محبة الأسرة كلها، لما عرفوا فيه من صدق المودة وحسن العشرة.
كما عُرف بوفائه لأصدقائه وزملائه، في العمل فكان يحفظ الود، ويرعى العهد، ويحرص على استمرار التواصل معهم، وقد كوّن خلال حياته المهنية والعامة علاقات طيبة امتدت لسنوات طويلة، قائمة على الصدق والإخلاص والاحترام المتبادل.وهو المعروف بين الناس أنه صاحب علاقات عامة متنوعة وكثيرة بين أفراد المجتمع.
وكان محبًا للعلم وأهله، يوقر العلماء، ويتمسك بالقيم الإسلامية، و يتحلى بالحكمة والتروي في آرائه سواء في عمله الوظيفي أو في حياته العامة ويؤثر الإصلاح وجمع الكلمة، ويبتعد عن الخصومات وما يفسد الألفة بين الناس
ومن الجوانب الجميلة في شخصيته حبه الدائم للطبيعة والبر والكشتات فقد كان من هواة الصيد والتنزه في البراري، يجد في رحلات القنص والصحراء سكينة للنفس، ومتعة في التأمل بجمال خلق الله. وكان يحرص على الخروج مع نخبة من أصدقائه القدامى المعروفين في رحلات برية متتابعة ومبرمجة تمتد أحيانًا عدة أيام، يستمتعون فيها بصحبة طيبة، يتبادلون الأحاديث والذكريات، ويعيشون أجواءً يسودها الصفاء والمودة والتعاون. وقد كانت تلك الرحلات تزيد روابط الصداقة قوة، وتمنحه نشاطًا وتجددًا يعينه على مواصلة حياته العملية والاجتماعية.
ولم تكن رحلاته للصيد والتنزه في البراري، مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت ميدانًا لإظهار الشهامة والمروءة والكرم. ولانه يمكث في البر أيامًا بصحبة عدد من أصدقائه، فكان بحرص على أن يحمل معه من المؤن والطعام والماء ما يكفيه ويكفي رفقاءه، بل يزيد على حاجتهم استعدادًا لما قد يعترضهم من محتاج أو منقطع سبيل أو راعٍ في الصحراء وكان لايخرج للبر بسيارة واحدة بل بعدة سيارات احتياطا خوفا من تعطل احدها او تغريزها بالرمال. .
وكان إذا صادف سيارة متعطلة في الفلاة أو وجد من انقطعت به السبل، لم يكتف بالسؤال أو تقديم المساعدة العابرة، بل يقف معهم، ويبذل جهده في إصلاح المركبة أو توفير ما يحتاجون إليه، ولا يغادر المكان حتى يطمئن إلى أنهم أصبحوا قادرين على مواصلة طريقهم بأمان. وكان يرى أن ترك المحتاج في الصحراء منافٍ للمروءة التي نشأ عليها.
واتصف الخال محمد بالسخاء والإنفاق في وجوه الخير، فكان كريم اليد، واسع العطاء، يبذل مما رزقه الله دون تردد، مستحضرًا قول الله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾. فلم يكن يخشى الفقر، بل كان واثقًا بأن ما عند الله خير وأبقى.
وكان مجلسه عامرًا بالبشاشة وحسن الاستقبال، قريبًا من الناس، متواضعًا، كريم المعشر، يسعى إلى إدخال السرور على من حوله، ويجد سعادته في قضاء حوائج الآخرين، دون انتظار لثناء أو مقابل.
عُرف بولائه العميق لمدينة بريدة، وكان حريصًا على أن يسهم في نهضتها وتنميتها بما يستطيع، مقدمًا دعمه الشخصي لكل عمل يحقق المصلحة العامة ويعود بالنفع على أهلها.ولانه شديد المحبة لمدينته و يعتز بتاريخها وأهلها، ويحرص على نهضتها وخدمة مجتمعها. وقد لقي هذا الاهتمام والتفاني تقديرًا من كثيرٍ من أبناء بريدة الذين عرفوه، فبادلوا إخلاصه بالمحبة والوفاء، وأثنوا على جهوده وحرصه على خدمة مدينته.
كما كان محبًا للمجالس العامرة بالألفة، حسن الإنصات، قليل التكلف، كريم المعشر، يأنس الناس بحديثه، ويجدون فيه رجاحة العقل، وسلامة الرأي، وحسن التوجيه، مما أكسبه احترام كل من عرفه.
وقد اجتمع له خلال حياته شرف العلم، وأمانة العمل ونزاهته ، وسمو الأخلاق، وحسن التعامل مع الناس، فاستحق أن يكون محل تقدير ومحبة، وأن يبقى ذكره الحسن حاضرًا في نفوس أسرته وأصدقائه وزملائه وكل من عرفه.
ويعد الخال محمد أحد رواد زراعة القمح في منطقة القصيم وبالذات في مركز شري شمال القصيم، إذ بادر إلى زراعته مع انطلاق برامج الدولة الداعمة للتوسع في إنتاج القمح خلال أوائل الثمانينيات الميلادية، فأسهم في النهضة الزراعية التي شهدتها المملكة و المنطقة، مستفيدًا من الإمكانات التي وفرتها الدولة للمزارعين آنذاك، ومشاركًا في تحقيق أهدافها الرامية إلى تعزيز الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي.
وبعد تقاعده من العمل الحكومي استصدر رخصة مزاولة مهنة المحاماة، في مدينة الرياض وواصل من خلاله مسيرته المهنية، مسخِّراً خبرته الطويلة ومعرفته القانونية في خدمة المتقاضين، وتقديم الاستشارات القانونية، والإسهام في ترسيخ قيم العدالة وسيادة النظام.
وأسأل الله تعالى وانا في الحرم المكي الشريف وأمام الكعبة المشرفة في يوم الجمعة 25/من شهر الله المحرم سنة 1448 الموافق 10/7/2026 أن يبارك في عمره، ويمتعه بموفور الصحة والعافية، وأن يديم عليه نعمة الإيمان، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدمه من أعمال صالحة، وأن يجعل حياته عامرة بالطاعة، وخاتمته على خير، إنه سميع مجيب.
يُعد الخال اللواء الدكتور ناصر بن سليمان بن محمد بن منصور العمران، الذي يعود نسبه إلى آل غيهب من بني زيد، من الشخصيات التي جمعت بين شرف الخدمة العسكرية، ورفعة التحصيل العلمي الشرعي، فكان نموذجًا للرجل الذي وازن بين أداء الواجب الوطني، والارتقاء العلمي، وسمو الأخلاق. وُلِد عام 1370هـ في منزل والده الواقع بحي العجيبة بالقرب من مسجد الشيخ علي السالم بمدينة بريدة، ونشأ في أسرة عُرفت بالاستقامة، والتمسك بالقيم الأصيلة، والاهتمام بالعلم. ويُعد أصغر إخوته سنًا، وهم: شقيقته الكبرى هيلة، ثم مزنة، ثم صالح، وعبدالله – رحمهم الله –، ثم محمد حفظه الله.
تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة العزيزية ثم انتقل في السنة الثانية إلى المدرسة الخالدية الابتدائية بحي الخالدية بمدينة بريدة، بعد انتقال سكن الاسرة الى حي حميدان بالخبيب وتخرج منها سنة 1383 هـ ثم واصل دراسته بالمدرسة الزراعية لمدة سنة ثم التحق بالدراسة المتوسطة والثانوية في معهد بريدة العلمي،وتخرج منه سنة 1388 هـ الذي كان آنذاك يعد من أبرز الصروح العلمية في منطقة القصيم. وقد تتلمذ على أيدي نخبة من كبار علمائه، من أبرزهم: الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي، والشيخ صالح بن إبراهيم السكيتي، والشيخ علي بن سليمان الضالع، والداعية الشيخ عبدالله الزعاق الذي كان جارا للاسرة وإماما لمسجد الدباسي وكان لهذه البيئة العلمية أثرٌ بالغ في تكوين شخصيته، وترسيخ منهجه الشرعي منذ وقت مبكر.
بعد ذلك التحق بـكلية قوى الأمن الداخلي، التي كانت آنذاك – ولا تزال بعد أن أصبحت كلية الملك فهد الأمنية – من أعرق المؤسسات التعليمية والتدريبية التابعة لوزارة الداخلية، والمعنية بإعداد وتأهيل القيادات الأمنية. ثم صدر أمرٌ ملكي كريم عام 1403هـ بتغيير مسماها إلى كلية الملك فهد الأمنية، وهو الاسم الذي تُعرف به حتى اليوم.
وقد تخرج في كلية قوى الأمن الداخلي عام 1392هـ وحصل على البكالوريوس بالعلوم الامنية برتبة ملازم أول، وبدأ مسيرته العسكرية بتعيينه في العاصمة الرياض ثم انتقل سنة 1394 هـ للعمل في مدينة أبها بمنطقة عسير حتى سنة 1397هـ ثم انتقل عمله إلى العاصمة الرياض ومن خلال هذه السنوات انطلقت رحلة مهنية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود في خدمة دينه، ثم مليكه ووطنه، تنقل خلالها بين عدد من المسؤوليات والمهام الأمنية، وتدرج في مختلف الرتب العسكرية بجدارة وكفاءة، عُرف خلالها بالانضباط، والإخلاص، وحسن الأداء، حتى نال رتبة لواء، بعد سجل حافل بالعطاء والإنجاز.واختتم مسيرته المهنية في العمل في جامعة الأمير نايف العربية للعلوم الأمنية.
وعلى الرغم مما عُرف به في حياته العسكرية من قوة الشخصية، وهيبة الحضور، والحزم في أداء الواجب، فإنه كان يحمل قلبًا رحيمًا، ونفسًا متواضعة، قريبًا من الناس، حسن المعشر، لين الجانب في غير ضعف، يجمع بين صرامة القائد، ولطف الإنسان، فكان يهابه من يعمل معه، ويأنس به من يخالطه ويعرفه.
ولم يقف طموحه عند حدود العمل العسكري، بل واصل طلب العلم، فحصل على درجة البكالوريوس من كلية الشريعة سنة 1395 من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، ثم درجة الماجستير من ذات الجامعة سنة 1409 هـ، وكان موضوعها عن (تحقيق جزء من تفسير العليمي) وناقشه فيها فضيلة الشيخ الدكتور عبدالعزيز إسماعيل وهو المشرف عليها وفضيلة الشيخ الدكتور جمعة سهل.
ثم أتبعها بحصوله على درجة الدكتوراه عن أطروحته المعنونة (جزء من آيات الأحكام في كتاب المغني لابن قدامة) من كلية أصول الدين التابعة لـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، سنة 1419 هـ جامعًا بين الخبرة الميدانية والتأصيل العلمي، مما أكسب شخصيته توازنًا فريدًا بين الحزم الذي تقتضيه القيادة العسكرية، والفقه والبصيرة اللذين يثمرهما العلم الشرعي.
ومن الشواهد على مكانته العلمية أن رسالة الدكتوراه الخاصة به نوقشت بحضور ومشاركة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، الذي كان آنذاك نائبًا للمفتي العام للمملكة العربية السعودية، وهو ما يعكس المستوى العلمي الرفيع الذي بلغته رسالته وأهميتها.كما ناقشه فيها فضيلة الشيخ الدكتور إبراهيم بن سليمان الهويمل والمشرف فضيلة الشيخ الدكتور فريد مصطفى سلمان.وقد طبعت رسالة الماجستير وأطروحة الدكتوراة المشار اليهما.
كما عنى بنسب أسرة العمران ولهذا الف كتاب بهذا الخصوص معنون باسم التبيان في توثيق نسب أسرة العمران في جلاجل وبريدة.
ومن أجلِّ ما عُرف به اللواء الدكتور ناصر العمران برُّه بوالديه، سليمان بن محمد العمران ومنيرة بنت عبدالرحمن الجمعة، فقد كان شديد الحرص على زيارتهما، وتفقد أحوالهما، ورعايتهما، والقيام على خدمتهما، ولم تشغله مسؤولياته العسكرية، ولا ارتباطاته العلمية، ولا كثرة أعماله عن أداء حقهما، فكان مثالًا يُحتذى في بر الوالدين، وصلة الرحم، والوفاء لأسرته، حتى غدا ذلك خُلُقًا أصيلًا عُرف به بين أقاربه وكل من عرفه.
ولم يكن هذا البر سلوكًا عارضًا، بل كان سمةً راسخة في شخصيته، نشأ عليها، وعاش بها، ولا يزال وفيًّا لها، فلم تزده المناصب إلا تواضعًا، ولم تشغله المسؤوليات عن القيام بحق والديه، والإحسان إلى أرحامه، والمحافظة على صلاته الأسرية الوثيقة.
لقد اجتمع في شخصية اللواء الدكتور ناصر العمران شرف الخدمة للوطن، وفضل العلم الشرعي، ونبل الأخلاق، ودفء الأسرة، فكان قائدًا في ميدان عمله، وباحثًا في ميدان العلم، وابنًا بارًا،ووالدا عطوفا وأخًا كريمًا، وخالًا حنونًا، ولا يزال أثره الطيب حاضرًا في نفوس كل من عرفه وخالطه.
أما في محيط الأسرة، فقد كان خالنا اللواء الدكتور ناصر العمران حاضرًا في تفاصيل طفولتنا، قريبًا من نفوسنا، يملأ البيت بحضوره وأُنسه، ويغمرنا بعطفه وحنانه. ونحن أبناء شقيقته الكبرى هيلة، لا تزال ذاكرتنا تحتفظ بأجمل صفحات الصبا التي ارتبطت به؛ إذ كان في مطلع شبابه كثير التردد على منزلنا، ويقيم بيننا أيامًا وليالي، حتى غدا وجوده جزءًا من ذكرياتنا الجميلة، وكنا نترقب قدومه بشوق ولهفة.
وكان يمتلك روحًا مرحة، وقلبًا قريبًا من الأطفال، فيبتكر لنا بيديه ألعابًا خشبية جميلة، يبدع في صنعها بما يدخل السرور إلى نفوسنا، كما كان يأخذنا إلى عوالمٍ من الخيال بما يرويه لنا من حكايات وقصص مشوقة، يسردها بأسلوب شيق يأسر الأسماع ويوقظ الخيال، فكنا نعيش أحداثها وكأننا نشاهدها رأي العين. ولم تكن تلك المجالس والليالي التي قضاها بيننا مجرد ذكريات عابرة، بل أصبحت صفحاتٍ مضيئة في سجل طفولتنا، لا تزال حاضرة في وجداننا، نستعيدها بكل محبة وامتنان، لما تركته في نفوسنا من أثر كريم، ولما غرسه فينا من معاني الألفة، والمحبة، والترابط الأسري.
وماتزال زيارته الاسبوعية المبرمجة لزيارة والدنا ووالدتنا اخته هيلة لاتنقطع حتى بعد وفاتهما رحمهما الله بتفقد ابنائهما.
كما لا أنسى الكلمة التي ارتجلتها في عزاء الوالد محمد بن علي الجارالله، رحمه الله، بحضور جموع المعزِّين، وقد غلبه التأثر الشديد لفقده، فلم تكن الكلمات تخرج إلا ممزوجةً بالحزن والوفاء، مستحضرةً سيرته الطيبة وأثره الكريم في نفوس أهله ومحبيه.
نسأل الله تعالى أن يحفظ الخال اللواء الدكتور ناصر بن سليمان بن محمد العمران، ويمتعه بموفور الصحة والعافية، ويبارك في عمره وعلمه وعمله، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدمه لدينه، ثم لمليكه ووطنه، وعلى ما أداه من واجب مشرّف خلال مسيرته العسكرية الحافلة بالعطاء والإخلاص، وأن يجعل ذلك في موازين حسناته، وأن يمده بالتوفيق والسداد، ويختم له بخير.