• قراءة في كتاب «آل أبو عليان: العشيرة والإمارة»
    للمؤلف إبراهيم بن عبدالله السلطان العرفج

    كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان

    مقدمة

    مؤلف الكتاب هو الأستاذ إبراهيم بن عبدالله السلطان العرفج المستشار في المراجعة الداخلية والحوكمة وإدارة المخاطر، وله مؤلف اخر هو «الأمير الشاعر محمد العلي العرفج: تاريخه وشعره»، الصادر عن منشورات جداول للطباعة والنشر والتوزيع عام 2023م.

    وقد تفضّل المؤلف بإهدائي نسخةً من كتابه «آل أبو عليان: العشيرة والإمارة»، الذي أتناوله بهذه القراءة، وزيّن غلافها الداخلي بإهداء كريم بخطّه، فله جزيل الشكر والتقدير.

    ويتناول الكتاب تاريخ إحدى الأسر التي تولّت الإمارة والحكم في إقليم نجد، وهو موضوع يمثّل جانبًا مهمًا من تاريخ المنطقة السياسي والاجتماعي؛ لما كان لهذه الأسر من أدوار في نشأة المدن واستقرار السكان، وتنظيم شؤون المجتمعات المحلية، والمشاركة في الأحداث والتحولات السياسية التي شهدتها شبه الجزيرة العربية خلال القرون الماضية.

    ومن بين هذه الأسر تبرز أسرة آل أبي عليان، التي ارتبط تاريخها بمدينة بريدة، وتولت إمارتها خلال حقبة طويلة شهدت أحداثًا سياسية وعسكرية واجتماعية كان لها أثر في تاريخ المدينة وإقليم القصيم عامة.

    وفي هذا السياق يأتي كتاب «آل أبو عليان: العشيرة والإمارة – بريدة 950هـ إلى 1288هـ»، الصادر في طبعته الأولى عام 2026م عن دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع في بيروت بلبنان، والواقع في 367 صفحة. منفردا في مجاله فهو من المؤلفات المستقلة المتخصصة في تاريخ أسرة آل أبو عليان وعشيرتهم وإمارتهم»، ليقدم عملًا تاريخيًا متخصصًا يتناول تاريخ هذه الأسرة، من حيث نسبها ومواطنها، ودورها في نشأة بريدة، وتعاقب أمرائها، وعلاقاتهم بالقوى السياسية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة التي يتناولها الكتاب وهو الكتاب الوحيد وفق ما اعلم الذي يتحدث عن أسرة آل أبو عليان بشكل عام وليس عن أعيانها الذي سبق ان كتب فيه من قبل.

    وتأتي هذه القراءة للتعريف بالكتاب ومحتوياته، والوقوف على منهج مؤلفه، وإبراز أهميته في توثيق جانب من أسرة آل أبو عليان وتاريخ بريدة والقصيم . انطلاقًا من أن الكتابة التاريخية جهد بشري قابل للمراجعة والاستدراك والإضافة.

    أولًا: موضوع الكتاب وأهميته التاريخية

    تنبع أهمية هذا الكتاب من تناوله موضوعًا متخصصًا في التاريخ المحلي لإقليم نجد بشكل عام ، ويتمثل تحديدا في تاريخ أسرة آل أبي عليان، بوصفهم عشيرة ارتبط اسمها بإمارة بريدة، وأسهم رجالها في عدد من الأحداث السياسية التي شهدتها منطقة القصيم.

    ويمتد الإطار الزمني الذي حدده المؤلف من سنة 950 هـ إلى سنة 1288هـ، وهي فترة طويلة شهدت خلالها نجد تحولات سياسية واجتماعية، من أبرزها قيام الدعوة الإصلاحية في نجد على يد الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله وقيام الدولة السعودية الأولى، ثم الدولة السعودية الثانية، وما صاحب تلك المراحل من أحداث أثرت في أوضاع مدن القصيم وعلاقاتها السياسية.

    ولا تقتصر أهمية دراسة تاريخ الأسر الحاكمة على معرفة أسماء الأمراء ومدد حكمهم، بل تتجاوز ذلك إلى فهم طبيعة المجتمعات المحلية، ونشأة المدن، والعلاقات بين السكان والسلطة، وأثر التحالفات والخلافات السياسية في الاستقرار والتنمية.

    ومن هذه الزاوية، فإن دراسة تاريخ آل أبي عليان تفتح مجالًا أوسع لفهم جانب من تاريخ بريدة، وتطور مكانتها السياسية والعمرانية والاجتماعية.

    ثانيًا: بناء الكتاب ومحتوياته

    قسّم المؤلف كتابه إلى أربعة فصول رئيسية، سبقها بمقدمة تناول فيها دوافع التأليف ومنهجه والصعوبات التي واجهته، وأعقبها بخاتمة وقائمة للمراجع.

    الفصل الأول: الاستيطان في القصيم
    تناول فيه المؤلف الاستيطان في القصيم، والحالة الدينية في نجد خلال فترة تاريخية امتدت من القرن الثامن إلى القرن الثاني عشر الهجري، وهجرة بني تميم واستيطانهم في نجد، ونفوذ بعض القبائل العربية في القصيم.

    ويشكل هذا الفصل مدخلًا تاريخيًا لفهم البيئة الاجتماعية والجغرافية التي ظهرت فيها إمارة آل أبي عليان.

    الفصل الثاني: بريدة
    خصصه المؤلف لمدينة بريدة، فتناول تسميتها ونشأتها وتأسيسها، ومساجدها خلال عهد إمارة آل أبي عليان، وعدد سكانها منذ نشأتها.

    ويكتسب هذا الفصل أهمية خاصة لارتباطه بتاريخ تأسيس بريدة، وهو موضوع يستلزم العناية بالوثائق والروايات التاريخية، والتمييز بين بدايات الاستيطان في موضع المدينة وتأسيسها بوصفها حاضرة مستقرة، وهو ما سعى المؤلف إلى بيانه من خلال جمع الشواهد ومناقشتها.

    الفصل الثالث: آل أبو عليان – العشيرة
    تناول فيه المؤلف نسب آل أبي عليان ومواطنهم، وتحوّلات اسم الأسرة ونخوتها، والصراع على الإمارة، وأثرهم في القصيم، كما أورد أسماء ثلاث وثلاثين أسرة من الأسر المتفرّعة عن آل أبي عليان.

    ويمثّل هذا الفصل البُعد الاجتماعي والنسبي للكتاب، وهو جانب لا يقل أهمية عن تاريخه السياسي؛ إذ تُسهم دراسة العشيرة في فهم صلات القرابة والروابط الاجتماعية، وأثرها في تشكيل المجتمع النجدي وعلاقاته السياسية.

    الفصل الرابع: آل أبو عليان – الإمارة
    وهو أوسع فصول الكتاب، وقد خصصه المؤلف لتاريخ الإمارة وتعاقب الأمراء، والأحداث السياسية والعسكرية المرتبطة بفترات حكمهم.

    ويتناول الفصل عددًا من الشخصيات البارزة، وفي مقدمتها الأمير حجيلان بن حمد، كما يتعرض للحملات التركية المصرية، وأحداث الدولة السعودية الأولى والثانية، وبعض الوقائع التي شهدتها منطقة القصيم، ومنها وقعتا بقعاء واليتيمة.

    ويشتمل هذا الفصل كذلك على موضوعات تتعلق بالأمير الشاعر محمد العلي العرفج (والذي الف عنه المؤلف كتابا مستقلا عام 2023)، وأدواره السياسية، وما ارتبط بسيرته من أحداث في بريدة والرياض والجوف .

    كما تناول هذا الفصل شخصية مؤثرة من أمراء آل أبي عليان، وهو الأمير عبدالعزيز المحمد آل أبو عليان، مستعرضًا ما ارتبط بإمارته من أحداث سياسية ومعارك، وتولّيه الإمارة أكثر من مرة، بمدد حكم بلغ مجموعها أربعين عامًا.

    ومن خلال هذا التقسيم يتضح أن المؤلف لم يقصر بحثه على سرد أسماء الأمراء، بل حاول تقديم إطار تاريخي أوسع يربط بين العشيرة والمدينة والإمارة والأحداث الإقليمية.

    ثالثًا: دوافع المؤلف إلى التأليف

    تكشف مقدمة الكتاب عن عناية المؤلف بتاريخ بريدة والقصيم، وتُبرز ما بذله من جهد في جمع أخبار أسرة آل أبي عليان وتوثيق تاريخها.

    وقد أوضح أنه أمضى وقتًا في جمع الوثائق وقراءة المصادر التاريخية والاستماع إلى روايات الرواة، وأنه لم يكن يهدف في البداية إلى تأليف كتاب، وإنما كان يجمع المعلومات بدافع المعرفة والاهتمام بالتاريخ.

    ثم وجد، بحسب ما ذكره في مقدمته، أن المادة التاريخية المتعلقة ببريدة وآل أبي عليان متفرقة بين مصادر متعددة، وأن الحاجة قائمة إلى جمعها في مؤلف متخصص.

    وهذه الدوافع تعكس اهتمامًا محمودًا بالتاريخ المحلي، ولا سيما أن كثيرًا من أخبار المدن والأسر النجدية لا تزال موزعة بين كتب التاريخ العام والمخطوطات والوثائق الخاصة والروايات الشفهية.

    ويُحسب للمؤلف أنه لم يقدم عمله بوصفه القول النهائي في تاريخ آل أبي عليان، بل أقر بأن في تاريخهم جوانب كثيرة لم تُكشف بعد، وأن كتابه يمثل مرحلة من مراحل جمع ذلك التاريخ وتدوينه.

    وهذا الإقرار يعكس إدراكًا لطبيعة البحث التاريخي، الذي لا ينتهي عند مؤلف بعينه، وإنما يتطور باكتشاف الوثائق وظهور المعلومات الجديدة وإعادة قراءة المصادر القديمة.

    رابعًا: منهج المؤلف في جمع المعلومات وتوثيقها

    من أبرز ما يستوقف القارئ في مقدمة الكتاب حديث المؤلف عن المنهج الذي اتبعه في جمع المادة التاريخية والتعامل مع مصادرها.

    فقد ذكر أنه اعتمد على الوثائق الأصلية والكتب التاريخية الموثوقة، وأخضع الروايات الشفهية لمعياري الموضوعية والمنطقية، كما استعان بالمقارنة بين المصادر عند اختلاف الأخبار.

    وأشار إلى أنه رجع إلى مخطوطات مؤرخي نجد، وكتابات الرحالة والمؤرخين من العراق والشام ومصر، سعيًا إلى الوصول إلى أعلى درجات المصداقية الممكنة.

    كما أوضح أنه جمع في أسلوبه بين السرد التاريخي والتحليل، فيروي الأحداث بلغة قصصية حين يكون ذلك مناسبًا، ويستخدم التحليل والاستنتاج عندما تسمح الأدلة والسياقات التاريخية بذلك.

    وقد استعان المؤلف ب (109) بمئة وتسعة من المصادر والمراجع المتنوعة، ورجع إليها وقارن بين ما أوردته من أخبار وروايات، وصولًا إلى المعلومات التي ضمّنها كتابه.

    كما ضمّ الكتاب (33) ثلاثًا وثلاثين وثيقة، تُثري مادته التاريخية وتتيح للقارئ الاطلاع على شواهد تتصل بتاريخ الأسرة وأحوالها الاجتماعية. وهي تعكس هذا الجهد عنايته بجمع المادة التاريخية ومقابلتها، وتبرز قيمته العلمية بقدر ما يصحبه من دقة في الإحالة، ومراعاة لقرب المصادر من الأحداث واستقلال بعضها عن بعض، وتمييز بين ما تثبته الوثائق، وما ترجّحه القرائن، وما تنقله الروايات

    خامسًا: آل أبو عليان وتاريخ مدينة بريدة

    من الموضوعات المحورية التي يعالجها الكتاب العلاقة التاريخية بين آل أبي عليان ومدينة بريدة، وما ارتبط بهذه العلاقة من أخبار النشأة والتأسيس والإمارة.

    وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة؛ لأن تاريخ تأسيس المدن النجدية كثيرًا ما تختلط فيه أخبار الاستيطان الأول، وحفر الآبار، وتملك الأراضي، وقيام التجمعات السكانية، ونشوء السلطة المحلية.

    ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين هذه المراحل عند مناقشة تاريخ تأسيس بريدة سنة 985 ، وعدم الاكتفاء برواية واحدة ما لم تسندها شواهد تاريخية معتبرة وهو ما تم الاستناد اليه بروايات ثابتة صحيحة.

    كما أن دراسة تاريخ أمراء آل أبي عليان تتيح التعرف على طبيعة الحكم المحلي في القصيم، والعلاقات السياسية التي نشأت بين أمراء بريدة والقوى الإقليمية المختلفة.

    ومن أبرز الجوانب التي تستحق الدراسة موقف بعض أمراء آل أبي عليان من الدولة السعودية الأولى، وما ارتبط بذلك من أحداث سياسية وعسكرية أسهمت في تشكيل تاريخ القصيم.

    ويبرز في هذا السياق الأمير حجيلان بن حمد، الذي خصص له المؤلف مساحة واسعة من كتابه، الأمر الذي يعكس مكانته في الموضوعات التي تناولها المؤلف.

    وقد أشار المؤلف إلى أن تأييد إمارة آل بو عليان للدولة السعودية الأولى كان من أهم أسباب انتشار العلم وازدهار التعليم الديني في القصيم، ونشوء الكتاتيب التي أسهمت في إعداد أجيال من العلماء والمعلمين، وانتشار أثرهم في أنحاء المنطقة. كما أسهم هذا التوجه في عمران البلدان وانتقال السكان من البادية إلى الحاضرة، فتشكّل مجتمع حضري تمازجت فيه القبائل، وتوثّقت صلاتها بالمصاهرة، وتبادل أبناؤه الخبرات والعادات، مما وسّع مداركهم وعمّق وعيهم بشؤون الحياة ومتغيراتها.

    ويذكر المؤلف أن أسرة آل أبو عليان جزء أصيل من النسيج الاجتماعي الذي أسهمت في بنائه قبائل الجزيرة العربية وأسرها تحت راية الدولة السعودية في عهودها الثلاثة، وأنهم شاركوا، مع غيرهم، في مسيرتها المباركة، وأسهموا في التحولات الكبرى التي شهدها المجتمع السعودي وقد حصل المئات من رجال الأسرة وبناتها على درجات علمية عليا، وتبوّأت الأسرة مكانة رفيعة في العلم والوجاهة الاجتماعية، وتقلّد أبناؤها مناصب عليا في الدولة والقطاع الخاص.

    سادسًا: القيمة العلمية والتاريخية للكتاب

    يمكن النظر إلى أهمية هذا المؤلف من عدة زوايا.

    فهو أولًا يعالج موضوعًا متخصصًا في تاريخ إحدى الأسر التي ارتبطت بإمارة مدينة نجدية مهمة هي بريدة، ويجمع بين التاريخ السياسي والاجتماعي والنسبي.

    وهو ثانيًا يسعى إلى جمع أخبار تاريخية متفرقة ضمن إطار موضوعي وزمني واحد، بما يسهل على القارئ والباحث تتبع الأحداث والشخصيات.

    وهو ثالثًا يلفت الانتباه إلى أهمية الوثائق الخاصة والروايات المحلية، وضرورة الإفادة منها في كتابة التاريخ، مع إخضاعها للنقد والتحقيق.

    وهو رابعًا يفتح المجال أمام الباحثين لمزيد من الدراسات المتعلقة بتاريخ بريدة، ونشأة عمرانها، وتعاقب أمرائها، وعلاقاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

    ومع ذلك، فإن تقدير القيمة التوثيقية للكتاب يستلزم فحص مصادره وإحالاته، ومقارنة أخباره بما ورد في المؤلفات التاريخية الأخرى. وقد اعتنى المؤلف بذلك، ملتزمًا بمعايير البحث التاريخي، ولا سيما في تناوله الوقائع التي تعددت الروايات بشأنها.

    سابعًا: ملاحظات تثيرها قراءة الكتاب

    أن تقدير الجهد الكبير الذي بذله المؤلف، وشكره على ما جمعه ووثّقه، لا يمنعان من مناقشة بعض المسائل التي يثيرها موضوع الكتاب، وتستحق مزيدًا من البحث والدراسة، ومن أبرزها:

    1 / تسلسل الإمارة في المرحلة المبكرة وتمتد الفترة بين شراء راشد الدريبي مورد بريدة سنة 985هـ ووفاة الأمير مقرن الحجيلاني سنة 1117هـ مئة واثنتين وثلاثين سنة، ولم يتضح في العرض تسلسل من تولّوا الإمارة خلالها، سوى ذكر راشد الدريبي ومقرن الحجيلاني، وهو ما لا يكفي لتحديد تعاقب الأمراء ومدد حكمهم طوال هذه الفترة. وقد أشار المؤلف إلى أن أحداث هذه الفترة مجهولة، بما يعكس شحّ التدوين التاريخي عن نجد عمومًا، وربما محدودية بروز بريدة في المصادر المتاحة آنذاك. ولعل ندرة مصادر هذه المرحلة أو غيابها تفسّر عدم تفصيل أخبارها، مما يجعلها مجالًا خصبًا لمزيد من البحث والتقصّي.

    2 / استكمال نسب الأمير حجيلان بن حمد فقد أورد المؤلف اسم الأمير حجيلان بن حمد آل أبو عليان، وأشار إلى أنه لم يتبيّن له بقية أسمه واسم أسرته . وهذا تصريح يُقدّر للمؤلف، لكنه يترك مسألة تستحق مواصلة البحث، تتعلق باستكمال نسب الأمير وتحديد الفرع الذي ينتمي إليه داخل الأسرة. فقد جعلت شهرته وحضور سيرته في الأحداث اسمه عَلَمًا معروفًا، غير أن هذه الشهرة لا تغني عن توثيق نسبه. وكان من المفيد تفصيل ما اعترض البحث في هذه المسألة من نقص في المصادر أو اختلاف في الروايات، ولا سيما أن الكتاب متخصص في تاريخ العشيرة والإمارة.

    3 / ومن الملاحظات ما أورده المؤلف بشأن تركة الأمير حجيلان بن حمد، البالغة خمسمئة واثنتين وخمسين نخلة؛ إذ ذكر أن نصيب الثمن لزوجاته الأربع (عرف منهن لولوة العرفج وهي ام أولاده حصرا ورقية الوايل) ، وهو ثمانٍ وستون نخلة وفحل، ونصيب بناته الأربع (وهن قوت وفاطمة و مريم و طرفة ) الثلثان، وهو ثلاثمئة وثمانٍ وستون نخلة، ونصيب العصبة من أسرة العرفج ثمانٍ وعشرون نخلة، ونصيب العاصب من أسرة الغانم ثمان نخلات ، فيما بقيت تسع وسبعون نخلة لم يُعرف مآلها وهو ما أشار اليه المؤلف..

    ويظل احتمال وجود ورثة للأمير حجيلان بن حمد أو مستحقين آخرين لم تتوافر للمؤلف معلومات عنهم أمرًا يستحق البحث والتحقق منه،

    وقد أشار المؤلف إلى أن للأمير حجيلان بن حمد أختًا تُدعى خديجة بنت حمد، ورد ذكرها في وصية ابنته فاطمة، ضمن الوثيقة رقم (22)، المنشورة في الصفحة (226)، إذ أوصت لعمتها خديجة بثلاثين وزنة من البستان. ويُضاف إلى ذلك ما أورده الأستاذ محمد بن ناصر العبودي في كتابه «معجم أسر بريدة» من أن للأمير حجيلان أخًا يُدعى إبراهيم. وتمثّل هذه الإشارات خيوطًا توثيقية تستحق التتبّع، وقد تساعد على استكمال المعلومات عن أسرته وصلات قرابته. ويقتضي بحثها النظر كذلك في الوثيقة رقم (14)، المنشورة في الصفحة (156)، وهي وثيقة (غير مؤرخة)، تتضمن حصرًا لعصبة الأمير حجيلان، نقلًا عنه حين نُقل إلى المدينة المنورة؛ بصحبة إبراهيم باشا مع مراعاة أن حصر العصبة لا يُعدّ بالضرورة حصرًا لجميع أفراد الأسرة، والنظر في احتمال اختلاف زمن الوثائق وأثره في الأسماء الواردة فيها.

    4 / على الرغم من اتساع حجم الكتاب، فإن الحديث المخصّص لموقف إمارة آل أبي عليان من الدولة السعودية الأولى لم يتجاوز صفحة ونصف في الصفحتين (130–131)، في حين توزّعت مواقفهم المضيئة من الدولتين السعوديتين الأولى والثانية في ثنايا الكتاب. وكان من المأمول إفراد فصل مستقل يجمع مواقف أمراء آل أبي عليان من الدولتين، ويعرضها في سياق تاريخي مترابط؛ بما يُبرز دورهم ويُيسّر على القارئ تتبّعه وفهمه.

    5 / حفل الكتاب بالكثير من أخبار الوقائع والمعارك الحربية التي شاركت فيها إمارة آل أبي عليان، سواء في عهد الدولة السعودية الأولى أو الثانية، أو في اثناء الدفاع عن بريدة حين حوصرت أكثر من مرة، إلا أن هذه الأخبار جاءت متناثرة ومتفرّقة في ثناياه. وكان من المستحسن إفراد فصل مستقل يجمع تلك الوقائع والمعارك ويرتّبها ترتيبا زمنيًا، مع بيان قادتها وأسبابها ونتائجها؛ بما يُبرز الدور العسكري للإمارة، ويُيسّر على القارئ تتبّعها في سياق تاريخي مترابط.

    وقد أوضح المؤلف، وفّقه الله، بشكل عام أن في مسيرة آل أبي عليان وتاريخهم جوانب كثيرة لم تُكشف بعد، وأن كتابه يمثّل مرحلة من مراحل جمع هذا التاريخ وتدوينه.

    وأودّ التأكيد هنا على أن ندرة التدوين في نجد ينبغي أن تُفهم في سياقها التاريخي؛ فندرة المصادر لا تعني انعدامها، وقد تضمّ الوثائق الشرعية والوصايا والأوقاف والمراسلات وكتب الأنساب وغيرها معلومات مهمة، لم تصل إليها أيدي الباحثين، أو لم تحظَ بعد بما تستحقه من دراسة وتحليل.

    ثامنًا: جهود المؤلف ومن أسهموا في إعداد الكتاب

    من الجوانب الجديرة بالإشارة أن المؤلف لم يغفل في مقدمته الاعتراف بفضل من أعانه على جمع المادة التاريخية.

    فقد ذكر عددًا من الأشخاص الذين زودوه بالوثائق والمعلومات، أو قدموا له المساعدة خلال مراحل البحث والتأليف.

    وهذا الجانب يعكس أهمية التعاون بين الباحثين والمهتمين بالتاريخ وأصحاب الوثائق الخاصة، ولا سيما في دراسة تاريخ الأسر والمدن، حيث قد توجد لدى بعض الأسر وثائق ومراسلات ومعلومات لا تتوافر في المصادر المنشورة.

    ومن هنا تبرز أهمية المحافظة على الوثائق التاريخية الخاصة، وتصويرها وفهرستها وإتاحتها للباحثين وفق الضوابط المناسبة؛ لما تمثله من قيمة في استكمال كتابة التاريخ المحلي.

    تاسعا :إضاءات تاريخية قيّمة في كتاب «آل أبو عليان: العشيرة والإمارة»

    ومن الجوانب الجديرة بالتأمل في كتاب «آل أبو عليان: العشيرة والإمارة»، التي تستحق الإشارة والذكر ما يأتي:

    1/ العناية بضبط التسلسل الزمني للأحداث ، وتحديد مدد حكم الأمراء ما امكن لذلك سبيلا والتحقق من أسماء الشخصيات، والتمييز بين الوقائع الثابتة واجتهادات المؤرخين في تفسير أسبابها ونتائجها. وقد حرص المؤلف على إيضاح ما أمكن إيضاحه في حدود ما أتيح له من مصادر وروايات تاريخية.

    فالمراجعة العلمية لا تنتقص من قيمة العمل التاريخي، بل تسهم في تطويره، وتفتح المجال أمام مزيد من البحث والاستدراك.

    2 / ماورد في الصفحة (81) من الكتاب وهو طول مدة الإمارة لدى عدد من أمراء الأسرة؛ فقد بلغت مدة إمارة الأمير راشد الثاني ستًا وثلاثين سنة، وبلغت مدة إمارة الأمير حجيلان بن حمد أربعين سنة، وبلغت مدة إمارة الأمير عبدالعزيز المحمد أربعين سنة، فضلًا عن سبع سنوات تولّى فيها ابن عرفج الإمارة. ويبلغ مجموع هذه المدد مئة وثلاثًا وعشرين سنة، أي نحو 40٪ أربعين في المئة من مدة إمارة آل أبو عليان التي امتدت أكثر من ثلاثة قرون.

    وتقدّم هذه المدد الطويلة قرينة على أن تاريخ إمارة الأسرة عرف فترات ممتدة من الاستقرار والاستمرار في الحكم، بما يدعو إلى مراجعة القول إن التنازع على الإمارة والاقتتال بين أفرادها كانا سمة دائمة لتاريخها. فالنزاعات التي وقعت ينبغي دراستها في سياقاتها وظروفها، دون تعميمها على قرون من الحكم، أو اختزال تاريخ الأسرة السياسي فيها.

    3 / ومن الشواهد أيضا التي أوردها المؤلف، ولها صلة بمناقشة تاريخ نشأة بريدة، وثيقة وصية تضمنت تخصيص أوقاف وصدقات لمسجد آل أبو عليان من خب أسرة الفضل من ذرية زهري بن جراح من ثور من سبيع .الوثيقة رقم (1) صفحة (60) ويرجّح المؤلف أن أصل الوصية يعود إلى القرن العاشر الهجري، طبقا لمنطق الأجيال حيث ان الموصي هو فضل الجد الثاني لفوزان بن حميدان الذي تولى أمارة المليحة سنة 1097هـ وأن توثيقها جرى في حياة الشيخ عبدالله بن عضيب المتوفي سنة 1161هـ وينقل عن الشيخ العبودي وصفها بأنها أقدم وثيقة وقف عليها عن بريدة.

    وتكتسب هذه الوثيقة أهميتها من مضمونها؛ إذ اشتملت على صدقات لإنارة المسجد، ومدرسته، وحسوِه، أي بئره، بما يكشف عن العناية بالعبادة والتعليم وتوفير الماء، وعن حضور الوقف في حياة المجتمع. كما أن تعدّد هذه المرافق يوحي بوجود مجتمع مستقر له احتياجات دينية وتعليمية وخدمية، وهو جانب يستحق التأمل عند دراسة البدايات العمرانية لمدينة بريدة.

    وإذا صحّ ترجيح تأريخ أصل الوصية إلى القرن العاشر الهجري فإنها تشكّل شاهدًا يدعم قِدم الاستقرار في بريدة، وهو ما يتوافق مع المصادر التاريخية التي تناولت نشأة بريدة وتأسيسها سنة 985 نذكر منها: إبراهيم بن عيسى في -عقد الدرر- وإبراهيم بن عبيد آل عبدالمحسن في -تذكرة أولي النهى والعرفان-، والأمير سعود بن هذلول في -ملوك آل سعود-، والشيخ محمد بن بليهد في -صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار-،ومقبل بن عبدالعزيز الذكير في -العقود الدرية في تاريخ البلاد النجدية- وعبدالله بن عبدالرحمن البسام في -خزانة التواريخ النجدية-، إلى جانب ما أورده الرحالة تشارلز داوتي في القرن التاسع عشر عن قِدم المدينة ونشأتها في كتابة “الترحال في الصحاري العربية”

    4/ ومن المسائل التي ناقشها المؤلف ما ذكره الشيخ محمد بن ناصر العبودي من أن الأمير حجيلان بن حمد كان يعمل أجيرًا لدى أخواله في بلدة الطرفية الشرقية؛ إذ أشار المؤلف إلى تفرّد العبودي بذكر هذا الخبر، واستبعد صحته استنادًا إلى ما تثبته الوثيقة رقم (9)، المنشورة في الصفحة (144)، من امتلاك حجيلان جزءًا أساسيًا من أرض «القطعة» في عنيزة، بالشراكة مع أسرة العرفج، ومغارستهم أسرة العليان البدر فيها. ورأى المؤلف أن هذه الملكية لا تتفق مع القول بعمله أجيرًا في مزرعة لدى الآخرين. 

    هذه بعض الإضاءات التاريخية القيّمة التي يزخر بها الكتاب، وأكتفي بما عرضته منها، تاركًا للقارئ متعة اكتشاف سائرها واستخلاص دلالاتها من بين السطور..

    خاتمة

    إن كتاب «آل أبو عليان: العشيرة والإمارة» للمؤلف إبراهيم بن عبدالله السلطان العرفج يمثّل إضافة جديرة بالاهتمام؛ إذ يُعدّ، فيما أعلم، أول مؤلَّف مستقل ووحيد يتناول أسرة آل أبو عليان في إطارها العام، جامعًا بين تاريخ العشيرة والإمارة، في حين تناولت مؤلَّفات سابقة سير بعض أعلامها وأعيانها.

     وهو من المؤلفات التي تتناول تاريخ بريدة والقصيم، وأسرة آل أبو عليان بالذات لما اختاره من موضوع متخصص، ولما سعى إليه من جمع أخبار هذه الأسرة وتاريخ إمارتها في مؤلف واحد.

    ويستحق المؤلف الشكر والتقدير على ما بذله من وقت وجهد في جمع المادة التاريخية وترتيبها، وعلى اهتمامه بتوثيق جانب من تاريخ منطقة لها مكانتها في التاريخ النجدي

    غير أن القيمة الحقيقية لأي عمل تاريخي لا تقف عند حدود جمع الأخبار وسرد الوقائع، بل تمتد إلى دقة التوثيق وسلامة التحليل والقدرة على مناقشة الروايات المختلفة، وإفساح المجال أمام الباحثين للمراجعة والاستدراك وهو ما حرص عليه المؤلف.

    والتاريخ ليس ملكًا لمؤلف أو أسرة أو جيل، وإنما هو ذاكرة مجتمع وأمانة علمية تتطلب الصدق والتثبت والإنصاف.

    ومن هذا المنطلق، فإن الاهتمام بتاريخ آل أبي عليان هو في جانب منه اهتمام بتاريخ مدينة بريدة ومنطقة القصيم، وما شهدته هذه المنطقة من أحداث وتحولات أسهمت في تشكيل تاريخها وهويتها.

    ونسأل الله أن يجزي المؤلف خير الجزاء على جهوده، وأن يوفق الباحثين والمهتمين بتاريخ نجد والقصيم بالذات إلى مزيد من الكشف والتوثيق والتحقيق، خدمةً لتاريخ وطننا العزيز المملكة العربية السعودية والمحافظة على ذاكرته للأجيال القادمة.

  • أستاذ القانون المدني والباحث في الفقه الإسلامي في معهد الإدارة العامة بالرياض

    الأستاذ الدكتور محمد وحيد الدين سوار

    أستاذ القانون المدني والباحث في الفقه الإسلامي في معهد الإدارة العامة بالرياض

    كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان

    تظل بعض الشخصيات العلمية حاضرة في ذاكرة تلاميذها، لا بسبب ما قدمته من علم فحسب، وإنما لما تركته من أثر إنساني وتربوي يرافق الطالب سنوات طويلة بعد انتهاء الدراسة.

    ومن هؤلاء الأساتذة الذين بقيت صورتهم حاضرة في ذاكرتي ولا انساها هو الأستاذ الدكتور محمد وحيد الدين سوار،الذي يعد أحد أبرز علماء وأعلام القانون المدني والفقه الإسلامي في سوريا والوطن العربي الذي تولى رئاسة قسم القانون الخاص (المدني) في كلية الحقوق بجامعة حلب لفترات متعددة، و أشرف خلالها على رسائل الماجستير والدكتوراه وتطوير الخطط الدراسية. 

    وهو أستاذ القانون المدني، الذي تشرفت بالدراسة على يديه في معهد الإدارة العامة بالرياض خلال عامي 1405–1406هـ، ضمن دارسي الدورة الرابعة عشرة من برنامج دبلوم دراسات الأنظمة.

    وقد كان الدكتور سوار، كما أذكره، أستاذًا حازمًا، دقيقًا، واسع الاطلاع، مثقفًا، شديد العناية بالتفاصيل العلمية، وفي الوقت نفسه كان يتمتع بروح مرحة وحسّ إنساني لطيف يظهر أحيانًا في تعليقاته ومداخلاته مع طلابه.

    مكانته العلمية

    يُعد الدكتور محمد وحيد الدين سوار من الأسماء المعروفة في مجال القانون المدني العربي ، وقد ترك عددًا من المؤلفات والدراسات التي تناولت النظرية العامة للالتزام والحقوق العينية وحق الملكية وغيرها من موضوعات القانون المدني.

    وتوثق الفهارس العلمية أعماله باسم محمد محمود وحيد الدين سوار، ومن بينها كتابه شرح القانون المدني: النظرية العامة للالتزام، الصادر عن جامعة دمشق، كما توجد طبعات وأعمال أخرى له في القانون المدني السوري والأردني.

    ومن مؤلفاته كذلك حق الملكية في ذاته في القانون المدني، والاتجاهات العامة في القانون المدني – دراسة موازنة بالفقه الإسلامي والمدونات المدنية العربية، وهي أعمال تعكس اهتمامه بالقانون المقارن ومحاولة الربط بين القواعد القانونية الوضعية وأصول الفقه الإسلامي.

    الدكتور سوار والقانون المدني

    كان القانون المدني هو المجال الأبرز في تدريسه وبحثه العلمي. وقد عُرف بأسلوبه الذي يجمع بين التأصيل القانوني والتحليل والمقارنة.

    ومن اللافت في إنتاجه العلمي كثرة عنايته بموضوع الحقوق العينية وحق الملكية ونظرية الالتزام، وهي من الموضوعات الأساسية في القانون المدني.

    وقد صدرت له أعمال متعددة في هذا المجال، منها شرح القانون المدني – الحقوق العينية الأصلية، الذي صدرت منه طبعات في دمشق، كما تواصل إنتاجه العلمي في هذا المجال في الأردن.

    الجمع بين القانون والفقه الإسلامي

    من السمات البارزة في منهجه العلمي اهتمامه بالمقارنة بين القانون المدني والفقه الإسلامي.

    وهذا الجانب كان واضحًا في تدريسه لنا؛ فلم يكن يعرض القاعدة القانونية مجردة، بل كان يربطها بأصولها ومقارنتها بما يقابلها في الفقه الإسلامي، وبالذات بالمذهب الحنبلي  الأمر الذي جعل دراسة القانون المدني أكثر عمقًا وفائدة.

    وقد انعكس هذا المنهج في عدد من مؤلفاته التي حملت طابع الدراسة المقارنة بين المدونات المدنية العربية والفقه الإسلامي.

    تجربته العلمية في المملكة العربية السعودية

    امتدت تجربة الدكتور سوار العلمية إلى المملكة العربية السعودية، حيث قام بالتدريس في المجال القانوني، ومن ذلك تدريسه في معهد الإدارة العامة بالرياض.

    وهنا أتيحت لي شخصيًا فرصة الدراسة على يديه في برنامج دراسات الأنظمة خلال عامي 1405–1406هـ. وقد أتاح لنا تدريسُه لنا طوال أربعة فصول دراسية كاملة أن نتعرف إليه عن قرب، كما أتاح له بدوره أن يعرفنا نحن دارسي البرنامج واحدًا واحدًا، وأن يتابع مستوياتنا العلمية وقدراتنا الدراسية، ويقف على مدى استيعاب كل طالب وتفاعله مع المادة العلمية. ولذلك لم تكن علاقتنا به علاقة أستاذ بطلابه فحسب، بل كانت معرفة علمية امتدت على مدى عامين، أتاحت له أن يتابع تطورنا ومستوياتنا عن كثب. 

    وما زلت أذكره أستاذًا حاضر الذهن، قوي الشخصية، دقيقًا في مناقشاته، لا يقبل الإجابة السطحية، ويحرص على أن يفهم الطالب المسألة القانونية من أساسها.

    ذكرياتي معه في معهد الإدارة العامة

    من أجمل ما بقي في ذاكرتي من تلك الفترة أن الدكتور سوار لم يكن مجرد أستاذ يلقي المادة العلمية، بل كان يتعامل مع طلابه بصورة تجمع بين الحزم والقرب الإنساني.

    كان حازمًا في درسه، دقيقًا في أسئلته، واسع المعرفة، لكنه كان في الوقت نفسه محبًا للدعابة، وكانت له تعليقات عفوية تخفف من جدية المحاضرة وتكشف عن شخصية إنسانية لطيفة خلف الأستاذ الأكاديمي الصارم.

    وأذكر أنه في إحدى المرات وقفت أمام زملائي لأشرح لهم موضوعًا كلّفني الدكتور سوار بالحديث عنه، وكان الموضوع يتعلق بأحد مصادر الشريعة الإسلامية، وهو «العرف”. الذي يُعد أيضا مصدراً رسمياً احتياطياً مهماً من مصادر القاعدة القانونية في أغلب الأنظمة والقوانين الوضعية وبعد أن انتهيت من الحديث، نظر إليّ وقال:

    «فهد، جسمك معتدل، هل تلعب رياضة؟»

    فأجبته بأنني أمارس الرياضة، ومن بينها السباحة بالبرك والقلبان. فابتسم وقال لي:

    «يعجبني فيك ثقتك بنفسك وحديثك المتزن.»

    وقد بقي هذا الموقف في ذاكرتي؛ لأنه لم يكن مجرد تعليق عابر، بل كان يحمل تقديرًا من أستاذ علمي عُرف بالحزم والدقة، بعد أن استمع إلى حديثي أمام زملائي. وكانت كلماته تلك محل اعتزاز بالنسبة لي، ولا تزال من الذكريات الجميلة التي أستحضرها كلما تذكرت أستاذي الدكتور محمد وحيد الدين سوار

    وقد بقيت هذه العبارة في ذاكرتي؛ ليس لأنها جملة علمية أو أكاديمية، وإنما لأنها تكشف جانبًا آخر من شخصية الدكتور سوار، ذلك الأستاذ الذي كان يلاحظ طلابه ويتعامل معهم بقدر من الألفة والدعابة.

    ومن دعاباته أيضا  أنه لاحظ حُمرة شفتي أحد زملائنا، واسمه محمد، فقال له بلهجته الشامية مازحًا: «محمد، شفايفك حمرا، أكيد عندك الدورة الدموية منيحة !» فبقيت هذه العبارة من طرائفه العالقة في الذاكرة. 

    ومن الطرائف الجميلة التي ما زلت أذكرها من علاقتي به، أنه عندما كنت أدخل عليه في مكتبه في معهد الإدارة العامة للاستفسار منه عن أي موضوع قانوني، كان يستقبلني أحيانًا بعفوية ولطف، فيناولني تفاحة حمراء من سلة في مكتبه.

    ولعل هذه المواقف الصغيرة هي التي تجعل ذكريات الأساتذة تبقى حيّة في الذاكرة؛ فالأستاذ لا يُذكر بعلمه ومحاضراته وكتبه فقط، وإنما تُستعاد معه أيضًا مواقفه الإنسانية وتفاصيل تعامله مع طلابه.

    وكان الدكتور سوار، رغم ما عُرف عنه من الحزم والدقة في العلم، يحمل جانبًا إنسانيًا لطيفًا، يظهر في مثل هذه المواقف العفوية، مما جعل صورته في ذاكرتي تجمع بين الأستاذ العالم الحازم، والإنسان الكريم القريب من طلابه.

    وكانت له مع بعض الزملاء تعليقات عفوية مماثلة، الأمر الذي جعل العلاقة بينه وبين طلابه تتجاوز حدود قاعة الدرس إلى علاقة أستاذ بتلاميذه يتذكرونه بعد سنوات طويلة.

    ومن الجوانب التي أذكرها عنه أيضًا أنه كان يستشهد ببعض الأمثال الشامية لتقريب المعنى وتوضيح المسألة، ومنها قوله: «إذا حلق جارك، بُلّ ذقنك»، في إشارة إلى أخذ العبرة مما يقع للآخرين والاستعداد لمثله. كما كان يورد حكمًا جميلة في طلب العلم، ومن العبارات التي ما زلت أذكرها قوله: «العلم خزانة، لا يفتحها إلا المسألة»، وهي حكمة بليغة تُبرز أهمية السؤال والبحث في تحصيل المعرفة.

    ومن الأمور التي أذكرها عن الدكتور سوار، ونحن لا نزال طلابًا لديه في معهد الإدارة العامة، أنه كان يسألنا أحيانًا عن بعض الطلاب الذين سبق أن درّسهم وتخرجوا من البرنامج، ثم تقلدوا مناصب عليا في الدولة.

    وكان يسأل عن أخبارهم وما آل إليه أمرهم، ويتابع مسيرتهم بعد التخرج، وهو ما لفت انتباهي في ذلك الوقت؛ إذ أدركت أن اهتمامه بطلابه لم يكن ينتهي بانتهاء المقرر أو بتخرج الطالب، وإنما كان يحتفظ بذكريات عنهم ويتابع ما حققوه في حياتهم العملية.

    وكان ذلك يعكس جانبًا جميلًا من شخصيته؛ فقد كان يرى في نجاح طلابه امتدادًا لرسالته العلمية، ويفخر بما يصل إليه من درّسهم وأسهم في تأهيلهم، ولذلك بقيت هذه الخصلة من الصفات التي أذكرها له بكل تقدير.

    ومن العبارات التي سمعتها من الدكتور محمد وحيد الدين سوار، وبقيت عالقة في ذاكرتي، قوله، بما معناه، إنه تعلّم من هذه الدنيا أن يقبل الناس على عِلّاتهم؛ وهي عبارة تعبّر عن التسامح والتفهّم لطبائع البشر ونقائصهم. .

    وقد فهمت من هذه العبارة أنه كان يتحدث عن خبرة الإنسان في الحياة، وأن المرء مع مرور السنين يتعلم أن يتعامل مع الناس كما هم، بما فيهم من صفات وطباع ونقاط قوة ونقاط ضعف، دون أن يشترط فيهم الكمال.

    وأرى أن هذه العبارة تكشف جانبًا عميقًا من شخصية الدكتور سوار؛ فهو، إلى جانب علمه وحزمه ودقته، كان يحمل نظرة واقعية إلى الناس والحياة، ويعرف أن التعامل الإنساني لا يقوم على انتظار المثالية، وإنما على فهم الناس وقبولهم كما هم.

    وهذه من العبارات التي لا تزال حاضرة في ذاكرتي، لأنها لم تكن مجرد حكمة عابرة، بل شعرت أنها خلاصة تجربة رجل عاش في ميادين العلم والتعليم والتعامل مع أجيال من الطلاب، فخرج منها بهذه القناعة الإنسانية الجميلة.

    قصة القانون المدني الكويتي

    ومن الذكريات التي بقيت لدي من دراسته لنا أنه كان شديد الاهتمام بأحدث ما صدر من القوانين المدنية العربية.

    وكان يذكر لنا القانون المدني الكويتي باعتباره من أحدث القوانين المدنية العربية في ذلك الوقت، وكان حريصًا على أن تكون لدى طلابه نسخ منه حتى نتمكن من الاطلاع عليه ودراسته ومقارنته بالقواعد القانونية والفقه الإسلامي.

    وبناءً على توجيهه، كُلّف أحد زملائنا بالسفر إلى الكويت لشراء عددٍ كافٍ من نسخ القانون المدني الكويتي، فاشترى النسخ وأُتيحت لجميع طلاب الدورة الرابعة عشرة.

    وتظل هذه الواقعة من الذكريات التي تُبرز حرص الدكتور سوار على توسيع مدارك طلابه، وربط دراستهم النظرية بالاطلاع المباشر على التشريعات الحديثة ومقارنتها.

    ومن الذكريات العلمية التي لا أنساها أيضًا أن الدكتور سوار قام بتوزيع مؤلفه في «الحقوق العينية الاصلية» على طلاب برنامج دراسات الأنظمة، وكان ذلك من المواقف التي تركت أثرًا طيبًا في نفوسنا؛ إذ كان الأستاذ لا يكتفي بتدريسنا المادة، بل كان حريصًا على أن يضع بين أيدينا من إنتاجه العلمي ما يعيننا على التوسع في المعرفة ودراسة موضوعات القانون المدني بصورة أعمق.

    وأذكر ذلك اليوم باعتزاز، فقد كان الكتاب الذي ألفه أستاذنا يصل إلينا مباشرة منه، ونحن طلاب نتلقى العلم على يديه، وهو ما جعل لهذا المؤلف قيمة خاصة في ذاكرتي، إلى جانب قيمته العلمية.

    أستاذ حازم بروح مرحة

    كان الدكتور سوار يجمع بين صفتين قد تبدوان للوهلة الأولى متباعدتين: الحزم العلمي وخفة الروح.

    ففي قاعة الدرس كان جادًا ودقيقًا، ويحرص على أن يعرف الطالب لماذا أخذ المشرع بهذه القاعدة، وما أساسها، وما مدى اتفاقها أو اختلافها مع الفقه الإسلامي.

    لكن هذا الحزم لم يمنعه من المزاح والتعليق اللطيف، وكان ذلك يجعل شخصيته أقرب إلى الطلاب ويجعل ذكراه أكثر رسوخًا في نفوسهم.

    ومن هنا فإن الصورة التي بقيت في ذاكرتي عنه ليست صورة أستاذ القانون الصارم فحسب، وإنما صورة عالم وأستاذ مثقف، دقيق في علمه، واسع الأفق، وفي الوقت نفسه إنسان لطيف محب للدعابة.

    تجربته العلمية في الأردن

    بعد أن انهى مهمته في المعهد واصل الدكتور سوار نشاطه العلمي خارج المملكة وسوريا، وارتبط اسمه بالتدريس والبحث في القانون المدني في الأردن.

    وتوثق فهارس المكتبات مؤلفاته الأردنية في القانون المدني، ومنها أعمال في حق الملكية والحقوق العينية الأصلية، كما توثق فهارس مكتبية تدريسه القانون المدني في كلية الحقوق بجامعة عمّان الأهلية.

    وقد أسهمت هذه التجربة في إثراء إنتاجه العلمي في مجال القانون المدني الأردني، وظهرت ثمرة ذلك في عدد من كتبه ودراساته التي تناولت أحكام القانون المدني الأردني في ضوء الفقه الإسلامي والقوانين المدنية المقارنة.

    مؤلفاته

    من أبرز الأعمال التي ارتبطت باسم الدكتور محمد وحيد الدين سوار:

    • شرح القانون المدني – النظرية العامة للالتزام.
    • شرح القانون المدني – الحقوق العينية الأصلية.
    • حق الملكية في ذاته في القانون المدني.
    • دليل التمارين العملية في المدخل للعلوم القانونية.
    • الاتجاهات العامة في القانون المدني – دراسة موازنة بالفقه الإسلامي والمدونات المدنية العربية.
    • شرح القانون المدني – الحقوق العينية التبعية.

    وتكشف هذه الأعمال عن مسار علمي ركز بصورة خاصة على القانون المدني، مع اهتمام واضح بالمقارنة بين التشريعات والفقه الإسلامي. وتظهر سجلات المكتبات اختلافًا في سنوات الطبعات بحسب البلد والطبعة، ولذلك ينبغي عند إعداد سيرة نهائية موثقة التفريق بين سنة التأليف وسنة كل طبعة.

    أثر الأستاذ في تلاميذه

    قد ينتهي المقرر الدراسي وتنتهي الامتحانات، ولكن أثر الأستاذ الحقيقي قد يستمر عشرات السنين.

    وهذا ما أشعر به عندما أتذكر الدكتور محمد وحيد الدين سوار بعد مرور سنوات طويلة على دراستي عليه مع ثلة من زملائي.

    فقد علّمنا القانون المدني، وعلّمنا معه أن دراسته تتجاوز فهم النصوص وحفظها إلى تحليلها ومقارنتها، وربط القواعد بأصولها وغاياتها، وحسن تطبيقها على الوقائع.

    كما أن شخصيته العلمية جعلتني أقدّر الأساتذة الذين يجمعون بين العلم والثقافة والانضباط، وبين الحزم في أداء رسالتهم والجانب الإنساني الذي يجعل الطالب يتذكرهم بمحبة وتقدير.

    خاتمة

    إن الحديث عن الأستاذ الدكتور محمد وحيد الدين سوار رحمه الله  بالنسبة لي ليس مجرد حديث عن أستاذ قانون مدني مرّ في حياتي الدراسية، وإنما هو استحضار لمرحلة علمية مهمة من حياتي، وذكرى لأستاذ ترك أثرًا في نفوس طلابه بعلمه وشخصيته.

    مضت سنوات طويلة منذ أن جلست في قاعة الدرس بمعهد الإدارة العامة بالرياض، غير أن بعض المواقف لا تغيب، وبعض العبارات تبقى حيّة في الذاكرة، كأننا نسمعها لأول مرة.

    رحم الله أستاذنا الدكتور محمد وحيد الدين سوار، وجزاه عن طلابه وعن العلم خير الجزاء، وبارك فيما تركه من مؤلفات وبحوث، وما غرسه في نفوس طلابه من علم وقيم. ورحم الله من مضى من أساتذتنا، وأبقى أثرهم الطيب فيمن تعلّم على أيديهم.

  • قراءة في (كتاب الخيل في حياة العقيلات ) لمؤلفه الدكتور بدر بن صالح الوهيبي

    كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان

    مقدمة
    يعد هذا الكتاب مهما في مجاله وفنه ويوثّق جانبًا من تاريخ الفروسية القصيمية النجدية .

    وتاريخ العقيلات من الصفحات المشرقة في تاريخ إقليم نجد الشهير وبالذات منطقة القصيم تحديدا، لما اضطلع به رجاله من أدوار اقتصادية واجتماعية وثقافية امتدت آثارها إلى عدد من البلدان العربية، ولا سيما العراق والشام وفلسطين وشرق الأردن ومصر. والسودان ولم تقتصر أنشطتهم على التجارة ونقل البضائع، بل تجاوزتها إلى مجالات أخرى، كان من أبرزها تربية الخيل العربية الأصيلة والاتجار بها بين القصيم وتلك الدول، والمشاركة في ميادين الفروسية وسباقاتها.

    ومن المؤلفات التي تناولت هذا الجانب كتاب «الخيل في حياة العقيلات» للباحث الدكتور بدر بن صالح الوهيبي، الذي سلط الضوء على جانب من تاريخ العقيلات لم يحظَ بما يستحقه من اهتمام في كثير من المؤلفات التاريخية العامة.

    وقد تفضل المؤلف مشكورا بإهدائي نسخة من الطبعة الثانية من هذا الكتاب، وذلك خلال زيارتي لمتحف العقيلات التاريخي بمدينة بريدة. عصر يوم الجمعة 5/5/1448 الموافق 16/10/2026 وكان هذا الإهداء الكريم مناسبة للاطلاع على موضوع الكتاب والتعريف بأهميته وقيمته التاريخية.

    أولًا: العقيلات ومكانتهم في التاريخ النجدي
    اشتهر رجال العقيلات، وهم جماعات من التجار المنحدرين من منطقة القصيم، برحلاتهم التجارية الطويلة إلى البلدان المشار اليها. وقد امتدت أنشطتهم عبر أجيال متعاقبة، وأسهموا في تنشيط الحركة التجارية وتبادل السلع والخبرات بين الجزيرة العربية وأطرافها الخارجية .

    وكانت الخيل العربية والإبل والسمن النجدي من أبرز السلع المصدرة والتي ارتبطت بتجارة العقيلات، وحظيت الخيل العربية الأصيلة بمكانة خاصة بينهم؛ لما تميزت به من أصالة وجمال وقوة تحمّل، مما جعلها موضع اهتمام الملوك والأمراء ومربّي الخيل في البلدان العربية وخارجها.

    ولم يكن العقيلات مجرد تجار عابرين، بل أقام بعضهم في البلدان التي وصلوا إليها، وأسسوا علاقات اجتماعية وتجارية واسعة، واسطبلات خاصة بهم وأسهموا في مجالات متعددة، مما جعل لهم حضورًا ملحوظًا في تاريخ تلك المجتمعات.

    ثانيًا: موضوع الكتاب ومحتوياته
    يتناول كتاب «الخيل في حياة العقيلات» (وهو كتاب من الحجم الكبير المصقول الذي يحتوي على عدد 330 صفحة ومسجل في مكتبة الملك فهد الوطنية بالإيداع رقم 38/1441) العلاقة التاريخية بين العقيلات والخيل العربية الأصيلة، ويعرض أوجه اهتمامهم بتربيتها واقتنائها والاتجار بها، فضلًا عن مشاركاتهم في سباقات الفروسية، وبخاصة في مصر.

    ويستعرض الكتاب وهو من أربعة فصول عددًا من الموضوعات، من أبرزها:

    التعريف بالعقيلات والخيل العربية واجناسها واوصافها ومعارض بيعها ومكانتها في التراث العربي والاهتمام العالمي.
    أشهر ملاك الخيل ومربيها من العقيلات في مصر.
    أشهر المدربين والمضمرين الذين ارتبطت أسماؤهم بميادين الفروسية.
    مشاركة أبناء العقيلات وأحفادهم في سباقات الخيل.

    برامج سباقات الخيل في مصر وما تضمنته من أسماء الخيل وملاكها والمشاركين فيها.

    وتكشف هذه الموضوعات عن امتداد النشاط العقيلي من تجارة الخيل إلى تربية وامتلاك الإسطبلات وتدريب الجياد والمشاركة في تنظيم السباقات، وهو ما يعكس تنوع اهتماماتهم وقدرتهم الفائقة على الاندماج في الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية في البلدان التي استقروا فيها.

    ثالثًا: العقيلات وميادين الفروسية في مصر
    من الجوانب اللافتة في الكتاب اهتمامه بحضور العقيلات في ميادين سباق الخيل المصرية، حيث برز عدد منهم في امتلاك الخيول العربية وتربيتها وتدريبها، وأصبحت لهم أسماء معروفة في أوساط المهتمين والناشطين بالفروسية.

    وقد شهدت مصر خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تطورًا ملحوظًا في تنظيم سباقات الخيل، ووجد بعض العقيلات في هذا النشاط مجالًا لإظهار خبراتهم المتوارثة في معرفة الخيل وخصائصها، والخبرة بسياستها ورعايتها والعناية بها.

    ويبرز الكتاب جانبًا من هذا الحضور من خلال التعريف بعدد من الشخصيات والأسر القصيمية التي ارتبطت بميادين الفروسية المصرية حصرا، وهو ما يضيف بعدًا مهمًا إلى دراسة تاريخ العلاقات بين نجد ومصر.

    رابعًا: القيمة التاريخية للصور والوثائق
    ومن أبرز ما يمنح هذا الكتاب قيمته التاريخية والوثائقية ما يضمّه من صور ووثائق وبرامج قديمة لسباقات الخيل، يعود بعضها إلى مطلع القرن العشرين، وتوثّق جانبًا من مشاركة العقيلات في تلك السباقات.

    وتكتسب هذه المواد أهمية خاصة؛ لأنها تقدم شواهد مكتوبة ومصورة تساعد الباحث على التعرف على أسماء الملاك والمدربين والخيول والخيالة، وتواريخ بعض المشاركات، فضلًا عن طبيعة النشاط الفروسي في تلك المرحلة.

    واعتقد ان افراد فصل كامل من صفحة 58 الى صفحة 247 هو اكثر ما يميز الكتاب اذ تناول فيه اشهر ملاك ومربي الخيل في مصر من العقيلات بأسمائهم ووثائقهم وصورهم ومشاركتهم في سباقات الخيل والجوائز التي حصلوا عليها وسنوات تأسيسهم لإصطبلاتهم واحتكارهم للبطولات وبالذات من أحفادهم وغيرها من المعلومات عنهم حتى ان البعض منهم أصبح من أعضاء مجلس سباق الخيل بالقاهرة والجمعية الرياضية لسباق الخيل ومالكي الجياد.

    ومن المعلوم أن الوثائق التاريخية المعاصرة للأحداث تمثل مصدرًا مهمًا في البحث التاريخي، لا سيما إذا أمكن مقارنتها بمصادر أخرى مستقلة.

    ومن هنا فإن جمع هذه الوثائق وإتاحتها للباحثين يمثل خدمة لتاريخ نجد، ويسهم في حفظ جانب من ذاكرة العقيلات، التي قد تتعرض بعض تفاصيلها للنسيان بمرور الزمن وغياب شهودها.

    خامسًا: أهمية الكتاب في تدوين تاريخ نجد
    تتجلّى أهمية هذا الكتاب في تناوله موضوعًا متخصصًا من التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لإقليم نجد، بما يوسّع دائرة النظر إلى ماضيه، ويتجاوز التركيز على الأحداث السياسية والعسكرية التي حظيت بنصيب من اهتمام المؤرخين وان كانت التدوين عن الأخيرة محدودا. أنظر في ذلك للمقال في الموقع عن أسباب نقص المعلومات التاريخية عن إقليم نجد

    فالتاريخ يشمل، إلى جانب أخبار الحكّام والحروب والتحوّلات السياسية، حياة الناس وأنشطتهم الاقتصادية وعلاقاتهم الاجتماعية ومهاراتهم ومهنهم، وما تركوه من آثار في المجتمعات التي عاشوا فيها أو تواصلوا معها.

    ومن هذه الزاوية، يقدم هذا الكتاب مادة تسهم في توسيع دائرة المعرفة بتاريخ العقيلات، ويتيح للباحثين النظر إلى الخيل والفروسية بوصفهما جزءًا من النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي المرتبطة بحياتهم.

    كما أن توثيق أسماء الأشخاص والأسر المرتبطة بهذا النشاط يفتح المجال أمام دراسات لاحقة تتناول سيرهم وعلاقاتهم التجارية وأدوارهم في المجتمعات العربية.

    سادسًا: جهود المؤلف في خدمة التراث
    يستحق الباحث المؤلف الدكتور بدر بن صالح الوهيبي التقدير على اهتمامه بتاريخ العقيلات، وسعيه إلى جمع مادته التاريخية وإبراز جوانبها المتعددة إضافة الى ما يقدمه من حضور اعلامي بالتعريف بالعقيلات وانشاءه متحفا خاصا بهم وعضوياته المتعددة في مجالس اعمال تختص بهذا الجانب وأشرافه على مجموعة احفاد العقيلات ومؤلفاته المتعددة عنهم.

    ولا شك أن البحث في مثل هذه الموضوعات يتطلب جهدًا مضاعفا في تتبع المصادر والوثائق والصور القديمة، والبحث عن الأسماء والأحداث المتفرقة في السجلات والمرويات وقد بذل الباحث المؤلف جهدا واضحا لا تخطئه العين في هذا الجانب.

    وتزداد قيمة هذه الجهود حين تتجه إلى موضوعات لم تنل حظها الكافي من الدراسة، وتسعى إلى تقديمها بصورة منظمة يستفيد منها الباحث والقارئ المهتم بالتاريخ.

    وكتاب «الخيل في حياة العقيلات» يمثل إضافة إلى المؤلفات المتخصصة في تاريخ الفروسية، كما أنه يسهم في التعريف بأدوار العقيلات خارج الجزيرة العربية.

    سابعًا: بين حفظ التاريخ والحاجة إلى مزيد من البحث
    على الرغم من أهمية الجهود المبذولة في توثيق تاريخ العقيلات، فإن هذا الميدان لا يزال يتسع لمزيد من الدراسات العلمية، ولا سيما تلك التي تعتمد على الوثائق الأصلية والمراسلات والسجلات التجارية والصور التاريخية.

    ومن المفيد أن تتواصل جهود جمع الوثائق وتصنيفها وتحقيقها، مع العناية ببيان مصادرها وتواريخها وظروف نشأتها، وربطها بالأحداث والأشخاص الذين ورد ذكرهم فيها.

    فكل وثيقة جديدة قد تسهم في توضيح واقعة تاريخية، أو تصحيح معلومة متداولة، أو الكشف عن جانب لم يكن معروفًا من حياة الأجيال السابقة.

    ولا ينبغي أن يكون الهدف من تدوين التاريخ مجرد الإشادة بالماضي، على أهميتها حين تكون مستحقة، بل الوصول إلى معرفة تاريخية تقوم على الأمانة والتثبت والموازنة بين الروايات والشواهد.

    خاتمة
    إن كتاب «الخيل في حياة العقيلات» للدكتور بدر بن صالح الوهيبي يمثل جهدًا مشكورا ومحمودًا في توثيق جانب من تاريخ العقيلات وعلاقتهم بالخيل العربية الأصيلة، ويسلط الضوء على إسهامات رجال القصيم في ميادين الفروسية خارج الجزيرة العربية.

    وتتجاوز أهمية الكتاب موضوع الخيل إلى ما يكشفه من امتداد الحضور النجدي في المجتمعات العربية، وما ارتبط بذلك من نشاط اقتصادي واجتماعي وثقافي.

    وإنني إذ أتقدم بخالص الشكر والتقدير للدكتور بدر الوهيبي على إهدائه الكريم نسخة من الطبعة الثانية من هذا المؤلف، وعلى جهوده في خدمة تاريخ العقيلات، فإنني أرجو له دوام التوفيق والسداد، وأن تتواصل جهوده العلمية في حفظ هذا التراث التاريخي وإتاحته للأجيال القادمة.

    فرحم الله رجال العقيلات الذين سطروا صفحات من الكفاح والعمل، وجزى الله خيرًا كل من أسهم في حفظ أخبارهم وتوثيق مآثرهم، خدمةً لتاريخ نجد وتراثها الأصيل ولتاريخ بلادنا المملكة العربية السعودية.

  • أسباب نقص المعلومات التاريخية عن إقليم نجد

    كتب: فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان

    يقع إقليم نجد في قلب شبه الجزيرة العربية، (المملكة العربية السعودية) وهو موطن عريق من مواطن الحضارة العربية، شهدت أرضه أحداثًا تاريخية بارزة، وتعاقبت على ربوعه أجيال من الشعراء والفرسان والعلماء، والحكام فكان مهدًا للأصالة، وموطنًا للمجد، وصفحةً مشرقةً من صفحات التاريخ العربي.

    ولهذا أصبحت نجد ملهمةً للشعراء، تغنّوا بصَباها، وهاموا بمحاسنها، واشتاقوا إلى مرابعها، وخلّدوا في قصائدهم أسماء أوديتها ورياضها ومنازل أحبتهم، حتى غدت في الوجدان العربي رمزًا للحب والحنين، وموطنًا لذكريات الصِّبا والشباب، ومصدرًا لا ينضب من الإلهام الشعري.

    وقد مرّ إقليم نجد، خلال قرون من تاريخه، بمراحل يكتنف جوانبَ منها الغموض؛ لقلة المصادر وتفاوت ما وصل إلينا من أخبار، وما عاناه أهلها في بعض الأزمنة من الفقر والمرض واضطراب الأمن. وقسوة المناخ والجفاف ومرور الإقليم  بدورات متعاقبة من الجدب والقحط الشديدين والأوبئة والامراض، مما جعل الاستقرار الحضري متغير باستمرار.

    وقد أسهمت العزلة الجغرافية لإقليم نجد في محدودية تدوين تاريخه؛ كونه يقع في قلب شبه الجزيرة العربية، وتحيط به الصحاري الرملية الشاسعة من جهات متعددة إحاطة السوار بالمعصم، ومن أبرزها صحراء النفود الكبير شمالًا، وصحراء الدهناء شرقًا، وصحراء الربع الخالي جنوبًا.

    وقد شكّلت هذه الطبيعة الجغرافية حواجز طبيعية صعّبت الوصول إلى الإقليم، ولا سيما في الأزمنة التي كانت فيها وسائل السفر والتنقل بدائية ومحفوفة بالمخاطر.

    ولئن كانت هذه العزلة الجغرافية قد أسهمت، من جانب في الحد من أطماع القوى الاستعمارية الخارجية وصعوبة بسط نفوذها المباشر على الإقليم، فإنها، من جانب آخر، حدّت من وصول الرحالة والجغرافيين والمؤرخين إليه، مقارنة بالأقاليم الواقعة على السواحل أو طرق التجارة الدولية، التي حظيت بنصيب أوفر من الرحلات والمشاهدات والتدوين التاريخي.

    وهكذا، فإن العزلة الجغرافية التي وفّرت لنجد قدرًا من الحماية الطبيعية والاستقلال النسبي عن التدخلات الخارجية، كانت في الوقت نفسه أحد العوامل التي أسهمت في قلة المصادر التاريخية المكتوبة عنها، وبقاء جانب من أخبارها وأحداثها محفوظًا في الروايات الشفهية والذاكرة الشعبية، بدلًا من السجلات والمدونات التاريخية.

    كما أسهم غياب سلطة مركزية مستقرة في نجد خلال فترات طويلة، وتعدد الإمارات المحلية، في تشتت الجهود وضعف انتظام التدوين؛ إذ توزّع الإقليم بين بلدات متباعدة، تتولى شؤونها قيادات محلية متفاوتة النفوذ والإمكانات، ولم تكن تتوافر لها دائمًا القدرة على تأمين الطرق وضمان الاستقرار خارج نطاقها. وقد حدّت هذه الظروف من التواصل بين العلماء والكتّاب، وصعّبت جمع الأخبار والتحقق منها، كما قلّلت فرص نشوء دواوين منتظمة تحفظ المراسلات والسجلات وتتيح توثيق الحوادث بصورة متصلة.

    كما أسهم نمط الحياة البدوية والتنقل لدى قطاعات من سكان نجد، إلى جانب شيوع الرواية الشفهية في البادية والحواضر، في انتقال كثير من الأخبار عبر القصائد والقصص وروايات الديوانيات والمجالس، بدلًا من حفظها في سجلات مكتوبة. وقد صان هذا الموروث جانبًا مهمًا من ذاكرة المجتمع وقيمه وتجارب أهله، إلا أن تناقله عبر الأجيال قد يعرّض بعض التفاصيل للنسيان أو الإضافة أو اختلاط الأسماء والتواريخ والاحداث؛ ولذلك تحتاج الاستفادة منه تاريخيًا إلى مقارنة الروايات وموازنتها بالوثائق والمصادر المتاحة.

    وقد انعكست هذه الظروف على انتشار التعليم وحركة التأليف والتدوين، فأصبحت معرفة تفاصيل بعض الحوادث، وتسلسل الإمارة، وأسماء بعض الأشخاص وصلاتهم، أمرًا يحتاج إلى التثبت والموازنة بين الروايات.

    وكان للعلماء والقضاة وطلبة العلم دور في حفظ ما وصل إلينا من تراث نجد، وإن غلب على كثير من مؤلفاتهم الاهتمام بالعلوم الشرعية. ومع ذلك، لا يصح إغفال ما دوّنوه من أخبار وحوادث، وما حفظته الوثائق والمراسلات والأوقاف والوصايا من جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية. وحتى الإشارات إلى سنوات الجراد والدبى والقحط والسيول والاوبئة ليست أخبارًا عابرة؛ بل شواهد على أحوال الناس ومعاشهم، وإن لم تمنحنا وحدها صورة مكتملة عن تلك العصور.

    ولم تتوافر لنجد في بعض مراحلها مؤسسات التعليم والتدوين بالقدر الذي عرفته حواضر عربية كبرى، كدمشق وبغداد والقاهرة ومراكش. غير أن وفرة المصادر في تلك الحواضر لا تعني خلوّها من الانحياز، كما أن ندرة المصادر النجدية لا تعني انعدام قيمتها؛ فالعبرة بقرب المصدر من الحدث، ومعرفة صاحبه، ومقارنة خبره بغيره من الشواهد.

    ولهذا أرى أن نميّز بين ما ثبت بالدليل، وما ترجّحه القرائن، وما بقي في دائرة الاحتمال. فلا نجعل الاستنتاج حقيقة قاطعة، ولا نردّ الرواية لمجرد مخالفتها رأيًا نميل إليه، ولا نحمل المصادر فوق ما تحتمل. ومن الإنصاف كذلك أن نقول عند غياب الدليل: لا نعلم، أو إن المسألة تحتاج إلى مزيد من البحث.

    وإذا تحدثت عن الغموض في بعض صفحات تاريخ نجد، فإن ذلك لا ينقص من محبتنا لها واعتزازنا بأهلها وتراثها. فهي موطن الآباء والأجداد، ولها في النفس منزلة وإن ما يكتب عن تاريخ نجد ينبغي أن يقوم على الأمانة والتواضع العلمي؛ فبعض المصادر قريب من الأحداث، وبعضها متأخر عنها، وقد تتأثر الروايات بميول أصحابها أو بظروف عصرهم. وحتى شهادة المعاصر تحتاج إلى النظر في موقعه من الحدث، وما شاهده بنفسه، وما نقله عن غيره. وكلما اجتمعت الشواهد المستقلة، ازداد الاطمئنان إلى الخبر.

    الا انه مع انطلاق الدعوة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، شهدت نجد تحولًا بارزًا في حركة التدوين والتأليف؛ إذ اتسع نطاق الكتابة العلمية، ونشط تأليف الكتب وتبادل الرسائل وتدوين الأحداث التاريخية. وقد مثّلت هذه المرحلة نقلة مهمة قياسًا بما سبقها من محدودية التدوين وقلة ما وصل إلينا من مصادره، وأسهمت في حفظ جانب أوسع من تاريخ نجد وأحوال مجتمعها وتحولاتها الدينية والسياسية.

    وقد تناول معالي الدكتور عبدالعزيز الخويطر رحمه الله أسباب نقص المعلومات التاريخية عن نجد في مقدمته لدراسة تاريخ ابن بشر «عنوان المجد في تاريخ نجد». (عثمان بن بشر منهجه ومصادره) الطبعة الثالثة 1426 هـ.وخلاصة ما أورده أن هذا النقص لم يكن ناشئًا عن غياب العلماء والمثقفين، وإنما أسهمت فيه عوامل متعددة؛ منها انصراف معظم جهودهم إلى العلوم الشرعية، واضطراب الأحوال وتغيّر الحكام، والخشية من تبعات تسجيل الوقائع، وضيق المعيشة و الانشغال بطلب الرزق، فضلًا عن صعوبة الانتقال بين البلدان والتحقق من الأخبار، وتحرّج العلماء من إثبات ما لم يتأكدوا من صحته.

    وعلى هذا، فإن الغموض الذي يحيط ببعض صفحات تاريخ نجد ينبغي أن يدعونا إلى التثبت والتواضع في إصدار الأحكام، مع تقدير جهود من حفظوا لنا أخبارها في حدود إمكاناتهم. فلا نجزم بما لم يثبت، ولا نهدر ما وصل إلينا، ولا نجعل اختلاف الروايات سببًا للخلاف ؛ بل نتعاون على تحقيقها، ونترك ما تعذّر إثباته في دائرة البحث والاحتمال.

    أن قلة المعلومات التاريخية عن نجد لا تعني غياب العلماء، وإنما تعود إلى ظروف أثّرت في قدرتهم على التدوين، والتحقق من الأخبار، وإظهار ما كتبوه.

    ويمكن تلخيص الأسباب الواردة في بحث معالي الدكتور عبدالعزيز الخويطر في ستة أمور هي

    1. انصراف أكثر جهود العلماء إلى العلوم الشرعية؛ طلبًا للأجر، وللمكانة التي كانت تحظى بها هذه العلوم في المجتمع.
    2. اضطراب الأحوال وتغيّر الحكام؛ والخوف من أن تُفهم كتابة الحوادث على أنها تأييد لحاكم أو معارضة لآخر.
    3. ضيق المعيشة والانشغال بكسب الرزق؛ مما حدّ من الوقت والقدرة على التأليف وتفصيل الوقائع.
    4. صعوبة التحقق من الأخبار؛ بسبب تباعد البلدان، ومشقة السفر، وعدم أمن الطرق، مع تحرّج العلماء من تدوين ما لم يثبت لديهم.
    5. تهيّب بعض القادرين على الكتابة من خوض التأريخ؛ خشية ألا يبلغوا مستوى المؤرخين السابقين.
    6. صعوبة تحويل الروايات الشفوية إلى تاريخ مكتوب؛ إذ كانت أخبار المجالس تُروى بأساليب تحتاج إلى تحقيق وترتيب وصياغة.

    ولهذا قال رحمه الله ان ما كتب عن تاريخ نجد في القرون الأربعة الأخيرة قليل، وناقص الجوانب في فترات متعددة منه، وزمن مثل هذا أمر انقضى ليس من السهل تدارك ما فات منه،

    وخلاصة القول، فإن ما ذكرته من أسباب وما ذكره معالي الدكتور عبدالعزيز الخويطر رحمه الله من أسباب قلة التدوين التاريخي في نجد لم تكن نتيجة سبب واحد، بل حصيلة ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تداخلت عبر مراحل من تاريخها، فحدّت من قدرة أهلها على تسجيل الوقائع وحفظ تفاصيلها. ومع ذلك، فإن ما وصل إلينا من مؤلفات ووثائق وروايات يمثل تراثًا جديرًا بالعناية والتحقيق، وشاهدًا على جهود من حفظوا أخبارها في حدود إمكاناتهم.

    ومن واجبنا اليوم أن نجمع هذا التراث ونقرأه قراءة منصفة، تميّز بين الثابت والمحتمل، ولا تسدّ فراغ المصادر بالتخمين، فمحبة هذا الإقليم التاريخي الشهير الذي يعد جزءا من تاريخ مملكتنا العزيزة والاعتزاز بتاريخها يدعوان إلى الأمانة في نقله، والتواضع فيما نجهله، والتعاون على كشف ما بقي غامضًا منه؛ وفاءً للأجيال الماضية، وحفظًا لذاكرة الوطن للأجيال المقبلة .

    وفي إطار الجهود الرامية إلى حفظ المصادر التاريخية وإتاحتها للباحثين، دشّنت دارة الملك عبدالعزيز، مشكورة، «برنامج الأعمال الكاملة للمؤرخين الرواد»، في حفل أُقيم يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026م، برعاية صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز، رئيس مجلس إدارة الدارة. واستُهلّت إصدارات البرنامج بكتاب «عنوان المجد في تاريخ نجد» للمؤرخ عثمان بن عبدالله بن بشر، في خطوة علمية تُسهم في صون التراث التاريخي الوطني وتعزيز الاستفادة منه.

  • كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان

    زيارة الى متحف الدكتور بندر بن صالح الوهيبي،

    متحف العقيلات التاريخي ببريدة،

    لقد سعدت وتشرفت بزيارة متحف العقيلات التاريخي بمدينة بريدة، وذلك بتاريخ الجمعة 5/5/1448 الموافق 16/10/2026 ذلك الصرح التراثي الذي يجسد صفحة مشرقة من تاريخ نجد، ويستحضر أمجاد رجال العقيلات الذين ضربوا أروع الأمثلة في الكفاح والصبر والشجاعة والأمانة، وأسهموا برحلاتهم التجارية في مد جسور التواصل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين نجد والبلاد العربية.

    وكان من دواعي سروري لقاء الدكتور بدر ، والاطلاع على ما بذله من جهود علمية وتاريخية متميزة في جمع تراث العقيلات وحفظه وتوثيقه، وهي جهود تستحق الإشادة والتقدير، وتعكس وفاءه لتاريخ الآباء والأجداد وحرصه على صون موروثهم للأجيال القادمة.

    كما أسعدني أن قدمت له خلال الزيارة مؤلفا عن والدي رحمه الله وبعض الكتب التي لها علاقة بأسرتي، وزادني سرورًا واعتزازًا تفضله بإهدائي مجموعة من مؤلفاته القيمة، وفي مقدمتها كتاب «قوافل العقيلات ودورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين منطقة نجد والدول العربية» بأجزائه الثلاثة، وكتاب «الخيل في حياة العقيلات».

    وإن هذه المؤلفات تمثل إضافة ثمينة للمكتبة التاريخية النجدية، وشاهدًا على عنايته بالبحث والتوثيق، وإبراز جوانب مهمة من تاريخ العقيلات، الذين كان لهم حضور بارز في تاريخ المنطقة وعلاقاتها بمحيطها العربي.

    وإنني إذ أشكره على كرم الاستقبال وحفاوة اللقاء وهدية الكتب القيمة، لأثمن عاليًا جهوده المباركة في خدمة التاريخ والتراث، وأرى في متحف العقيلات شاهدًا حيًا على ما يمكن أن يقدمه الشغف بالتاريخ من عمل مؤسسي وعلمي يحفظ الذاكرة الوطنية من الضياع والنسيان.

    أسأل الله أن يبارك في علمه وعمله، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدمه ويقدمه من خدمة جليلة لتاريخ نجد ورجالاتها والمملكة العربية السعودية بشكل عام، وأن يديم عليه الصحة والعافية والتوفيق والسداد.

  • جذور أسرة آل أبو عليان وأسباب انتقالها من ثرمداء إلى بريدة ؟
    ولماذا ترك آل أبو عليان ثرمداء واختاروا بريدة ؟.

    الصورة لقصر العناقر في ثرمداء بعد ترميمه من تصوير الكاتب.

    والصورة الأخرى تعبيرية توضح مسار انتقال الاسرة من ثرمداء الى ضرية ومن ثم تأسيس مدينة بريدة.

    كتب: فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان

    لم يكن خروج أسرة آل أبو عليان العنقرية التميمية من ثرمداء في إقليم الوشم الى بريدة مجرد رحلة انتقال من بلد إلى بلد، وإنما جاء في سياق قصة و مرحلة شهدت اضطرابات ونزاعات، دفعت الأسرة في حدود سنة 985 إلى البحث عن موطن جديد تتوافر فيه أسباب الأمن والاستقرار، ويستطيعون فيه أن يؤسسوا حياة آمنة ومستقرة لهم ولعشيرتهم.

    وقد أورد المؤرخ إبراهيم بن عيسى في كتابه «عقد الدرر فيما وقع في نجد من الحوادث» أن آل أبي عليان خرجوا من ثرمداء بسبب الحروب التي وقعت بين العناقر في ثرمداء ومرات، وذكر أنهم خرجوا «لطلب الرئاسة»، وأن رئيسهم في ذلك الوقت كان راشد الدريبي، ثم نزلوا ضرية، قبل أن ينتهي بهم المطاف إلى موضع بريدة، حيث اشترى راشد الدريبي موردها من آل هذال، وعمره وسكنه مع عشيرته، وذلك في حدود سنة 985 هـ.

    ومن هنا يمكن فهم أسباب الرحيل في ضوء الرواية التاريخية وسياق الأحداث، مع التمييز بين ما نصت عليه المصادر صراحة، وما يمكن استنتاجه من طبيعة المرحلة وتطور الأحداث.

    الاضطرابات والحروب في ثرمداء
    يأتي في مقدمة الأسباب التي تذكرها الرواية التاريخية ما وقع من حروب ونزاعات بين العناقر في ثرمداء ومرات، وما ترتب على ذلك من اضطراب في الحياة وكثرة في الخصومات والدماء.

    وفي مثل هذه الظروف، يصبح البحث عن موطن أكثر أمنًا واستقرارًا خيارًا طبيعيًا لحفظ الجماعة وصيانة الأسرة، ولا سيما حين تكون الفتنة قد بلغت حدًا يصعب معه استمرار الحياة في ظلها.

    ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى رحيل آل أبو عليان بوصفه موقفًا يعبّر عن درء الفتنة وحقن الدماء، واختيارًا لطريق السلم بدل الاستمرار في أجواء النزاع والخصومة.

    فلم يكن الرحيل، في هذا المعنى، مجرد انتقال جغرافي، وإنما كان بحثًا عن مكان يستطيع فيه الناس أن يعيشوا آمنين، وأن يحافظوا على جماعتهم، وأن يبدأوا حياة جديدة بعيدًا عن أسباب الصراع.

    ولم ينتهِ الاقتتال بانتهاء المرحلة التي انتقلت فيها أسرة آل أبو عليان من ثرمداء إلى بريدة، بل استمرت النزاعات والمواجهات خلال العقود اللاحقة، وهو ما يعزز أهمية النظر إلى قرار الانتقال في سياقه التاريخي، ويشير إلى أن الأسرة ربما أحسنت تقدير الظروف واختيار التوقيت المناسب للرحيل، قبل أن تتواصل الاضطرابات في موطنها السابق.

    وقد دوّن المؤرخ إبراهيم بن عيسى في تاريخه حوادث متعددة تدل على استمرار تلك الاضطرابات في السنوات اللاحقة، ومنها أحداث الأعوام 1100هـ، و1116هـ، و1119هـ، و1124هـ، و1125هـ، و1126هـ، و1133هـ، و1151هـ. وتكتسب هذه الوقائع أهميتها من كونها تُظهر أن النزاعات لم تكن أحداثًا عابرة انتهت في فترة وجيزة، بل استمرت على مدى عقود، الأمر الذي يتيح قراءة قرار انتقال آل أبو عليان في ضوء ما شهدته المنطقة من تقلبات واضطرابات،

    الرحيل طلبًا لموطن جديد
    وتكتسب عبارة المؤرخ إبراهيم بن عيسى «لطلب الرئاسة» أهمية في فهم الجانب الآخر من الرحلة؛ إذ توحي بأن الأمر لم يكن مجرد هجرة اضطرارية، بل كان وراءها أيضًا تطلع إلى إيجاد موطن جديد تتوافر فيه مقومات الاستقرار والنفوذ، ويمكن أن تتأسس فيه حياة سياسية واجتماعية واقتصادية مستقلة.

    وبعد خروجهم من ثرمداء، كانت ضرية محطة في طريق الرحلة، ثم لم يستقروا فيها، واتجهوا إلى موضع آخر، حتى وجد راشد الدريبي في مورد بريدة المائي ما رآه مناسبًا للاستقرار.

    وهنا بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الأسرة.

    لماذا اختاروا بريدة؟
    لم يكن الماء وحده هو العامل في اختيار الموضع؛ فالمورد المائي كان أساسًا ضروريًا للحياة والاستقرار، لكن الموقع وما حوله من أرض ومقومات طبيعية جعلا منه موضعًا صالحًا لأن يكون نواة لاستيطان دائم.

    فاشترى راشد الدريبي مورد بريدة من آل هذال، ثم عمره وسكنه هو ومن معه من عشيرته، فتحول المورد المائي من مجرد مورد للمياه إلى نواة لمجتمع مستقر، أخذ ينمو ويتوسع مع مرور الزمن ومن هنا بدأ يتشكل السكان الدائمون.

    ويمكن القول إن الماء كان بداية الاستقرار، ثم جاء العمران والسكان والأسواق والمزارع والمساجد لتنشأ حوله البلدة التي عُرفت لاحقًا ببريدة من مورد ماء إلى مدينة بريدة.

    وعلى هذا تذكر الروايات التاريخية أن تأسيس بريدة كان في حدود سنة 985 هـ / 1577م، وأن راشد الدريبي اشترى موضعها وعمره وسكنه مع عشيرته.

    ومع مرور الزمن، نما الاستقرار واتسع العمران، وأقيمت المساكن والأسواق والمساجد، وأصبحت بريدة مركزًا مهمًا في المنطقة، ثم اتسع نفوذها ودورها حتى غدت من أبرز حواضر القصيم ونجد.

    ومن هذا المنطلق يمكننا أن نجمل الأسباب التي دعتهم الى الارتحال الى القصيم و هي:-

    1. الاضطرابات والنزاعات في محيط ثرمداء ومرات ولذلك كان الرحيل بحثًا عن موطن أكثر استقرارًا.
    2. الرغبة في تأسيس موطن مستقل لهم، يتمكنون فيه من إنشاء بلدة خاصة بهم، وترسيخ نفوذهم فيها، وتولي إمارتها، وبناء كيان سياسي واقتصادي يحقق لهم الاستقلال والاستقرار.
    3. البحث عن موقع تتوافر فيه مقومات الاستقرار، وتتهيأ فيه فرص التوسع العمراني والاقتصادي.

     ويمكن استنتاج أهمية هذا العامل من التطور اللاحق لبريدة؛ إذ انتقلت من مجرد مورد للمياه إلى بلدة عامرة، ثم أصبحت مركزًا رئيسيًا مؤثرا في منطقة القصيم، واتسع عمرانها ونفوذها تدريجيًا حتى غدت حاضرةً رئيسيةً تتبعها قرى عديدة.

    1. الجمع بين الاستقرار السياسي والفرص الاقتصادية: يُعدّ الجمع بين الاستقرار السياسي والإمكانات الاقتصادية من العوامل التي أسهمت في اختيار الموطن الجديد؛ إذ أتاح توافر المياه إمكانية الاستقرار وتكوين مجتمع دائم، ومهّد لنمو الزراعة والأسواق، ثم تطور الطرق التجارية التي ربطت البلدة بمحيطها. ويتضح أثر هذه المقومات في الدور التجاري الذي اضطلعت به بريدة في مراحلها اللاحقة، وفي شهرة أهل القصيم بالتجارة والقوافل والتنقل بين مناطق الجزيرة العربية والبلدان المجاورة.

    ومهما كانت الأسباب الداعية للارتحال فإن ما شهدته ثرمداء في ذلك العهد من اضطراباتٍ وحروبً بين العناقر، واشتد أثرها حتى كثر القتل وأُريقت الدماء بينهم ، وأصبحت الأوضاع لا تهيئ للحياة الآمنة التي تنشدها الأسر والعشائر.

    وفي خضم تلك الأحداث، اختارت اسرة آل أبو عليان طريقًا يعكس حرصهم على درء الفتنة وحقن الدماء، فآثروا الرحيل عن موطنهم، بدلًا من الاستمرار في أجواء النزاع والخصومة، بحثًا عن مكان تتوافر فيه أسباب الأمن والاستقرار، ويستطيعون فيه أن يؤسسوا حياة جديدة بعيدة عن أسباب الصراع.

    ولم يكن هذا الرحيل فرارًا من المسؤولية، ولا رغبةً في إدامة الخصومة، وإنما كان موقفًا يحفظ الدماء ويصون الجماعة، ويؤثر السلم حين تصبح الفتنة سببًا في مزيد من القتل والتفرق. فكان قرار الرحيل بداية مرحلة جديدة في تاريخ آل أبو عليان، حملوا فيها أسرهم وعشيرتهم، واتجهوا إلى موطن آخر يأملون فيه الاستقرار وبناء حياة آمنة.

    ومن المصادر التاريخية التي تناولت نشأة بريدة وتاريخها نذكر أمثلة منها: إبراهيم بن عيسى في «عقد الدرر»، وإبراهيم بن عبيد آل عبدالمحسن في -تذكرة أولي النهى والعرفان-، والأمير سعود بن هذلول في -ملوك آل سعود-، والشيخ محمد بن بليهد في -صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار-،ومقبل بن عبدالعزيز الذكير في  -العقود الدرية في تاريخ البلاد النجدية- وعبدالله بن عبدالرحمن البسام في -خزانة التواريخ النجدية-، إلى جانب ما أورده الرحالة تشارلز داوتي في القرن التاسع عشر عن قِدم المدينة ونشأتها في كتابة  “الترحال في الصحاري العربية”

    كما وردت إشارات في المصادر الحديثة وهي كثيرة جدا ولا سبيل الى حصرها إلى أن تأسيس أول تجمع سكاني في بريدة كان في سنة 985 هـ، وربطت ذلك بشراء راشد الدريبي للموضع من آل هذال وعمارتِه وسكنه مع عشيرته.

    بريدة التي أصبحت موطن الأسرة
    ومع استقرار آل أبو عليان في بريدة، لم تعد المدينة مجرد موضع ماء، بل تحولت إلى موطنٍ عامر بالسكان، ومستقرٍّ للأسرة وعشيرتها، ومركزٍ للحياة في المنطقة، ثم أصبحت مع اتساع العمران وتنامي النفوذ مركزًا للحكم والإدارة في إقليم القصيم. ومن هذا الموضع بدأت بريدة تنمو وتتوسع، حتى غدت حاضرةً بارزة، ارتبط تاريخها بتاريخ آل أبو عليان وإمارتهم عليها، وأصبحت مركزًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا مهمًا في المنطقة. **

    فنشأت فيها القلعة، قلعة ال أبو عليان والأسواق، والمساجد، والمساكن، واتسعت دائرة العمران، وأصبح لبريدة شأنها في منطقة القصيم، وبرزت فيها الحياة التجارية والزراعية والاجتماعية.

    وكان من أبرز معالمها جامع آل أبو عليان، او الجامع الكبير المعروف اليوم بجامع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، وما ارتبط به من أسواق ومساكن وأحياء ومرافق، لتصبح بريدة مع مرور الزمن مدينة عامرة ذات مكانة بارزة في نجد.

    مورد بريدة وتعدد المواضع التي تحمل الاسم
    ولا يمنع ذلك من وجود مواضع أخرى في الجزيرة العربية حملت اسم «بريدة»، ومنها مورد ورد ذكره في بعض المصادر في ناحية ضرية.

    وتكرار أسماء الآبار والموارد والمواضع في الجزيرة العربية أمر معروف؛ ولذلك فإن مجرد تشابه الاسم لا يكفي لإثبات وحدة الموضع.

    وقد تناول الشيخ حمد الجاسر والدكتور صالح العلي هذا الموضوع في تحقيقهما لكتاب «بلاد العرب» للحسن بن عبدالله الأصفهاني، وناقشا ما ورد في بعض المؤلفات من الربط بين «بريدة» الواردة في بعض معاجم البلدان القديمة وبين مدينة بريدة المعروفة اليوم، وساورد ذلك لاحقا في هذا المقال مستندين إلى القرائن الجغرافية ومواقع القبائل والموارد التي وردت في الروايات القديمة.

    ومن ثم فإن القرائن التاريخية والجغرافية المتصلة بنشأة بريدة تشير إلى أن المورد الذي عمره راشد الدريبي هو المورد الذي قامت حوله بريدة الحالية، وأن هذا الاستقرار هو الذي تحول مع الزمن إلى مدينة عامرة.

    رحلة بدأت بحقن الدماء وانتهت بتأسيس موطن
    وهكذا، فإن قصة انتقال آل أبو عليان من ثرمداء إلى بريدة يمكن قراءتها على مرحلتين متكاملتين:

    الأولى: الخروج من موطن سابق بسبب ما وقع فيه من نزاعات وحروب، واختيار الرحيل درءًا للفتنة وحقنًا للدماء، وحفاظًا على الجماعة والأهل.

    والثانية: البحث عن موطن جديد تتوافر فيه أسباب الأمن والاستقرار، فوجد راشد الدريبي في مورد بريدة ما يصلح لأن يكون أساسًا لحياة جديدة، فاشتراه وعمره وسكنه مع عشيرته.

    ومن هنا لم يكن الرحيل نهاية قصة، وإنما كان بداية قصة أخرى؛ قصة موطن جديد نشأ حول الماء، ثم نما بالعمران والسكان، واتسعت أسواقه وطرق تجارته، حتى أصبحت بريدة إحدى أهم حواضر القصيم ونجد.

    وإذا كانت الروايات التاريخية قد حفظت لنا أن آل أبو عليان خرجوا من ثرمداء بسبب الحروب والنزاعات، فإن من أجمل ما يمكن أن يُستخلص من هذه الرحلة أن الأسرة اختارت، في لحظة مضطربة، أن تجعل من الرحيل سبيلًا إلى السلام، ومن الابتعاد عن الفتنة طريقًا إلى الاستقرار، ومن البحث عن موطن آمن بدايةً لتاريخ جديد.

    وهكذا بقيت رحلة آل أبو عليان من ثرمداء إلى بريدة في ذاكرة الأسرة باعتبارها رحلة بحث عن الأمن، وحقن للدماء، وبناء لموطن جديد؛ موطن أصبح مع مرور القرون مدينةً عامرة، ومركزًا للحياة والتجارة والعمران في القصيم.

    وكانت تلك البداية نواةً لنشأة إمارة آل أبو عليان في بريدة، التي ارتبط تاريخها بتاريخ المدينة نفسها، وتتابع حضور الأسرة فيها قرونًا متعاقبة، حتى غدت بريدة واحدة من أبرز مدن نجد والقصيم ومركزًا مهمًا من مراكز الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.

    وقد تناول علامة الجزيرة العربية الشيخ حمد بن محمد الجاسر، والدكتور صالح العلي، هذه المسألة في كتاب «بلاد العرب»، من تأليف الحسن بن عبدالله الأصفهاني، الذي حققه العالمان ونشرته دار اليمامة بالرياض، بمساعدة المجمع العلمي العراقي.

    وقد خلصا، وفق ما ورد في الكتاب، إلى أن الربط بين مورد الماء القديم المسمى «بريدة»، الذي أشار إليه بعض أصحاب معاجم البلدان بوصفه موردًا لبني ضُبينة، وبين مدينة بريدة الحالية، لا يستند إلى أساس جغرافي سليم، وأن هذا الربط يُعدّ من الأوهام التي وقعت فيها بعض الكتابات الحديثة. فالمورد القديم يقع في غرب إقليم السر، بالقرب من جبلة، في حين تقع بريدة الحالية على مسافة بعيدة من تلك المنطقة، كما أنها بعيدة عن منازل بني غنى التي ارتبط بها ذلك المورد في الروايات الجغرافية القديمة.

    وبناءً على هذه القرائن التاريخية والجغرافية، فإن الأرجح هو التمييز بين المورد المائي القديم الذي ورد في معاجم البلدان، وبين البئر التي ارتبط بها نشوء مدينة بريدة الحالية. ووفقًا للرواية التاريخية المتداولة، فإن البئر التي اشتراها راشد الدريبي من آل هذال هي البئر التي قامت عليها بريدة الحالية، وأن هذا الشراء مثّل بداية الاستقرار السكاني الذي تطورت منه المدينة.

    ويؤيد هذا التأريخ ما أوردته الموسوعة العربية العالمية، الصادرة عن مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، في طبعتها الثانية المنقحة، الصادرة عام 1419هـ (1999م)، في المجلد الثامن عشر، الصفحة 211؛ إذ ذكرت أنه في نحو عام 985 هـ، قام رجل من بني تميم يُدعى راشد الدريبي بتأسيس أول تجمع سكاني في بريدة، بعد أن اشترى الأرض من آل هذال، وعمرها، وسكنها مع أفراد من عشيرته.

    وهكذا، فإن التمييز بين مورد الماء الوارد في المصادر القديمة والبئر التي نشأت حولها بريدة الحالية يُعدّ أمرًا مهمًا لفهم تاريخ المدينة، وتحديد موضع نشأتها في ضوء الروايات التاريخية والقرائن الجغرافية. وقد تحدثت في مقال سابق في موقع الأسرة عن هذا الجانب وناقشت الموضوع باستفاضة فيرجع له لمزيد من الايضاح . 

    مواقف أمراء آل أبي عليان في نصرة الدولة السعودية الأولى
    تعزّزت مكانة بريدة وأهميتها السياسية من خلال مواقف أمرائها من آل أبي عليان في تأييد الدولة السعودية الأولى ومناصرتها. فقد كان الأمير عبدالله بن حسن آل أبي عليان من المؤيدين للدولة والمناصرين للإمام عبدالعزيز بن محمد آل سعود، وشارك في حملاتها العسكرية، حتى استشهد، وفق الرواية التاريخية الثابتة المتداولة، في معركة مخيريق الصفا سنة 1190هـ. انظر في ذلك كتاب (تحفة المشتاق في أخبار نجد والحجاز والعراق) عبد الله بن محمد البسام وغيرها من كتب التاريخ التي تناولت تلك المعركة.

    وقد استشهد الأمير عبدالله وهو أمير على القصيم وتوابعها، متقدمًا جيش القصيم الذي انطلق من بريدة، وشارك معه رجالها وشبابها في القتال ومناصرة جيش الدولة السعودية الأولى. وتعكس هذه الرواية الدور الذي أدّاه أمراء آل أبي عليان وأهل القصيم في دعم الدولة الناشئة، وما ارتبط بذلك من تضحيات ومشاركة في الأحداث العسكرية التي شهدتها المنطقة.

    ولم تنقطع هذه الصلة بوفاة الأمير عبدالله؛ إذ واصل ابنه الأمير محمد بن عبدالله آل أبي عليان هذا النهج، فتولى إمارة القصيم وقيادة جيشها بعد وفاة والده، مواصلًا دور الأسرة في مساندة الدولة السعودية الأولى، ومؤكدًا استمرار العلاقة السياسية والعسكرية بين إمارة ال أبو عليان والدولة في مرحلة مهمة من تاريخ نجد.

    الأمير حجيلان بن حمد ودوره السياسي والعسكري في عهد الدولة السعودية الأولى
    وفي سياق الحديث عن علاقة أمراء آل أبي عليان بالدولة السعودية الأولى، تبرز سيرة الأمير حجيلان بن حمد، الذي ارتبطت إمارته ببريدة والقصيم بمرحلة شهدت توسع نفوذ الدولة وتنامي دورها السياسي والعسكري في نجد والمناطق المجاورة.

    وتذكر الرواية التاريخية أن الأمير حجيلان بن حمد قاد جيشًا من أهل القصيم إلى بلاد الشام سنة 1212هـ، بتوجيه من الإمام عبدالعزيز بن محمد آل سعود، في إطار الحملات العسكرية التي شهدتها تلك المرحلة، والمرتبطة بنفوذ الدولة السعودية الأولى ودعوتها الإصلاحية القائمة على توحيد الله تعالى ومحاربة مظاهر الشرك. انظر في ذلك كتاب “عنوان المجد في تاريخ نجد” المؤرخ ابن بشر. وكتاب محاضرات في تاريخ الدولة السعودية الاولى الدكتور عبدالفتاح حسن أبو علية.

    وتبرز أهمية هذه الرواية في إظهار اتساع الدور الذي أدّاه الأمير حجيلان وأهل القصيم خارج حدود منطقتهم، ومشاركتهم في الأحداث التي ارتبطت بتاريخ الدولة السعودية الأولى. كما تفتح المجال لدراسة طبيعة تلك الحملات وأهدافها ونتائجها، ومدى إسهامها في تعزيز الصلات السياسية والعسكرية بين بريدة والدرعية.

    وهكذا تتكامل سيرة الأمير عبدالله بن حسن وابنه الأمير محمد بن عبدالله مع سيرة الأمير حجيلان بن حمد في إبراز حضور إمارة بريدة في تاريخ الدولة السعودية الأولى، وما أدّاه أمراء آل أبي عليان من أدوار سياسية وعسكرية في مرحلة التأسيس والتوسع ومناصرة الدولة السعودية الأولى.

    خاتمة: من جذور ثرمداء إلى تاريخ بريدة ومواقف أمرائها
    وهكذا، تتجلى في رحلة أسرة آل أبو عليان من ثرمداء إلى بريدة صفحاتٌ من تاريخ نجد، اجتمعت فيها ظروف الرحيل، والبحث عن موطن جديد، وتوافر مقومات الاستقرار، ثم نشأة بلدة أخذت تنمو وتتسع حتى أصبحت من أبرز حواضر القصيم. فقد كان انتقال الأسرة بقيادة راشد الدريبي نقطة تحول في تاريخها، وبداية مرحلة ارتبط فيها اسم آل أبو عليان ببريدة، أرضًا وسكنًا وإمارةً وحضورًا في أحداث المنطقة.

    ولم تكن بريدة التي استقر فيها آل أبو عليان مجرد مورد للمياه، بل غدت مع مرور الزمن موطنًا تتشكل فيه الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتنمو فيه الأسواق والمزارع والمساجد والمساكن، وتتسع صلاته بالمناطق المجاورة. ومع امتداد الزمن، ارتبط تاريخ الأسرة بتاريخ المدينة، وأصبحت إمارتها جزءًا من تاريخ بريدة والقصيم، بما شهده ذلك التاريخ من تحولات وأحداث ومواقف.

    ويكتمل هذا المشهد باستحضار أدوار أمراء آل أبي عليان في عهد الدولة السعودية الأولى، وما تذكره المصادر التاريخية عن مناصرتهم لها ومشاركتهم في أحداثها العسكرية والسياسية. فتروي أخبار الأمير عبدالله بن حسن وابنه الأمير محمد بن عبدالله جانبًا من صلة إمارة بريدة بالدولة السعودية الأولى، كما تبرز سيرة الأمير حجيلان بن حمد اتساع الدور السياسي والعسكري الذي ارتبط ببريدة وأهل القصيم في تلك المرحلة. وهي أخبار تؤكد أهمية دراسة تاريخ الأمراء في سياق تاريخ نجد العام، والرجوع إلى المصادر التي حفظت وقائع تلك الحقبة ورواياتها.

    إن توثيق هذه الأحداث ليس مجرد استعادة للماضي، بل هو وفاء للجذور، وحفظ لذاكرة المكان والأسرة، وإسهام في تعريف الأجيال القادمة بتاريخ آبائهم وأجدادهم، وما ارتبط بأسمائهم من وقائع ومواقف. ومن هنا تبرز أهمية جمع الروايات الأسرية ومقارنتها بالمصادر التاريخية، وتوثيق الأحداث والأسماء والتواريخ بعناية، حتى يبقى هذا الإرث محفوظًا للأجيال، بعيدًا عن المبالغة، وقائمًا على ما تسنده الشواهد والروايات المعتبرة.

    وهكذا، فإن رحلة آل أبو عليان من ثرمداء إلى بريدة لم تكن فصلًا عابرًا في تاريخ الأسرة، بل كانت بداية مرحلة امتد أثرها عبر القرون؛ من الاستقرار حول مورد ماء، إلى قيام بلدة عامرة، ثم بروز إمارة كان لها حضورها في تاريخ القصيم ونجد. وتظل هذه الرحلة بما تضمنته من انتقال واستقرار وعمران ومواقف سياسية وعسكرية جزءًا من تاريخ الأسرة والمدينة معًا، وصفحةً جديرة بالتوثيق والدراسة، لتبقى جذور الماضي حاضرة في ذاكرة الأبناء والأحفاد.

  • الماء و مزارع النخيل والآبار في حياة أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان في خبوب بريدة
    كتب: فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان

    كانت الأرض والزراعة والماء جزءًا أصيلًا من حياة أهل بريدة قديمًا، ولم تكن حياة الناس آنذاك تقوم على التجارة وحدها، بل تنوعت أعمالهم ومصادر رزقهم بحسب ما تهيأ لهم من موارد وإمكانات.

    ومن ذلك ما عُرف عن بعض أفراد أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان من امتلاك المزارع والآبار في خبوب بريدة، ولا سيما خب البريدي ،وخب حويلان ،وخب الجطيلي حيث كانت الأرض مصدرًا للرزق، ومجالًا للعمل والعناية بالنخيل والزراعة.

    وكانت الآبار تمثل عصب الحياة في تلك المزارع؛ فالماء هو أساس الزراعة، وبه تُسقى النخيل والأشجار والمحاصيل، وتُروى حاجات الإنسان والحيوان. ولذلك كانت البئر في المزرعة موردًا عزيزًا، والعناية بها وبمائها جزءًا من المحافظة على الأرض واستمرار عطائها.

    وقد عُرف بين أفراد الأسرة تنوع مجالات العمل؛ فكان بعضهم من أهل الزراعة، يرتبطون بالأرض ومزارع النخيل، ويتولون شؤونها من سقي ورعاية وحصاد، بينما اتجه فريق آخر إلى التجارة، فكانوا يمارسون البيع والشراء ويتنقلون بين الأسواق، في حين كان منهم رجال من العقيلات الذين عُرفوا بالأسفار والتجارة والتنقل بين البلدان طلبًا للرزق.

    وهذا التنوع في أعمال أبناء الأسرة يعكس طبيعة الحياة الاقتصادية في بريدة في ذلك الزمن؛ فلم يكن الرجل بالضرورة محصورًا في مهنة واحدة، فقد يجمع بين ملكية الأرض والزراعة والتجارة، أو ينتقل بين مجالات الرزق بحسب ظروف الحياة وحاجاتها. وكانت الزراعة والتجارة ورحلات العقيلات روافد متكاملة أسهمت في بناء حياة الأسر واستقرارها وتوسعها.

    وكانت النخلة تحتل مكانة خاصة في حياة أهل بريدة؛ فهي شجرة مباركة، وثمارها غذاء، ومن منتجاتها ما يدخل في حياة الناس اليومية، كما أن المزرعة بما فيها من نخيل وماء كانت تمثل موردًا اقتصاديًا ومكانًا للراحة والأنس للأسرة.

    مزرعة الجد جارالله في خب البريدي
    ومن الشواهد التي بقيت في ذاكرة الأسرة مزرعة الجد جارالله رحمه الله في (خب البريدي)، الذي أصبح اليوم ضمن حدود مدينة بريدة. فقد كان، إلى جانب عمله التجاري في سوق الجردة وتجارته في الابل ، يملك مزرعة في هذا الخب الواقع غرب بريدة، وكانت مزرعته عامرة بالنخيل والأشجار، ومن أبرزها أشجار الأثل التي كانت لها قيمة كبيرة في حياة أهل بريدة والقصيم قديمًا.

    فالأثل لم يكن مجرد شجر يُزرع في المزارع أو ينبت في بطون الأودية والنفود، بل كان يمثل موردًا اقتصاديًا مهمًا، وعنصرًا أساسيًا في العمارة التقليدية؛ إذ كان خشبه يدخل في بناء البيوت الطينية والمساجد والأسواق، وفي استخدامات إنشائية متعددة، حتى يمكن القول إنه كان في زمانه يؤدي في بعض جوانب البناء وظيفة تشبه ما يؤديه حديد التسليح والخرسانة في وقتنا الحاضر.

    وكان في مزرعة الجد جارالله دار يقيم فيها مع أسرته، وبئر ماء امتازت بعذوبة مائها، إلى جانب أرض واسعة تُزرع بالخضروات والبرسيم و بالقمح شتاءً، وممرات ومسالك تمر فيها المواشي في أنحاء المزرعة. وكانت المحاصيل تُجمع ويُستفاد منها، ويُباع ما يزيد منها في أسواق مدينة بريدة.

    كما كان من مرافق المزرعة في حينها معطن للإبل، وأربعة مرابط لأربعة أفراس، ومراح للأغنام، مما يدل على اتساعها وتعدد مرافقها، وأنها لم تكن مجرد أرض زراعية، بل كانت مكانًا متكاملًا يجمع بين السكن والزراعة وتربية الإبل والخيل والأغنام.

    وتكشف هذه المزرعة عن صورة من صور الحياة التي عاشها الأجداد؛ فالمزرعة لم تكن مجرد أرض زراعية، وإنما كانت مكانًا متكاملًا للحياة، فيها الدار والبئر والنخيل والأشجار والأرض الزراعية، وتلتقي فيها حاجات الأسرة مع موارد الرزق والعمل.

    وثيقة المزرعة شاهد من ذاكرة الأسرة
    وقد اطلعتُ على وثيقة هذه المزرعة، وهي من ضمن الوثائق التي احتفظ بها والدي رحمه الله، ويعود تاريخها إلى نحو ثمانين عامًا، وتثبت تملّك جدنا جارالله رحمه الله لها، لتكون شاهدًا مكتوبًا على صلة الأسرة بهذه المزرعة وامتلاكها قبل ذلك الزمن. كما تثبت بيعها لاحقًا لأحد أقربائه من الأسرة. وتكتسب هذه الوثيقة أهمية خاصة في توثيق الذاكرة العائلية؛ فهي لا تحفظ اسم المكان والمزرعة فحسب، بل تكشف جانبًا من حركة الملكية وتداول الأراضي بين أفراد الأسرة في تلك الحقبة.

    وقد ورد في الوثيقة أنه باع ملكه الكائن في خب البريدي، وما يشتمل عليه من بئر ونخل ودار وأرض وطرق، مما يعطينا صورة واضحة عن مكونات المزرعة وما كانت تضمه من مرافق وممتلكات مرتبطة بالحياة الزراعية والمعيشية وشهد على هذه الوثيقة صالح الحسن العجلان وصالح الحمد الخراز رحمهما الله.

    كما نصت الوثيقة على أنه استثنى من البيع «خو الأثل»، وهو ما يكشف عن قيمة الأثل وأهميته في ذلك الوقت، حتى حرص الجد جارالله رحمه الله على الاحتفاظ بملكه منه وعدم إدخاله ضمن البيع.

    وتبقى هذه الوثيقة شاهدًا ثمينًا على جانب من تاريخ الأسرة، فهي تنقل لنا صورة واقعية عن الأرض وملكيتها ومرافقها، وتمنح الأجيال اللاحقة فرصة للتعرف على جانب من حياة أجدادهم كما كانت على أرض الواقع، لا من خلال الرواية الشفوية وحدها، وإنما من خلال وثيقة حفظت شيئًا من تفاصيل تلك المرحلة.

    مزرعة العم محمد بن إبراهيم الجارالله العجلان خبير النخيل والزراعة في خب حويلان و خب الجطيلي
    ومن أبناء الأسرة الذين امتهنوا حرفة الزراعة في بداية حياتهم العملية وفي مقتبل عمرهم العم محمد بن إبراهيم الجارالله العجلان رحمه الله، الذي تخصص فيها وأصبح من أهل الخبرة والمعرفة بها، واتخذ من مزرعته في خب (حويلان) مجالًا لممارسة الزراعة والعناية بالنخيل على وجه الخصوص.

    وقد بلغ من خبرته بالنخيل مبلغًا جعله مرجعًا في معرفة أنواعها وأصنافها وطرق غرسها والعناية بها، فلا يكاد ينازعه أحد في معرفته بتفاصيلها؛ من اختيار أجود أصنافها، ومعرفة أوقات غرسها، وطريقة ضمدها وتحضيرها، ومتابعة بواكير ظهور ثمارها، ومعرفة الوقت المناسب لالتقاط رطبها، ومتى تُخرف عذوقها.

    وكان رحمه الله إلى جانب خبرته الزراعية عارفًا بعلم الفلك ونجومه ومواسمها، وما يرتبط بها من معرفة بأوقات الزراعة والغرس، فكان يربط خبرته بالأرض بما توارثه أهل الزراعة من معرفة بالأنواء والنجوم ومواقيت الفصول.

    ولما عُرف عنه من خبرة واسعة في الزراعة والحرث والنخيل، أصبح مرجعًا للمزارعين من حوله؛ فإذا عرض لأحدهم خطب أو مشكلة في مزرعته أو نخيله رجع إليه يستشيره، فيقدم لهم ما يستطيع من الرأي والخبرة والحلول الناجعة، محتسبًا في ذلك الأجر والمثوبة من الله.

    وفي أواخر حياة العم محمد بن إبراهيم الجارالله العجلان رحمه الله، عاد إليه حنينه القديم إلى الفلاحة والزراعة، فاشترى مزرعة أخرى في (خب الجطيلي) الذي أصبح اليوم ضمن حدود مدينة بريدة. وأخذ يتردد عليها كثيرًا،

    وقد أولى المزرعة عناية خاصة، فعمل على زيادة زراعتها وإعادة تأهيلها، وأدخل إليها أصنافًا من المزروعات والأشجار لم تكن مألوفة في منطقة القصيم آنذاك، ومن بينها أشجار اليوسفي والدراق، وقد لاقت هذه التجربة نجاحًا ملحوظًا، وأصبحت المزرعة مجالًا لتجربته وخبرته الزراعية التي امتدت سنوات طويلة. والتي أمضى جانبًا من حياته في خدمتها والعناية بها.

    وهكذا كان العم محمد بن إبراهيم الجارالله العجلان رحمه الله مثالًا للرجل الذي جمع بين العمل والخبرة والمعرفة وخدمة الناس، وبقيت تجربته في الزراعة والنخيل شاهدًا على ما كان لأبناء الأسرة من عناية بالأرض، ومعرفة بمواسمها وثمارها، وإسهام في نقل الخبرة الزراعية من جيل إلى جيل.

    وتبقى خبوب بريدة، خب البريدي ،وخب حويلان ،وخب الجطيلي على وجه الخصوص، شاهدًا على جانب من هذه الحياة الزراعية القديمة، التي ارتبط فيها الإنسان بالأرض والماء والنخلة، وبذل في سبيلها الجهد والصبر. ومن خلال الحديث عن مزارع الأسرة وآبارها، نستطيع أن نستحضر جانبًا من حياة الأجداد، وكيف تعددت أعمالهم ومصادر رزقهم بين الزراعة والتجارة ورحلات العقيلات.

    إن توثيق هذه التفاصيل الصغيرة من حياة الأسرة ليس مجرد حديث عن آبار ومزارع ونخيل، بل هو توثيق لطريقة حياة كاملة عاشها الآباء والأجداد، وأسهمت في تشكيل شخصية الأسرة واستقرارها، وفي الوقت نفسه يكشف جانبًا من تاريخ بريدة الزراعي والاقتصادي والاجتماعي في تلك الحقبة.

    وتبقى الآبار والنخيل والمزارع في خبوب بريدة من الذكريات التي تستحق أن تُروى، حتى تعرف الأجيال الجديدة أن وراء ما وصلت إليه الأسرة اليوم تاريخًا من العمل والكفاح وتعدد مجالات الرزق، وأن لكل مزرعة وبئر ونخلة حكاية من حكايات الأجداد.

  • طعام أهل بريدة ومنهم أسرة آل أبوعليان قبل نحو (150) مئة وخمسين عامًا.

    كتب: فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان 

    الطعام في حياة الآباء والأجداد
    حين نتحدث عن حياة الآباء والأجداد في بريدة قبل نحو مئة وخمسين عامًا، فإن الطعام يمثل جانبًا مهمًا من جوانب الحياة اليومية؛ فهو يكشف لنا بساطة المعيشة، وحسن التدبير، والاعتماد على ما تنتجه البيئة المحلية وما يتوافر في البيت والسوق في ذلك الوقت.

    ولم تكن الموائد في تلك المرحلة تعرف هذا التنوع الكبير الذي نراه اليوم، بل كانت تعتمد على مكونات محدودة، يأتي في مقدمتها البر والتمر والدبس واللبن والسمن، وما يتيسر من الخضار، مثل القرع والكوسة والباذنجان والنجد واللوبيا والبصل ، وبعض الفواكه التي كانت معروفة في البيئة المحلية، مثل الرمان والعنب والتين والشمام (الجرو) والجح، إلى جانب اللحوم الحمراء من الإبل والضأن والماعز.

    وكان لحم الأبقار قليل الحضور في موائد أهل بريدة، لا من باب التحريم، وإنما لأنهم في الغالب لم يكونوا يستسيغون طعمه، فلم يكن من اللحوم المألوفة لديهم. أما لحم الدجاج فلم يكن داخلًا في طعامهم المعتاد على الصورة التي عرفها الناس لاحقًا، مع أن بعض الأسر كانت تربي الدجاج للاستفادة من بيضه. كما أن السمك لم يكن من الأطعمة المألوفة لديهم؛ لبعد بريدة عن البحر، وصعوبة نقل الأسماك وحفظها في ذلك الزمن قبل وسائل النقل والتبريد الحديثة.

    وهكذا كانت مائدة الأسرة البريداوية تعتمد في الغالب على ما توفره البيئة المحلية، وما تنتجه الأرض والمواشي، مع اختلاف ما يقدم من بيت إلى آخر، ومن موسم إلى آخر، وبحسب قدرة الأسرة وتوافر الطعام.

    وكانت أسرة آل بوعليان، شأنها شأن كثير من أسر بريدة والقصيم، تعيش ضمن هذه البيئة الاقتصادية والاجتماعية؛ فتتغير أصناف الطعام بحسب الموسم، وتوافر المواد، وقدرة الأسرة، ووجود الضيوف والمناسبات.

    ولذلك فإن الحديث عن طعام الأسرة في تلك المرحلة لا يعني وجود قائمة ثابتة لكل يوم، وإنما هو تصوير لما كان متداولًا وممكنًا في بيوت بريدة، كما بقي في الذاكرة والرواية الشفوية التي اخذتها من كبار سن الاسرة..

    الفطور بداية اليوم بالتمر والقهوة واللبن
    كان اليوم يبدأ مبكرًا، وفي الغالب قبل صلاة الفجر، فيتناول أهل البيت رشفات من فناجيل القهوة المحموسة باعتدال وبعض حبات التمر أو الرطب قبل الصلاة، ويستمر تناولها بعد الصلاة.

    وكان التمر واللبن والزبد من أبرز ما يمكن أن يقدم في الصباح، إلى جانب رقاق خبز البر أو القرصان غير المطبوخ ، وقد يقدم معه السمن أو الزبد بحسب المتوافر وبعض من أقراص الكليجا المشهورة في بريدة (والتي اصبح لها مهرجانا دوليا يقام سنويا في بريدة والتي يعتقد ان رجال العقيلات جلبوا وصفتها الى بريدة من خلال أسفارهم ).

    وكان التمر غذاءً أساسيًا في حياة أهل بريدة، وليس مجرد صنف من أصناف الحلوى؛ فهو طعام يومي، يدخل في وجبات متعددة، ويؤكل وحده ومع اللبن ومع القهوة، وتدخل أنواعه في عدد من الأكلات الشعبية.

    الابل في المراعي والبقرة والمنايح في بيت الأسرة مصدر اللبن والزبد والسمن
    لم تكن تربية الحيوانات في حياة أهل بريدة قديمًا أمرًا عابرًا، بل كانت جزءًا من نمط الحياة والمعيشة، ومصدرًا مهمًا للغذاء والثروة، ووسيلةً للاعتماد على النفس في زمن كانت فيه الحياة تقوم على ما تنتجه الأسرة وما تملكه من موارد.

    فقد كانت الإبل تحتل مكانة مهمة في حياة أهل بريدة وكانت بعض الأسر تملك قطعانًا من الإبل ترعى خارج بريدة في المراعي والمواقع ومنها أسرة ال أبو عليان التي اعتاد أهلها أن يخرجوا إليها، فتعيش هناك على ما تجده من الكلأ والنباتات التي تنبت في مواسم الخير.

    وكانت الإبل تختلف في طبيعة تربيتها عن الأبقار؛ فالبقرة قريبة من المنزل، وترتبط بحياة الأسرة اليومية وما تحتاج إليه من اللبن والسمن، أما الإبل فكانت أقرب إلى الثروة التي تمتد خارج المدينة، وتعيش في قطعان ترعى في المراعي، ويتولى رعايتها من يعرف مواضع الكلأ ومواسم الرعي ومسالك الأرض.

    وكان امتلاك القطيع من الإبل علامة على اليسر والقدرة والوجاهة ومرتبط بحب البريداوي القصيمي العربي الفطري التلقائي لابله ويفتخر بها كما أن الإبل لم تكن مصدرًا للثروة فحسب، بل كانت وسيلة للنقل والترحال، وحاضرة في التجارة والأسفار، ومرتبطة بحياة الناس في البادية والحاضرة على السواء. ولهذا كان وجود الإبل في حياة أهل بريدة امتدادًا طبيعيًا لحياتهم الاقتصادية والاجتماعية، التي جمعت بين التجارة والزراعة وتربية المواشي او بترحالهم في قوافل العقيلات وسوقهم مئات او الالاف من القطعان منها الى الشام وفلسطين ومصر..

    ومن هذا المنظور يمكن أن نفهم العلاقة بين الإبل والبقر في حياة أهل بريدة؛ فلكل منهما وظيفته ومكانته في القلب . فالبقرة كانت قريبة من البيت، تمد الأسرة بالحليب ومشتقاته، بينما كانت الإبل التي شغفوا بحبها تجوب المراعي خارج المدينة، وتكوّن قطعانًا تمثل ثروةً ممتدةً للأسرة.

    وكانت أسرة آل بو عليان، مثل غيرها من الأسر المعروفة في بريدة، جزءًا من هذه الحياة التي جمعت بين امتلاك المواشي والعناية بها، والاستفادة من موارد الأرض ومراعيها. فكانت الثروة الحيوانية أحد وجوه الحياة الاقتصادية للأسرة، إلى جانب ما عُرف عنها من التجارة والزراعة وغيرها من الأعمال التي مارسها أهل بريدة عبر أجيال متعاقبة.

    وهكذا لم تكن تربية الإبل في المراعي والبقر ة في البيت مجرد عناية بحيوانات تملكها الأسرة، وإنما كانت جزءًا من منظومة معيشية متكاملة؛ فالبيت يحتضن ما يحتاج إليه من المواشي، والمراعي خارج المدينة تستقبل القطعان الأكبر، والأرض توفر الكلأ، والحيوان يوفر الغذاء والثروة ووسائل النقل.

    وتكشف لنا هذه الصورة جانبًا من حياة بريدة القديمة، حين كانت المدينة وما حولها مترابطة؛ فالبيت، والمزرعة، والبئر، والسوق، والمراعي، وقطعان الإبل والمواشي، كلها حلقات متصلة في حياة الناس. ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة نستطيع أن نقترب من صورة الحياة التي عاشها الآباء والأجداد، ونفهم كيف استطاعوا أن يبنوا حياتهم اعتمادًا على ما توفره لهم بيئتهم من موارد.

    وكان من المألوف في كثير من بيوت بريدة أن تربي الأسرة بقرة أو بقرتين، بحسب ثراء الأسرة ويسرها وحاجتها وعدد أفرادها. ولم يكن الغرض في الغالب التجارة، وإنما الاستفادة مما تنتجه من اللبن، وما يستخرج منه من الزبد والسمن، إلى جانب ما تنتجه من العجول.

    وكان وجود البقرة في البيت يمثل جانبًا من جوانب الاكتفاء الأسري وحسن التدبير؛ فاللبن الطازج متاح لأهل المنزل، وقد يُهدى منه للجيران، ويُنتفع به في إعداد الطعام.

    وكان اللبن يُخض في السقاء أو الصميل، وهو إناء مخصص لذلك، يُعلّق على ثلاث أعمدة من خشب الأثل، في أعلاها عقدة تسمى (القنارة)  وتقوم ربة البيت أو إحدى بناتها بعملية الخض لاستخراج الزبد. ثم يُستفاد من الزبد في صناعة السمن، الذي كان من أهم المواد الغذائية في المطبخ البريداوي.

    وكانت رعاية البقرة جزءًا من الحياة اليومية للأسرة؛ فلها مكانها في فناء المنزل أو في موضع مخصص لها، ويقوم أهل البيت بتوفير علفها من البرسيم الأخضر والتبن والعناية بها بوضع فرش من الملح تلعقه بلسانها كلما احتاجت الى الاملاح ، ومن ذلك إعداد طبخة لها تسمى «مدودة» من بعض متبقيات المنزل من حشف التمر والعبس وغيرها.

    وكانت بعض الأسر البريداوية تعوّض عن البقرة باقتناء المَنَايح من المعزى، فيكون لديها عنز أو عنزان، ينتفعون بحليبهما وما يُستخرج منه من الزبد والروب، فتكون مصدرًا مباركًا لغذاء أهل البيت وكان حليب المعزى يُعد عندهم بديلًا عن حليب الأم إذا فقد الطفل أمه أو تعذّر إرضاعه منها، فيُعطى منه بقدر حاجته، لما كان يمثله من مصدر متاح لاطعام الرضيع في ذلك الزمن.

    وهكذا لم تكن البقرة و المنايحح مجرد حيوانات تربى في المنزل، بل كانت مصدرًا من مصادر الغذاء والاقتصاد المنزلي، تسهم في توفير اللبن ومشتقاته، وتخفف حاجة الأسرة إلى شراء هذه المواد من السوق.

    النخلة وشجرة الأترنج في فناء البيت
    وكان من المألوف في بيوت بريدة قديمًا أن تكون في فناء المنزل أو حوشه أو ليوانه نخلة أو نخلتان، يستفيد أهل البيت من ثمرهما، ويكون التمر جزءًا أساسيًا من غذائهم اليومي.

    وكانت النخلة أكثر من مجرد شجرة مثمرة؛ فقد كانت حاضرة في حياة الأسرة، تمدها بالتمر، وتمنح البيت شيئًا من الظل والجمال، وترتبط بدورة الحياة اليومية في المنزل وكانت من صنف المكتومي او الشقراء او الحلوة ولا يعرفون شيئا عن نخلة السكرية الشائعة اليوم.

    وكانت إلى جانب النخلة شجرة الأترنج، وهي من الأشجار الوارف ظلها التي عُرفت في بيوت بريدة وأحبها أهلها، لورود اسمها في الحديث النبوي الثابت الصحيح مَثَلُ المُؤْمِنِ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ؛ رِيحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها طَيِّبٌ.

    وكان أهل البيت ينتفعون بثمرها الأصفر الجميل ، ولا سيما في فصل الشتاء، حيث تدخل في إعداد بعض الأطعمة الشعبية.

    وكان الجح والجرو يوضعان تحت ظلال النخيل والأترنج، تحت الخياش المبللة بالماء، لتبريدهما والاستفادة من ظلهما.

    ومن أجمل ما ارتبط بشجرة الأترنج الحنيني، الذي كان من الأطعمة الشتوية المحببة، فيجتمع فيه التمر وقرصان البر والسمن، ويضاف إليه شيء من عصارة الأترنج الحامضة بحسب الطريقة المتبعة في البيت، فيعطيه نكهته المميزة ورائحته الزكية.

    كما ارتبطت ثمرة الأترنج ولبّها بفصل الشتاء وما يصاحبه من أمراض ونزلات برد؛ فكانت ربة البيت تقطع لبّ الثمرة، ومعه شيء من قشرها، وتضعه في إناء، ثم تضيف إليه السكر، وتصُب عليه الماء المغلي، وتحركه جيدًا، ثم تغطيه وتتركه حتى يفتر، وبعد ذلك يُشرب او يتناول دافئًا.

    وكان هذا الشراب من المشروبات المنزلية التي عرفها أهل بريدة قديمًا، يجمع بين ما توفره شجرة الأترنج في البيت وبين بساطة ما كانت تقوم به ربة المنزل من إعداد بعض المشروبات والأغذية الموسمية، في زمن كانت فيه خيرات المنزل تُستثمر في مختلف شؤون الحياة اليومية.

    كما عُرف عند أهل بريدة قديمًا مشروبٌ آخر يُحضَّر من البقل (الإقط)، حيث كان يُدق أو يُطحن في النجر حتى يصبح ناعمًا، ثم يُضاف إليه السكر وقد يضاف اليه قليلا من الزنجبيل المطحون، وتُمزج المكونات جيدًا. وكان يُؤكل أحيانًا جافًا، أو يُصب عليه الماء ويُحرَّك ثم يُشرب، بحسب رغبة أهل البيت.

    وكان هذا من الأطعمة والمشروبات البسيطة التي اعتمد عليها الناس قديمًا، مستفيدين من المواد المتوفرة لديهم، وبطريقة إعداد لا تحتاج إلى كثير من المكونات أو الأدوات.

    وهكذا كان فناء البيت البريداوي القديم أشبه بمصدر صغير من مصادر الغذاء؛ نخلة تمد الأسرة بالتمر، وشجرة أترنج ينتفع من ثمرها، وبقرة أو بقرتان او معزى او معزتان توفران اللبن ومشتقاته، ودجاج يمد الأسرة بالبيض وصياح ديك يوقظهم لصلاة الفجر.

    الدجاج والبيض جزء من حياة البيت
    وكانت تربية الدجاج من الأمور المألوفة في بعض بيوت بريدة، فتجد في فناء المنزل عددًا من الدجاجات، ومعها الديك الذي كان صياحه مع الصباح علامة من علامات بدء يوم جديد، فيستيقظ أهل البيت على صوته ويكون جزءًا من المشهد اليومي المألوف في أحياء بريدة القديمة.

    ولم تكن الفائدة من الدجاج مقصورة على لحمه، وإن كان الشائع عدم أكله بل كان البيض هو الفائدة الأساسية التي تحرص الأسرة على الحصول عليها، إذ يدخل في إعداد عدد من الأطعمة المنزلية، ومن ذلك قرص عقيل، كما يدخل في إعداد الكليجا وغيرها من المأكولات الشعبية.

    وهكذا كانت الدجاجات في فناء البيت تمثل موردًا غذائيًا صغيرًا لكنه مستمر؛ فالأسرة تحصل على البيض من دجاجها، وتنتفع بما تنتجه في مطبخها، دون الحاجة إلى شراء كل شيء من السوق.

    وكان صياح الديكة، وحركة الدجاج في أفنية المنازل، وجمع البيض في الصباح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية التي عاشها أهل بريدة.

    الجريش والحنيني من أطعمة الفطور
    وفي بعض الأيام كان الفطور يكون من الجريش، وهو من الأطعمة المعروفة في القصيم ، ويُصنع من القمح المجروش، ويطبخ بالماء واللبن، وقد يضاف إليه السمن والبصل وما يتيسر من الشحم أو اللحم.

    وفي فصل الشتاء كان الحنيني حاضرًا في بعض البيوت، وهو من الأطعمة التي ارتبطت بالقصيم، ويتكون أساسًا من التمر وقرصان البر والسمن أو الزبد، وتضاف إليه عصارة الأترنج بحسب طريقة البيت.

    وكان الحنيني مناسبًا لفصل الشتاء لما يمنحه من طاقة ودفء، حتى أصبح من الأطعمة التي ارتبطت في الذاكرة الشعبية بالبرد والمناسبات الشتوية.

    وهكذا كان فطور الأسرة بسيطًا في مكوناته، لكنه مشبع، ويهيئ الرجال والأبناء ليوم العمل وقضاء حاجات البيت.

    في الغداء كانت المراصيع حاضرة مع اللبن من الوجبات التي عرفها أهل بريدة قديمًا، وكانت تُعدّ للغداء وتُقدّم ساخنة عند الظهيرة، فيجتمع عليها أهل البيت ويتناولونها قبل القيلولة، في مشهد يعكس بساطة المائدة القديمة وارتباط الوجبات بأوقات اليوم وعادات الأسرة.

    العشاء الجريش والقرصان والمرقوق والمطازيز
    كان العشاء هي الوجبة الرئيسة في كل الأيام، وتقدم بعد صلاة المغرب وكانت المرأة في البيت تبدأ إعداده منذ وقت مبكر.

    ومن الأطعمة التي كانت على مائدة الأسرة القرصان، حيث يصنع من عجين البر، ثم يخبز على المقرصة ثم يقطع أو يفتت ويضاف إليه المرق والخضار، مثل القرع والكوسة والباذنجان واللوبيا والنجد، مع البصل والسمن والبهارات الكاملة. وكان اللحم يضاف عندما يكون متيسرًا.

    ومن الأطعمة الأخرى المرقوق والمطازيز، وهما من الأكلات المعروفة في القصيم، وكانا يصنعان من دقيق البر الكامل، على شكل دوائر صغيرة او متوسطة وتضاف إليهما الخضار وما يتيسر من اللحم والسمن، ولذلك كانا من الأطعمة المشبعة التي تصلح للغداء أو العشاء.

    وتشير الروايات الشفوية المتوارثة عن كبار السن إلى أن هذه الأطعمة كانت حاضرة في بيوت بريدة، وأنها كانت من أساسيات المائدة اليومية.

    أما الأرز فلم يكن من الأطعمة المألوفة في المائدة البريداوية القديمة، وإنما بدأ ظهوره وانتشاره بصورة أكبر في العقود اللاحقة، مع تحسن الأحوال الاقتصادية وتوسع التجارة وتيسر استيراد المواد الغذائية.

    وكان اللحم أكثر ارتباطًا بالمناسبات والضيافة منه بالطعام اليومي الدائم؛ فذبح الذبيحة لم يكن أمرًا عاديًا في كل يوم. وان كان موجودا بالأسواق بشكل يومي وكان اللحم يظهر بصورة أوضح عند اجتماع الأسرة أو استقبال الضيف أو حلول مناسبة.

    ولهذا كانت مهارة ربة البيت تظهر في قدرتها على إعداد طعام طيب ومشبع من مكونات قليلة، فتجعل من البر والخضار والسمن والتمر أطباقًا متنوعة تكفي أفراد الأسرة.

    وجبة أخف وأبسط
    أما من يُدركه الجوع قبل النوم، وكان ذلك في الغالب بعد صلاة العشاء بوقت، فكانت هذه الوجبة أبسط وأخف من الوجبة التي سبقتها وقد تكون من الجريش أو المرقوق أو خبز البر مع التمر واللبن.

    وقد يتناول أهل البيت ما تبقى من طعام الوجبة السابقة، أو تُعد لهم ربة البيت طبقًا جديدًا بحسب الحاجة، وكان أكثر من يتناول هذه الوجبة صغار السن الذين قد يدركهم الجوع في آخر الليل، فيأكلون من ( الموقعة) وهو أناء خشبي مقعر بوضع فيه ما تيسر من طعام البيت المتوفر.

    وكان من الممكن أن يتناولوا بعض الشابورة الحلوة أو المالحة التي تصل إلى بريدة عن طريق العقيلات من أهل بريدة القادمين من الشام او حبات من الكليجا.

    وفي الشتاء كان الحنيني والقشد من الأطعمة المناسبة للعشاء.

    وكانت الوجبة المسائية تأتي بعد يوم طويل من العمل، ولذلك لم تكن كثرة الأصناف هي المقصودة، وإنما كان المقصود أن يكون الطعام مشبعًا ومناسبًا لما هو متوافر في البيت.

    كما كان أهل بريدة يعرفون الشوربة، وكان من أنواعها الشعبية القديمة ما يُسمى «الدويفة»، وهي أكلة سريعة التحضير تُصنع قديما من الطحين الأسمر وورق نبات الخرمة والماء والبصل والملح، وتُقدَّم ساخنة.

    وكانت الدويفة من الأطعمة البسيطة التي يسهل إعدادها وهضمها، ولذلك كانت تُقدَّم بكثرة لكبار السن والأطفال، وتُعد من الأكلات التي تعكس بساطة المائدة القديمة واعتمادها على مكونات متوفرة في البيت.

    ومن الاكلات المعروفة أيضا العصيدة التي تعد من الذرة بعد طحنها وتفتيتها إذ توضع داخل قدر ويتم خلطها مع الماء والبصل والبهارات، وتوضع فوق مناصب وتحتها نار هادئة، وتُحرّك بالعصا حتى تزداد ليونة، ومن ثم تترك حتى تنضج وتفرغ في المواقع وهي الانية الخشبية ذات القعر المنخفض.

    التمر رفيق الأسرة في كل يوم
    ومن الصعب أن نتحدث عن طعام الأسرة في بريدة دون أن نتوقف عند التمر.

    فالتمر كان حاضرًا في حياة الناس بصورة تكاد تكون يومية؛ يؤكل مع اللبن، ومع القهوة ويؤكل وحده، ويدخل في صناعة الحنيني والقشد وغيرهما من الأطعمة.

    وكان القشد من الأطعمة القديمة التي يدخل فيها التمر ودقيق البر والسمن أو الزبد، ويطبخ على النار حتى يتجانس ثم يقدم ساخنًا.

    ومن هنا نفهم كيف استطاعت الأسرة القديمة أن تستفيد من محصول التمر والقمح في إعداد أنواع متعددة من الطعام، دون الحاجة إلى المواد الكثيرة والمتنوعة التي أصبحت متاحة في زماننا.

    وكان يكاد لا يخلو بيت في بريدة من «جصّة» لحفظ التمر. وهي بناء يُقام داخل إحدى غرف المنزل، ويتكون غالبًا من ألواح الصخور التي يطلق عليها أهل بريدة «الفروش»، أو من الجص، ولهذا سميت بالجصّة.

    وكانت لها فتحة علوية صغيرة توضع التمور من خلالها أو يؤخذ منها التمر، وفي أسفلها مخرج يخرج منه دبس التمر، أو عسل التمر، الذي يتجمع من التمور المخزنة فيها.

    وهذه الجصّة مثال آخر على حسن تدبير أهل البيت، وحفظهم لمحصولهم من التمر ليستفيدوا منه على امتداد العام.

    السمن مادة أساسية في المطبخ
    وكان السمن البلدي من أهم ما تعتمد عليه الأسرة في الطبخ، سواء في الجريش أو القرصان أو الحنيني أو القشد وغيرها.

    ولم يكن السمن مجرد إضافة لتحسين الطعم، بل كان مادة غذائية ثمينة ومصدرًا للطاقة، ولذلك كان يحفظ ويستخدم بحساب.

    وكانت الأسرة تستفيد كذلك من منتجات المواشي من اللبن والزبد والبقل (الإقط)، مما يعكس طبيعة الحياة التي كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالزراعة وتربية المواشي.

    البر من السنبلة والحبة إلى المائدة
    وكان البر أساسًا مهمًا في غذاء الأسرة، ومنه يصنع القرصان والمرقوق والجريش وغيرها.

    وكان إعداد الطعام في ذلك الوقت يحتاج إلى جهد يدوي كبير؛ فالقمح يحتاج إلى الطحن أو الجرش، والعجين يحتاج إلى إعداد وفرد، والنار تحتاج إلى حطب الارطى والغضا والرمث والطعام يحتاج إلى وقت حتى ينضج.

    وكانت صناعة الطعام في البيت عملًا يوميًا متواصلًا تشارك فيه ربة البيت وبناتها، من إعداد المكونات إلى الطبخ والتقديم وحفظ ما يتبقى في (العرزالة)  وهي وعاء تراثي يُصنع تقليدياً من جريد النخل أو السعف، ويُستخدَم لحفظ الطعام والمواد الغذائية بعيداً عن حشرات الأرض والقطط أو عبث الأطفال وغالباً ما تُعلّق العرزالة في سقف الغرفة أو الليوان لتوفير التهوية الجيدة للأطعمة وحمايتها. .

    وهذا يجعلنا ندرك أن الوجبة التي كانت تصل إلى مائدة الأسرة كانت وراءها سلسلة طويلة من العمل اليومي.

    اللحم طعام الضيف والمناسبة
    وكان للحم مكانة خاصة في المائدة البريداوية، ومؤائد اسرة ال أبو عليان لكنه لم يكن بالضرورة حاضرًا كل يوم.

    فإذا جاء الضيف، أو اجتمعت الأسرة، أو جاء عيد أو مناسبة، كان للذبيحة حضورها، فتذبح الخراف النجدية السمينة، ويقدم اللحم في مفاطيح كاملة دون تقطيع، او تنحر الابل بعد جلبها من مراعي اسرة ال أبو عليان في مراعي اطراف بريدة في الاسياح وصعافيق وغيرهما ويظهر معها الكرم العربي المعروف لدى أهل بريدة.

    أما في الأيام العادية، فقد يعتمد الطعام على البر والتمر واللبن والسمن والخضار، ويكون اللحم أقل حضورًا بحسب حال الأسرة وتوافره.

    وهذا يفسر لنا مكانة أطباق مثل الجريش والقرصان والمرقوق والمطازيز في الذاكرة الشعبية؛ لأنها كانت قادرة على إطعام الأسرة وإشباعها دون الحاجة إلى كميات كبيرة من اللحم.

    وكان للجريش طريقة خاصة في إعداده وتقديمه، وله أدواته التي عُرفت في البيوت في دقة وضربه اثناء طبخه ، حتى طريقة إفراغه من القدور بكبه من المغرفة إلى الصحون الخشبية التي تسمى الصحاف.

    الطعام بحسب الفصول والمناسبات
    وكان للموسم أثر واضح في مائدة الأسرة.

    ففي الشتاء يزداد حضور الأطعمة التي تمنح الجسم الطاقة والدفء، مثل الحنيني والقشد وقرص عقيل والكليجا، إلى جانب الجريش والمرقوق.

    وكان الحنيني يقدم كذلك للعروسين في صباح زواجهما، فيكون جزءًا من العادات الغذائية المرتبطة بالمناسبة.

    أما قرص الجمر فقد ارتبط في الذاكرة بالكشتات والسفر، إذ كان مناسبًا للحياة خارج المنزل وسهولة إعداده على الجمر.

    وكان هذا الارتباط بين الطعام والموسم والمناسبة جزءًا طبيعيًا من الحياة، إذ لم تكن الأسواق توفر للناس في كل وقت ما توفره الأسواق الحديثة اليوم.

    فكان الجريش حاضرًا في المناسبات والأيام ذات المكانة الخاصة في حياة أهل بريدة؛ ففي صباح يوم عيد الفطر كان يُقدَّم بعد الفراغ من صلاة العيد، فيجتمع أهل البيت او مجموعة من الاسر في الطرقات او المنازل على هذه الوجبة التي أصبحت من ملامح العيد وذكرياته.

    أما في مناسبات الزواج، فكانت الولائم أكبر وأوسع؛ إذ كان يُنحر جمل أو جملان، ويُطبخان مع الجريش، ثم يُقدَّمان للضيوف بعد صلاة العصر، في مشهد يجسد الكرم وحسن الضيافة، ويعكس مكانة الطعام في المناسبات الاجتماعية عند أهل بريدة قديمًا.

    ومن الأطعمة الشائعة قديمًا «القَفَر»، وهو اللحم المُقدَّد والمملَّح؛ وله متذوقوه فإذا زاد اللحم عن حاجة الأسرة، قاموا بتشريحه إلى شرائح، ثم أضافوا إليه الملح، ونشروه على حبال في مكان مظلل حتى يجف، وبعد ذلك يخزنونه للاستفادة منه مدة أطول. وكان ذلك من طرق حفظ اللحوم في زمن لم تكن فيه الثلاجات ووسائل التبريد الحديثة متاحة كما هي اليوم.

    وفي زمن العوز والفقر، برز غذاء عرفه أهل بريدة وعموم القصيم يُسمّى «المحزّر». وكان يُصنع من قطع صغيرة من الشحم، توضع داخل تجويف كرش بعير بعد تنظيفه جيدًا، ثم يُغلق بإحكام ويُعلّق تحت الشمس عدة أيام، حتى تخرج منه الرطوبة ويتماسك الشحم ويتكلّس بداخله. وبعد ذلك يُحفظ في مطبخ البيت للاستفادة منه عند الحاجة. فإذا أقبل الشتاء، أُخذ منه مقدار قليل ووُضع مع المرقوق أو المطازيز أثناء الطبخ، فيكسبهما نكهة دسمة وطعمًا يغني عن اللحم عند عدم توفره. وكان «المحزّر» مثالًا على حسن تدبير أهل بريدة والقصيم واقتصادهم في أوقات الشدة، واستفادتهم من المتاح من موارد الغذاء وعدم التفريط فيها.

    الحسو ماء البيت في بريدة القديمة
    ومن معالم البيت البريداوي القديم الحسو، وهو البئر التي كانت توجد في كثير من المنازل، وقد يكون الحسو مشتركًا بين جارين متجاورين، فينتفعان بمائه ويشتركان في العناية به.

    وكان الماء يستخرج من الحسو بوسائل بسيطة، ويستخدم في شؤون المنزل المختلفة، ولا سيما سقي الأشجار والنخيل، وري النباتات، وسقي المواشي، والغسيل والتنظيف وسائر الاحتياجات المنزلية.

    وكانت مياه الآبار في بريدة متفاوتة في جودتها، وكان كثير من مياه الحساوة (الآبار) وهي قريبة من سطح الأرض لا يتجاوز العشرة أمتار مياهها هماجًا، أي مالحًا أو غير مستساغ للشرب، ولذلك لم يكن يعتمد عليه بالضرورة للشرب والطهي، وكانت الأسر تعتمد للشرب والطهي على المياه التي تجلب من الآبار والمصادر المعروفة بصلاحية مياهها، بحسب الزمان والمكان.

    وكان وجود الحسو في المنزل جزءًا من تكامل البيت القديم؛ فالماء قريب، والنخلة في الفناء، وشجرة الأترنج إلى جوارها، والبقرة أو البقرتان في موضعها، والدجاج في ناحية من الحوش، وما تحتاجه الأسرة من الطعام ينتفع فيه بما تنتجه البيئة المحيطة بها.

    وهذه التفاصيل الصغيرة ترسم لنا صورة واضحة للحياة في بريدة قديمًا؛ حياة كانت تقوم على البساطة، وحسن التدبير، والاستفادة من موارد المنزل، والتعاون بين الجيران، حتى إن مورد الماء نفسه كان في بعض البيوت يجمع بين أسرتين متجاورتين.

    مائدة الأسرة أكثر من مجرد طعام
    ولعل أجمل ما في طعام الآباء والأجداد أنه لم يكن مجرد سد للجوع، بل كان جزءًا من الحياة الأسرية والاجتماعية.

    كانت الأسرة تجتمع على سفرة واحدة من الخوص، وقد يوضع صحنان؛ الأول للأب وأبنائه الذكور، والثاني للأم وبناتها، مع اجتماع الجميع في المكان نفسه حول السفرة.

    وكان الضيف قريب الصلة بالأسرة إذا حضر شارك أهل البيت طعامهم، وتتحول الوجبة إلى مناسبة للحديث والتواصل.

    وكانت القهوة والتمر في مقدمة ما يقدم للضيف، ثم الشاهي، وإن كان حضوره أقل مما أصبح عليه في الأزمنة اللاحقة، ثم يقدم الطعام بحسب الوقت والمناسبة.

    وكان الكرم يقاس بما يقدمه أهل البيت مما يملكون، لا بكثرة الأصناف.

    وهكذا كانت المائدة، رغم بساطتها، تجمع الأسرة وتقرب أفرادها، وتعلم الأبناء معنى المشاركة والقناعة واحترام النعمة.

    وكان للربيع في حياة أهل بريدة طعامٌ آخر يأتيهم من السماء؛ فحين تهاجر أسراب الجراد إلى القصيم، وتمر ببريدة وما حولها، كان الناس في ذلك الزمان يستقبلونها بالصيد والفرح، ويرون فيها رزقًا ساقه الله إليهم، حتى كانوا يقولون إنها وجبة جاء بها الرحمن.

    فيخرج الرجال والصبيان لاصطياد الجراد، ويجمعونه بكميات كبيرة، ثم يُعدّ للأكل بطرق معروفة عند أهل المنطقة، فيكون طعامًا حاضرًا على موائدهم. وكان بعض أهل بريدة يعدّ الجراد من أطيب ما يؤكل، بل يفضّله على اللحم، لما اعتادوا عليه من مذاقه وما يرونه فيه من خير ورزق.

    ولم يكن الجراد عندهم مجرد طعام عابر، بل كان جزءًا من ذاكرة الربيع وموسمًا ينتظره الناس، تتجدد معه مشاهد الصيد والاجتماع والتعاون بين أفراد الأسرة والجيران. وهكذا ارتبط الطعام في حياة أهل بريدة بالمواسم والبيئة من حولهم؛ فما تجود به الأرض يؤكل، وما يأتي مع المطر والربيع يُستقبل بالفرح، وما تسوقه أسراب الجراد يُعد رزقًا من الله.

    ولهذا قالوا اذا جاء الجراد فانثر الدواء.

    من ذاكرة أسرة آل أبو عليان
    وعندما نستعيد اليوم طعام أهل بريدة، ومنهم أسرة آل أبو عليان، وهي أسرة عاشت في بريدة وكانت من الأسر المتحضرة فيها والمؤسسة لها، فإننا لا نستعيد مجرد أسماء أكلات قديمة وطرق إعدادها، وإنما نستعيد صورة متكاملة من حياة الآباء والأجداد؛ نستعيد معها تفاصيل البيت، والمزرعة، والنخلة، والبئر، والابل والمواشي، ومواسم الزراعة والحصاد، كما نستعيد عادات الأسرة في الطعام والضيافة، وروح التعاون والتكافل بين أهل الحي.

    فوراء كل أكلة قديمة قصة، ووراء كل طريقة إعداد جانب من جوانب الحياة التي عاشها الأجداد؛ ولذلك فإن توثيق طعامهم ليس توثيقًا للمائدة وحدها، بل هو توثيق لذاكرة المجتمع وحياته اليومية، ولأسلوب معيشة الآباء والأجداد، وما كان فيها من بساطة وقناعة وكرم وحسن تدبير.

    ففي الصباح قهوة وتمر ولبن، وقد يكون الجريش أو غيره من الأطعمة.

    وفي الغداء مراصيع ولبن وفي العشاء قرصان او جريش او مرقوق أو مطازيز، ومعها ما يتيسر من الخضار، وقد يكون اللحم حاضرًا في المناسبات وأيام السعة والضيافة.

    وفي المساء البعيد وجبة خفيفة للاطفال أخف من الجريش أو المرقوق أو خبز البر والتمر واللبن، وفي الشتاء يحضر الحنيني والقشد.

    وكانت هذه الحياة تقوم على القناعة، وحسن التدبير، والاستفادة من الموجود؛ فالقليل يكفي، والنعمة تحفظ، والطعام لا يهدر.

    ولذلك فإن توثيق ما كان يأكله الآباء والأجداد هو في حقيقته توثيق لجانب مهم من ذاكرة الأسرة وذاكرة بريدة نفسها؛ إذ إن الطعام يخبرنا عن البيئة والزراعة والمواشي والأسواق، وعن دور المرأة في البيت، وعادات الضيافة، ومستوى المعيشة، وطبيعة العلاقات الاجتماعية.

    لقد كانت مائدة أسرة آل أبو عليان وعموم أسر بريدة والقصيم بسيطة في مكوناتها، لكنها كانت تحمل معنى كبيرًا: البر الكامل والتمر والدبس واللبن والسمن، وما تيسر من طعام الأرض والماشية، و أكرام الضيف بالذبح له تعظيما لشانه، واجتماع الأسرة حول المائدة.

    وهذه تفاصيل قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها حين تجمع تصبح صورة حية من صور الحياة التي عاشها الآباء والأجداد، وتستحق أن تبقى محفوظة للأبناء والأحفاد.

  • سوق الجردة: المكان الذي ارتبط باسم أسرة آل أبو عليان وذكرياتها. (الصورة المرفقة تعبيرية)

    كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان 

    عندما نشأت إمارة آل أبو عليان متزامنةً مع نشأة وتأسيس مدينة بريدة، كانتا توأمين في التاريخ؛ فقد تولّت الأسرة إمارة بريدة، ثم القصيم وتعاقب على قيادتها عدد من أمرائها، وقامت بتأسيس المدينة وتنظيم حياتها، وشيدت القلعة والجامع والأسواق فيها، التي أصبحت موطنًا للسكان ومركزًا لحياتهم الاقتصادية والاجتماعية.

    وقد ارتبطت نشأة بريدة، منذ استقرار آل أبو عليان فيها في سنة 985 هـ، بنشاط عمراني وتجاري متنامٍ؛ فازدهرت الأسواق، ونشطت الزراعة والتجارة، وأصبحت المدينة مع مرور الزمن من أبرز حواضر نجد ومراكزها الاقتصادية.

    ومع اتساع بريدة ونموها، برز سوق الجردة بوصفه واحدًا من أهم أسواقها القديمة، وأصبح جزءًا من نسيج المدينة وذاكرتها، وارتبط اسمه بحركة التجارة والقوافل والباعة والمتسوقين، وبحياة أجيال متعاقبة من أهل بريدة.

    سوق الجردة وموقعه تحديدا من قصر آل أبو عليان والأسواق المحيطة به

    ارتبط اسم سوق الجردة في الذاكرة الشعبية على نحو خاص بسوق الإبل والبعير، وكان السوق يعمل من يوم السبت إلى يوم الخميس، على فترتين يوميًا، في حركة تجارية نشطة تعكس أهمية السوق في الحياة الاقتصادية لبريدة وموقعه مواجه تماما لقصر آل أبو عليان من بوابته الجنوبية ويمتد الى سوره الشرقي.

    وكانت له أسواق رديفة ومجاورة، من أبرزها أسواق قبة رشيد وداحس والوسعة، إلى جانب سوق تجار القشلة (المجلس) وأهل الصناعات والجزارين، والفلاحين القادمين من الخبوب الغربية بما يحملونه من منتجات زراعية وغذائية لبيعها في هذه الأسواق ويقع سوق الجردة شرق الأسواق المشار اليها إلا أن الغلبة والصدارة ظلت لسوق الجردة، لما كان يتمتع به من أهمية ومكانة وحركة تجارية، وما عُرف به من عنفوانٍ وحيوية جعلته أبرز أسواق المنطقة وأكثرها حضورًا في ذاكرة أهل بريدة. 

    وكان هذا التعدد في الأنشطة والأسواق يجعل المنطقة المحيطة بالجردة مركزًا نابضًا بالحركة؛ يأتي إليها أهل البادية والحاضرة، والتجار والمزارعين وأصحاب الحرف، فيلتقون فيها للبيع والشراء وقضاء الحاجات وتبادل الأخبار.

    وكان رُغاء الإبل من الأصوات المميزة التي تملأ أرجاء سوق الجردة، يمتزج بحركتها وهي تتنقل في رحاب السوق، وتتزاحم بينها وبين الناس والقادمين بها من البادية. فتارةً تُقاد الإبل إلى مواضع العرض، وتارةً تُدار حول المشترين ليتفحصوا سنامها وقوامها وسيرها، بينما أصحابها يصفون محاسنها وما تتميز به من صفات.

    وكانت لحظة البيع مشهدًا له طابعه الخاص؛ ترتفع فيه أصوات الدلّالين والمنادين، وتمتزج برُغاء الإبل وحركتها، لتشكّل لحنًا أسطوريًا يستمد أصداءه من عبق الماضي  وينادي الدلال على الإبل ويبدأ عرض ثمنها، فتتعالى الأصوات من حوله بالمزايدة، ويزيد هذا على ذاك، حتى تستقر المزايدة على آخر سعر يقبله البائع والمشتري، فيرسو البيع وتنتقل الإبل إلى مالك جديد.

    وكانت المساومة جزءًا أصيلًا من حياة السوق؛ فلا تتم الصفقة عادةً في صمت أو عجلة، وإنما وسط حركة الناس وأصواتهم، والنظر في جودة الإبل وقيمتها، ومعرفة أهل السوق بأسعارها وما يرفع قيمتها أو ينقصها. فإذا رسا السعر وأعلن الدلال تمام الصفقة، انفض الناس عن البيعة إلى صفقة أخرى، فيما يستمر السوق في ضجيجه وحركته، وكأن موجةً من الأصوات تعقبها أخرى لا تهدأ.

    وكانت بعض البيعات تتم للقطيع جملةً وبالذات من تجار العقيلات تمهيدا لبيعها ضمن رحلاتهم في أسواق الشام وفلسطين والعراق ومصر، وأخرى لرؤوسٍ مفردة، بحسب نوع الإبل وغرض المشتري وحجم الصفقة. 

    وهكذا كان سوق الجردة صورةً حيةً من صور الحياة التجارية في بريدة؛ رُغاء الإبل، وصوت الدلال، ونداء الباعة، ومساومة المشترين، وحركة القادمين من البادية والحاضرة، كلها أصوات ومشاهد شكّلت جزءًا من ذاكرة المكان، ولا تزال حاضرة في روايات من عاشوا تلك الأيام.

    سبب تسمية الجردة

    تتداول الذاكرة المحلية أكثر من رواية في سبب تسمية الجردة بهذا الاسم، ومن أشهرها أن كلمة «الجردة» في لهجة نجد تشير إلى الأرض الجرداء، أي الأرض الفضاء المكشوفة التي لا شجر فيها ولا زرع.

    وتذكر الرواية أن السوق في بداياته كان ميدانًا ترابيًا واسعًا ومكشوفًا في شرق سور بريدة القديمة، تجتمع فيه القوافل والتجار والبدو والحضر، وتعرض فيه الإبل والمواشي والبضائع، فغلب على المكان اسم الجردة، ثم امتد الاسم إلى السوق وما حوله.

    وتوجد رواية أخرى متداولة عند بعض كبار السن من أهل بريدة، مفادها أن المكان كان يسمى ميدان الجردة؛ لأنه كان موضعًا تُجرد فيه البضائع وتعرض على الأرض المكشوفة، قبل أن تنتظم الأسواق وتقام الحوانيت الطينية على أطرافها.

    وأيًا كانت الرواية الأصح في أصل التسمية، فقد أصبح اسم الجردة مع مرور الزمن اسمًا راسخًا في ذاكرة بريدة، لا للسوق وحده، وإنما للمنطقة وما ارتبط بها من نشاط اقتصادي واجتماعي.

    الجردة في ذاكرة أسرة آل أبو عليان

    ليس كل مكان مجرد شوارع وبيوت وأسواق؛ فبعض الأماكن يتحول مع مرور الزمن إلى جزء من ذاكرة الإنسان، يحمل بين أركانه قصص الآباء والأجداد، ويختزن أصواتهم وخطواتهم ومجالسهم وأيامهم.

    ومن هذه الأماكن التي احتلت مكانة خاصة في ذاكرة أسرة آل أبو عليان سوق الجردة في بريدة.

    فقد ارتبط السوق بحياة الأسرة ارتباطًا وثيقًا، فهم من أسسه وقام على شانه (تنظيما، ورقابة ،وحسبة ) وأصبح ذكره يستحضر مرحلة كاملة من تاريخها؛ مرحلة عاش فيها الآباء والأجداد، ومارسوا فيها أعمالهم، وعرفوا أهل بريدة وعرفهم أهلها، وكانت لهم فيها دكاكين ومجالس وعلاقات اجتماعية وتجارية.

    وكان سوق الجردة شاهدًا على جانب مهم من حياة الأسرة الاقتصادية؛ فقد ارتبط بالتجارة وحركة القوافل، ومنها قوافل العُقيلات التي كانت تنطلق منه مغرّبة إلى الشام وفلسطين وشرق الأردن، او محدرة الى العراق بحثًا عن الرزق والتجارة.

    ولم تكن دكاكين الأسواق القديمة مجرد أماكن للبيع والشراء، بل كانت مجالس صغيرة يلتقي فيها التجار والأهالي، وتعقد فيها المعاملات، وتكتب المداينات، وتتبادل الأخبار، ويتعارف الناس ويتواصلون.

    وفي هذا المحيط عاش أفراد من الأسرة تفاصيل حياتهم، وتكونت علاقاتهم الاجتماعية، وامتدت صلاتهم بأهل بريدة، ولذلك فإن الحديث عن سوق الجردة ليس حديثًا عن سوق قديم فحسب، بل هو حديث عن مرحلة من مراحل حياة الأسرة واستقرارها في بريدة.

    من حياة «التغريب» إلى التجارة في سوق الجردة

    ومن أبرز ما ارتبط بسوق الجردة في ذاكرة اسرة الجارالله العجلان وهم جزء من ذاكرة أسرة آل أبو عليان قصة الجد علي الجارالله العجلان رحمه الله، الذي أمضى سنوات من حياته في حياة العُقيلات وهو أول من جلب لقاح الجدري للقصيم من مصر سنة 1931.أطلع على المقال التالي

    وقد كان للعقيليين الفاظا خاصة بهم فهم يقولون عن أنفسهم انهم(مغربين) أي متجهين للشام وفلسطين ومصر أو (محدرين) أي متجهين للعراق أو (مشرقين) أي عائدين منها وهي حياة السفر والاغتراب طلبًا للتجارة والرزق، والتنقل بين البلدان والأسواق، وما يصاحب ذلك من مشقة الطريق وبعد الأهل والوطن.

    ثم تغيرت الظروف الاقتصادية في المملكة العربية السعودية، ولا سيما مع اكتشاف البترول وبدء تصديره، وما صاحب ذلك من تحسن في الأوضاع الاقتصادية، واتساع حركة التجارة والموانئ، وتطور وسائل النقل والاتصال، ودخول البلاد مرحلة جديدة من الاستقرار والنمو.

    ومع هذه التحولات، رأى رحمه الله، أن يعود إلى بريدة، وأن ينتقل من حياة الترحال والتغريب إلى التجارة المستقرة في مدينته وبين أهله.

    ففتح له دكانًا في سوق الجردة، وبدأ يمارس التجارة من جديد، ولكن هذه المرة من خلال متجر ثابت في سوق يعرفه أهل بريدة ويرتادونه.

    وكان دكانه يبيع ما كان يعرف آنذاك بـ «الأرزاق»؛ من القهوة والهيل والشاي والسكر والبهارات والعيش، أي القمح، إضافة إلى السمن وغيرها من المواد الغذائية، وما يحتاجه أهل البادية والمزارعون من مستلزمات الحياة اليومية أضافة الى تجارته بالابل.

    وهكذا انتقل الجد علي من تجارة العُقيلات التي تقوم على السفر والتنقل بين البلدان إلى تجارة مستقرة داخل بريدة، لتكون عودته إلى سوق الجردة صفحة جديدة في حياته؛ صفحة عنوانها الاستقرار بعد الترحال، والتجارة بعد الاغتراب، والعودة إلى المدينة والأهل والمجتمع.

    ولم تكن تجارة الجد علي مجرد بيع للسلع، بل كان الدكان جزءًا من الحياة اليومية للسوق؛ يلتقي فيه الناس، ويتبادلون الأحاديث والأخبار، وتجرى فيه المعاملات، ويعرف التاجر زبائنه وأهل حيه، ويعرفونه.

    دكاكين الأسرة في الجردة وقبة رشيد 

    ولم يكن الجد علي الجارالله العجلان وحده من أفراد الأسرة الذين ارتبطوا بالأسواق في تلك المنطقة؛ فقد سبقه والده جارالله وجده إبراهيم بن عجلان وشقيقه إبراهيم الجارالله العجلان وشقيقه عبدالله الجارالله العجلان رحمهم الله الذين كانوا من أصحاب الحوانيت المعروفة في السوق، في البيع والشراء والمداينات وكان لهم حضور في الحياة التجارية في تلك البيئة والحقبة الزمنية .

    كما كان ابن أخيه الشاعر المعروف صالح بن إبراهيم الجارالله العجلان رحمه الله صاحب دكان في سوق قبة رشيد، وكان دكانه معروفًا ومقصودًا بين الناس.

    ولم يكن دكان صالح مكانًا للتجارة فحسب، بل كان أيضًا ملتقى لمحبي الشعر الشعبي وذوّاقته، يجتمع فيه الشعراء ومحبي الشعر، وتتبادل فيه المساجلات الشعرية، وكان صالح نفسه أحد المشاركين فيها، فجمع دكانه بين التجارة والأدب الشعبي، وبين حركة السوق ومجالس الشعر.

    وهكذا تتصل في ذاكرة الأسرة أكثر من صورة في منطقة واحدة: علي الجارالله العجلان في سوق الجردة، ووالده جارالله وجده إبراهيم وشقيقاه إبراهيم وعبدالله في حوانيت السوق، وابن أخيه صالح بن إبراهيم في قبة رشيد؛ وبين هذه الأسماء حركة تجارية واجتماعية وثقافية كانت تمثل جانبًا مهمًا من حياة بريدة في ذلك الزمن.

    السكن بالقرب من السوق

    وكانت الأسرة تسكن قريبًا من هذه الأسواق، الأمر الذي جعل سوق الجردة وما حوله جزءًا من البيئة اليومية التي عاش فيها أفرادها.

    فلم يكن السوق مكانًا للعمل وحده، بل كان قريبًا من السكن ومن جامع آل أبو عليان، المعروف حاليًا باسم جامع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد، رحمه الله، حيث كان أفراد الأسرة مع غيرهم يؤدون الصلوات ويحضرون حلقات العلم، وكان الجامع إلى جانب دوره في العبادة يؤدي أدوارًا دينية واجتماعية مهمة، ظلت حاضرة في ذاكرة الأسرة ومرتبطة بحياتها في تلك المرحلة. 

    وهكذا اجتمعت في مكان واحد عناصر متعددة من حياة الأسرة: السكن والتجارة والجامع والعلاقات الاجتماعية، ولذلك بقيت المنطقة حاضرة في الذاكرة حتى بعد أن انتقلت الأسرة إلى أحياء أخرى، واتسعت بريدة وتغيرت معالمها.

    المكان الذي لا يغادر الذاكرة

    ولعل أجمل ما في الأماكن القديمة أنها لا تحفظ التاريخ في حجارتها فقط، وإنما تحفظه في الذكريات التي ارتبطت بها.

    فالمكان الذي مر به الأجداد كل يوم في طريقهم إلى الجامع، والدكان الذي جلس فيه الأجداد مع الناس، والسوق الذي شهد حركة التجارة، والطريق الذي سلكه الأبناء في طفولتهم، كلها تفاصيل قد تبدو بسيطة في وقتها، لكنها تتحول بعد عقود إلى شواهد ثمينة على حياة مضت.

    وقد بقي سوق الجردة حتى بعد تطويره وتطوير سوق المجلس وسوق قبة رشيد من قبل امانة منطقة القصيم مشكورة حاضرًة في ذاكرة الأسرة حتى بعد انتقال أفرادها إلى أحياء أخرى، ومع اتساع مدينة بريدة وتغير ملامحها؛ فالأماكن تتغير، والبيوت قد تهدم أو يعاد بناؤها، والأسواق تتبدل، لكن ذاكرة المكان تبقى ما بقي من عاشها قادرًا على روايتها.

    ومن هنا تأتي أهمية توثيق مثل هذه الأماكن في تاريخ الأسرة؛ فعندما نكتب عن سوق الجردة، فإننا لا نوثق سوقًا من أسواق بريدة فحسب، وإنما نوثق جزءًا من البيئة التي عاش فيها آباؤنا وأجدادنا، والفضاء الذي تشكلت فيه صفحات من حياتهم.

    إن المحافظة على أسماء الأسواق والأحياء القديمة، والمساجد والبيوت والطرق، وربطها بالأشخاص والأحداث التي عرفتها الأسرة، تجعل تاريخ العائلة أكثر حيوية ووضوحًا؛ فالتاريخ لا يعيش بالأسماء وحدها، وإنما يعيش أيضًا بالأمكنة التي احتضنت أصحاب تلك الأسماء.

    ولهذا سيظل سوق الجردة في ذاكرة أسرة آل أبو عليان، ومنهم أسرة الجارالله العجلان، أكثر من مجرد سوق قديم في بريدة؛ سيبقى مكانًا ارتبط بتاريخهم وحياتهم، وبالآباء والأجداد، وببقية تجار بريدة وأهلها، وبحركة التجارة التي شهدها السوق، وبأيام مضت وذكريات تناقلها الأبناء والأحفاد.

    ففي هذا المكان تداخلت حياة الأسرة مع حياة المدينة؛ بين السكن والتجارة والجامع ومجالس الناس، وشهد السوق صفحات من حياة رجالٍ كان لهم حضورهم في تجارة بريدة ومجتمعها، وبقيت آثار تلك المرحلة محفوظة في ذاكرة من عاصرها، وفيما تناقلته الأجيال من روايات وذكريات.

    فالأماكن قد تتغير ملامحها، وقد تتبدل أسواقها وبيوتها وطرقها، لكن بعض الأماكن لا تغادر الذاكرة؛ لأنها لم تكن مكانًا فحسب، بل كانت جزءًا من حياة من نحب، وجزءًا من تاريخ أسرةٍ ومدينةٍ ووطن.

    (سوق الجردة) لن ننساك فكنت أنت مدرسةً تجارية عريقة نشأت في رحابه أعرافٌ وتقاليد استقر عليها أهل السوق، وأصبحت مع مرور الزمن جزءًا من الحياة التجارية في بريدة.

    معظم المعلومات الواردة في هذا المقال مستقاة من الاستماع لجدي العقيلي علي الجارالله العجلان ومن والدي محمد بن علي الجارالله العجلان رحمهما الله ومن مشاهداتي وقراءاتي.

  • كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان.

    وها انا أصل إلى المقال (100) المئة من هذه السلسلة التي جاءت وفاءً لتاريخ الأسرة، وتوثيقًا لذاكرتها، واستحضارًا لسير الآباء والأجداد، وما تركوه من آثار ومواقف وأحداث ارتبطت بمدينة بريدة وأهلها.

    مئة مقال ليست مجرد رقم يُضاف إلى سجل الكتابة، وإنما هي مئة محطة من محطات الذاكرة؛ حاولت من خلالها أن أجمع شيئًا مما بقي في الذاكرة، وأن أحفظ للأجيال بعضًا من أخبار من سبقوهم، والأماكن التي عاشوا فيها، والمجالس التي جلسوا فيها، والأعمال التي تركوا بها أثرًا في مجتمعهم.

    ولعل من جميل المصادفة أن يأتي المقال المئة عن جامع الجردان؛ ذلك الجامع الذي لا يمثل مكانًا للعبادة والصلاة فحسب، بل هو معلم من معالم ذاكرة الأسرة وحي الخالدية في بريدة، وموضع ارتبط بأيام الآباء والأجداد، وبحياة الناس في ذلك الحي، وبصور من تاريخ المدينة التي لا تزال حاضرة في الذاكرة.

    وفي هذا الجامع تتقاطع صفحات من تاريخ الأسرة؛ فقد ارتبط اسم جدي علي الجارالله العجلان بالأذان، وكان قبل ذلك من رجال العقيلات، ثم ترك حياة التجارة والترحال واستقر في بريدة، وأصبح للجامع حضوره في حياته وخدمته للمصلين.

    ثم جاء دور والدي محمد بن علي الجارالله العجلان آل أبو عليان، فكان يقوم بمهام الإمام، وكان يُنيب في القراءة على المصلين في شهر رمضان، فكان الجامع جزءًا من حياته، وموضعًا مارس فيه مسؤولية دينية واجتماعية تتطلب العلم والأمانة وحسن القيام بحق المصلين.

    ثم امتدت هذه الصلة إلى عمي الشيخ القاضي عبدالرحمن بن سليمان الجارالله العجلان آل أبو عليان، الذي تولّى خطابة وإمامة جامع الجردان مدةً من الزمن؛ فكان حضوره في الجامع امتدادًا لهذا الدور الذي ارتبط بأفراد من الأسرة، ورسّخ حضورها الديني والاجتماعي في حي الخالدية.

    وهكذا تبدو لنا صورة جميلة من صور تعاقب الأدوار داخل الأسرة؛ مؤذن، وإمام وقائم بشؤون الصلاة والقراءة، ثم خطيب وإمام، وكل ذلك في جامع واحد، وفي حي واحد، وفي مدينة واحدة، حتى أصبح الجامع شاهدًا على جانب من تاريخ الأسرة وحياتها في بريدة.

    ولذلك فإن الحديث عن جامع الجردان ليس حديثًا عن بناء أو مكان فحسب، وإنما هو حديث عن الإنسان والمكان والذاكرة؛ عن آباء وأجداد كانت لهم صلة بهذا الجامع، وعن حي الخالدية الذي احتضن جانبًا من حياتهم، وعن بريدة التي كانت وما زالت حاضرة في وجدان الأسرة.

    مئة مقال.. وذاكرة لا تنتهي

    وبلوغ المقال المئة يجعلني أنظر إلى هذه الكتابات لا بوصفها مقالات متفرقة، وإنما بوصفها صفحات متتابعة من سجل الذاكرة؛ بعضها عن أشخاص، وبعضها عن أماكن، وبعضها عن مواقف وأحداث، يجمعها هدف واحد: أن يبقى شيء من تاريخ الأسرة حاضرًا، وأن يجد الأبناء والأحفاد مادة مكتوبة تعينهم على معرفة من سبقهم، وما تركوه من سيرة وأثر.

    وما أجمل أن تكون الصفحة المئة عن جامع الجردان؛ ذلك المكان الذي اجتمع فيه شيء من عبادة الأجداد، وخدمتهم للمجتمع، وذكرياتهم في حي الخالدية. فكأن المكان نفسه يختصر جانبًا من الرحلة التي حاولت هذه المقالات أن توثقها.

    لقد علمتني هذه الرحلة أن الذاكرة أمانة، وأن كثيرًا من التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة في حياة أصحابها قد تصبح بعد عقود شاهدًا مهمًا على زمن كامل. وأن الكتابة عن الآباء والأجداد ليست استعادة للماضي فحسب، بل هي صلة بين جيل مضى وجيل يعيش اليوم وجيل سيأتي غدًا.

    وأنا إذ أصل إلى المقال المئة، أحمد الله على توفيقه، وأشكر كل من قرأ هذه المقالات، أو أضاف إليها معلومة، أو صحح رواية، أو استعاد ذكرى، أو شجع على مواصلة التوثيق؛ فمثل هذه المشاركات هي التي تجعل الذاكرة أكثر اكتمالًا، والتاريخ أكثر قربًا من الحقيقة.

    مئة مقال مضت، وما زالت الذاكرة تقول الكثير.

    وإن كان المقال الأول قد بدأ بخطوة، فإن المقال المئة ليس نهاية الطريق، وإنما محطة أتوقف عندها لأتأمل ما مضى، وأستشرف ما بقي من صفحات تستحق أن تُكتب.

    أسأل الله أن يبارك فيما كُتب، وأن يجعله وفاءً لمن سبقونا، وذكرى طيبة لمن عاشوا تلك الأيام، وفائدةً لمن يأتي بعدنا، وأن يحفظ لنا تاريخ الأسرة وذاكرتها، وأن تبقى بريدة وأحياؤها ومعالمها حاضرة في وجدان أبنائها.

    ومن جامع الجردان، هذا المعلم من ذاكرة الأسرة وحي الخالدية، تأتي الصفحة المئة… صفحةٌ تحمل في طياتها مئة حكاية، ومئة وقفة، ومئة محاولة لحفظ شيء من ذاكرةٍ عزيزة لا نريد لها أن تغيب. 

    المصدر: موقع أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان
    https://aljarallah.net/articles/art-1790636483851

المقالات الثابتة