وقد رد الأستاذ المستشار فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان على تكريمه ومنحه درع الاسرة قائلا :-
أعجز عن التعبير عن شكري وامتناني لهذه اللفتة الكريمة، وهذا التذكار الجميل الذي أعتز به كثيراً، ليس لقيمته المادية فحسب، بل لما يحمله من مشاعر الوفاء والتقدير والمحبة الصادقة.
وإنني لأشكر أسرتي أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان كافةً على هذا التكريم، وأخص بالشكر كل من أسهم فيه أو سعى إليه، سائلاً الله أن يديم بيننا الألفة والمودة، وأن يوفقنا جميعاً لخدمة الأسرة وتوثيق تاريخها والمحافظة على إرثها المبارك.
وما قدمته لم يكن إلا واجباً أرجو به خدمة الأسرة وأبنائها، وأسأل الله أن يجعل هذا القبول والثناء حافزاً لبذل المزيد، وأن يجزيكم عني خير الجزاء.
وُلد الشاب عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم بن جارالله الجارالله العجلان آل أبو عليان صاحب هذه السيرة في مدينة بريدة سنة 1379 هـ، ويعد الابن الرابع والأصغر للعم محمد بن إبراهيم الجارالله العجلان.
وتلقى تعليمه في مدينة الرياض، حيث تخرّج في المعهد الثانوي التجاري ، ثم التحق موظفًا في وزارة المواصلات (وزارة النقل حاليا).
غير أن ميوله إلى العمل التجاري كانت أقوى؛ إذ استهواه مجال التجارة والأعمال الحرة، فآثر أن يقدّم استقالته من الوظيفة الحكومية ليتجه إلى النشاط التجاري، باحثًا عن آفاق أوسع وطموحات أكبر في ميدان التجارة.
في عام 1401هـ الموافق لأوائل الثمانينات الميلادية (1981م)، وفي حِلّة القصمان، ذلك الحيّ العريق من أحياء الرياض القديمة الذي احتضن كثيرًا من الأسر القصيمية، وبالقرب من جامعها، كنتُ أشاهد ابن عمي الشاب عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم الجارالله العجلان – رحمه الله –
في داخل سوق الحِلّة، يلفت الأنظار بحيويته وشبابه ووسامته المعهودة. وقد كان حضوره محببًا لمن حوله، تنعكس عليه سمات البشاشة والأناقة وحسن المعشر، حتى بقيت صورته راسخةً في الذاكرة كلما ذُكرت تلك الأيام وأهلها.
كان كثير الحركة بين المحلات التجارية، داخل سوق حلة القصمان وسوق البطحاء بالرياض رغم ان عمره حينذاك لم يتجاوز 22 عاما فيباشر أعماله بنفسٍ تجارية مبكرة، فكان يعمل في تجارة الأحذية والشنط والعطور والملابس( النوفتيه) التي كانت شائعة في أواخر السبعينات الميلادية وأوائل الثمانينات وتلاقي قبولا هائلا من الفتيات بحكم انها تستورد باخر صرعة في عالم الأزياء آنذاك.
كما كان يمارس بعض الأنشطة التجارية الأخرى مثل ملابس الأطفال ولوازمهم التي عُرف بها بعض شباب ذلك الجيل الطموح وحققوا منها ثروات لا بأس بها.وتنامي التجارة في تلك الحقبة تعتمد على الجهد الشخصي والبحث عن الفرص في السوق الذي كان يتطور بسرعة فائقة وكان معه شريكا في بعض من تجارته صديق عمره الأستاذ عبدالله بن إبراهيم المسند حفظه الله.
وقد كان – رحمه الله – محبوبًا بين التجار والزبائن على حدّ سواء، لما عُرف عنه من بشاشةٍ وحسن تعامل، إلى جانب نشاطه الدائم وحضوره اللافت. كما امتاز بأناقته ولبسه المرتب، حتى أصبحت الشياكة سمةً معروفة فيه بين من عرفه وخالطه. وكان حضوره في السوق يبعث روحًا من الألفة والحيوية، فكأن الشباب والابتسامة لا يفارقانه.
عُرف ـ رحمه الله ـ بحرصه على إدخال السرور على أسرته؛ فكان يهدي الهدايا من محلاته إلى والده وإخوانه وأبنائهم وبناتهم، وكان جزل العطاء من ماله لأبناء اخوانه الصغار كريم النفس في مختلف المناسبات.
وقد حظي بمحبة خاصة وكبيرة من والده لما اتصف به من حسن الخلق، وبرٍّ، وطيب معشر، وهي صفات أكسبته مكانة خاصة في قلبه.
غير أن القدر ابتلاه في أوائل العشرينات من عمره بمرض لازمه أربع سنوات Rheumatic Heart Disease وهو روماتيزم القلب ، فظل يعاني آثاره بصبرٍ واحتساب مما استدعى سفره الى مدينة لندن للعلاج وكان يرافقه في رحلته شقيقه علي بعد أن رتب والدي رحمه الله إجراءات سفره واستصدار قرار بعلاجه بحكم عمله بوزارة الصحة إلا أن الأجل المحتوم جاءه بعد عودته ، ولم يتجاوز من العمر خمسة وعشرين سنة. رحمـه الله رحمةً واسعة، وجعل ما أصابه رفعةً له وتكفيرًا لذنوبه.
وعندما رُزق شقيقه علي بمولود، حرص والده على أن يُسمّى “عبدالعزيز” تعبيرًا عن محبته وتقديره له. كما أوصى والده محمدـ رحمه الله ـ بأن تُجعل له أضحية سنوية، وفاءً لذكراه ودعاءً له بالرحمة والمغفرة.
وقد وُوري (عزوز) وهو الاسم الشائع له الثرى في مقبرة العود بمدينة الرياض في صيف سنة 1404هـ، تلك المقبرة التي تضم رفات عددٍ من رجالات الدولة وأهالي العاصمة عبر عقود طويلة. رحم الله عبدالعزيز رحمةً واسعة، وجعل ما قدّمه من خيرٍ وإحسانٍ في ميزان حسناته،
تتقدم اسرة الجارالله العجلان ال أبو عليان بالقصيم والرياض والمنطقة الشرقية برفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وإلى سمو ولي عهده الأمين محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وإلى الأسرة المالكة الكريمة، والى الشعب السعودي النبيل، والى الأمتين العربية والإسلامية، بمناسبة عيد الأضحى المبارك. سائلين الله تعالى أن يعيده على وطننا الغالي بالأمن والإيمان، والعز والتمكين، وأن يديم على وطننا المملكة العربية السعودية نعمة الاستقرار والرخاء، وأن يحفظ قيادتنا الرشيدة ويوفقها لكل خير. وكل عام وأنتم بخير.
شخصيات مؤثرة في أسرة الجارالله العجلان آل ابوعليان
الشيخ علي بن صالح بن عبدالله بن حمود بن عبدالرحمن بن محمد الدخيل آل أبو عليان 1343هـ و1406هـ،
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
إن من الروابط الوثيقة التي جمعت بين أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان وأسرة الدخيل آل أبو عليان أهل السادة، ما كان بينهما من صلات قربى ومصاهرة ممتدة عبر أجيال متعاقبة؛ فقد كان جد والدي محمد بن علي الجارالله العجلان من جهة والدته السيدة منيرة بنت صالح الدخيل هو الشيخ صالح بن عبدالله بن حمود الدخيل، كما أن جد أعمامي محمد وعبدالرحمن وحصة أبناء سليمان الجارالله من جهة والدتهم السيدة هيلة بنت صالح الدخيل هو الشيخ نفسه، في دلالة واضحة على ما قامت عليه العلاقة بين الأسرتين من مودة وثقة وروابط متينة.
وتعكس هذه الصلات جانباً مهماً من العلاقات الأسرية والاجتماعية والاقتصادية التي جمعت بين الأسرتين في تلك الحقبة، حيث قامت على القربى والمصاهرة والتعاون، واستمرت آثارها المباركة عبر الأجيال.
وكان للشيخ صالح الدخيل رحمه الله عدد من الأبناء والبنات، فمن أبنائه: علي وعبدالله رحمهما الله، ومن بناته: منيرة، ونورة، ومزنة، وهيلة، وحصة، وشمّا، وطرفة،رحمهن الله وهؤلاء هم خوال والدي محمد بن علي الجارالله، وكذلك خوال أبناء عمه وهم محمد وعبدالرحمن وحصة سليمان الجارالله.
ومن هنا يحسن إيراد جانب من سيرة الخال علي بن صالح بن عبدالله الدخيل رحمه الله، مستعيناً بما رواه حفيده الأستاذ عدي بن خالد بن علي الدخيل، مع ما عرفته عنه من مشاهداتي الشخصية واحتكاكي المباشر به.
وقد ذكر الأستاذ عدي بن خالد بن علي الدخيل أن الشيخ علي بن صالح الدخيل ولد بمدينة بريدة سنة 1343هـ، ونشأ في كنف والده الشيخ صالح العبدالله الدخيل، أحد وجهاء السادة المعروفين بالكرم والسخاء، حتى لُقِّب بـ«أبي الظهور» كناية عن كثرة ما يقدمه لضيوفه من ظهور الإبل.
وترعرع الشيخ علي في بيئة أصيلة تعلي من شأن المروءة ومكارم الأخلاق، فشب قوي العزيمة، محباً للعمل، وما إن بلغ سن الشباب حتى انضم إلى قوافل العقيلات برفقة أخواله آل أبا الخيل، مرتحلاً في دروب التجارة إلى الكويت والشام وفلسطين، مكتسباً من تلك الرحلات خبرات الحياة والتجارة.
وكان رحمه الله باراً بوالديه شديد التعلق بوالده، وقد تركت وفاة والده أثناء إحدى رحلاته التجارية أثراً بالغاً في نفسه، إذ عاد من سفره دون أن يتمكن من وداعه، فظل هذا الموقف عالقاً في ذاكرته طوال حياته.
ثم انتقل بعد ذلك إلى مدينة الرياض، وأسهم في نهضتها التجارية في سنواتها المبكرة، وعُرف بجوده وكرمه وكفالته للفقراء ومساعدته للمحتاجين، وكان محباً لجمع الأهل والأقارب في منزله على موائد المودة والصلة.
وقد عرفته شخصياً حين كنا نسكن في حي الملز بمدينة الرياض، حيث كان يسكن شمال الحي قريباً من ملعب الملز، بينما كنا نسكن جنوب الحي، ولم تكن المسافة بين المنزلين تتجاوز كيلومترين ونصف تقريباً، كما كان شقيقه عبدالله رحمه الله يسكن في منزل مجاور له.
وكان رحمه الله مضيافاً بطبعه، لا تكاد تمر أيام إلا ويقيم الولائم ويدعو إليها جيرانه وأقاربه وأصدقاءه، امتداداً لسيرة والده الكريم «أبي الظهور». كما كان يقيم المجالس الليلية (الشبات) التي يجتمع فيها عدد من رجالات الرياض وتجارها وأقاربه، ومنهم والدي، وعمي محمد بن سليمان الجارالله، ومحمد بن سليمان أبا الخيل، وعبدالعزيز بن إبراهيم الرشودي، وعلي العبود، وناصر بن عقل الرواف وعبدالله بن حمد الجعيثن وبالطبع شقيقه عبدالله وغيرهم، حيث تدور الأحاديث حول شؤون الحياة والتجارة والعقار والمساهمات العقارية التي كانت مزدهرة آنذاك فقد شهدت تلك الفترة إقبالاً كبيراً على هذه المساهمات، حيث كانت تعد من أهم وسائل الاستثمار في ذلك الوقت. وكانت تحقق مبالغ طائلة لأصحابها، إذ ارتبطت بنمو الأسواق العقارية في الرياض،وتنافست فيها الشركات والأفراد، مما جعلها محط اهتمام اقتصادي واجتماعي واسع.
وكان رحمه الله ذا شخصية قوية، يتصف بالحزم المقرون بالرفق، فكان مهاباً في حضوره، مسموع الكلمة بين أهله وأقاربه، يدير شؤونه بحكمة واتزان، ويجمع في تعامله بين قوة الرأي ولين الجانب، فلا يعرف عنه التسرع أو الجفاء، بل كان قريباً من الناس، يحسن الاستماع، ويعالج الأمور بروية وتعقل، مما أكسبه محبة من حوله واحترامهم. وهذا ماحببني في شخصيته الكريمة وحبي بالالتقاء به كما كنت أستمع إلى والدي وهو يفيض بالمدح والثناء على خاليه علي وعبدالله رحمهما الله في غيابهما، ويذكر ما عُرفا به من الكرم والسخاء وحسن الخلق، وكان يتحدث عنهما بمحبة ظاهرة وتقدير كبير، مستحضراً مواقفهما في صلة الرحم وإكرام الضيف ومساعدة المحتاج، مما يدل على المكانة التي كانا يحظيان بها في نفوس ذويهما ومعارفهما ، كما عُرف خالي علي بتعلقه بالمساجد وحرصه على الصلاة في الصفوف الأولى.
وفي يوم جمعة، وبينما كان رحمه الله في مسجد العباس القريب من منزله بحي الملز بمدينة الرياض، ينتظر الصلاة كعادته، أسلم روحه إلى بارئها أثناء خطبة الجمعة، في خاتمة مهيبة داخل بيت من بيوت الله، بعد حياة حافلة بالعمل والبر والصلة، وكأن الله اختار له أن تكون آخر لحظاته عامرة بذكره وفي موضعٍ طالما تعلق قلبه به. ثم ووري جثمانه في مقبرة العود سنة 1406.
رحم الله خالي الشيخ علي بن صالح الدخيل رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء على ما عُرف عنه من برٍّ وكرمٍ وصلةٍ وإحسان، وما خلّفه من ذكرٍ طيب وسيرةٍ حسنة بقيت في نفوس أهله ومعارفه ومحبيه، يتناقلونها جيلاً بعد جيل.
تُعد المملكة العربية السعودية من أوسع دول العالم مساحة، إذ تأتي ضمن أكبر دول العالم مساحة، ويبلغ ترتيبها المرتبة الثانية عشرة عالميًا. وتمتد على رقعة جغرافية شاسعة تضم الصحارى والجبال والسواحل والمدن المتباعدة، ولذلك كان إنشاء المطارات ضرورة وطنية وتنموية، وليس مجرد وسيلة نقل فقط. فالمسافات بين مناطق المملكة كبيرة جدًا، إذ كان السفر قديمًا من شمالها إلى جنوبها أو من شرقها إلى غربها يستغرق أيامًا طويلة عبر الطرق البرية، ولهذا أصبحت المطارات عنصرًا أساسيًا في ربط المناطق ببعضها،وتسهيل أعمال الدولة والإدارة،ونقل المرضى والحالات الطارئة،وخدمة الحجاج والمعتمرين،ودعم التجارة والاقتصاد وربط القرى والمحافظات والمراكز الكبرى. ولهذا شهدت المملكة منذ منتصف القرن العشرين توسعًا متدرجًا في إنشاء المطارات، فبدأت بمهابط ترابية بسيطة، ثم تحولت مع مرور الزمن إلى مطارات إقليمية ودولية حديثة. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك إنشاء مطارات ومهابط ترابية في مدن القصيم خلال الأربعينات والخمسينات الميلادية،كغيرها من مدن المملكة حيث أُنشئت وزارة الدفاع والطيران مطارات في مدن بريدة وعنيزة والرس. ففي مدينة بريدة بدأ العمل بمطارها الواقع في العكيرشة شرق بريدة وقد سمي بمطار العكيرشة (نسبة الى نبات العكرش الذي يكثر نموه في الأراضي الطينية) وذلك في أواخر الستينات الهجرية،الموافق الأربعينات الميلادية. وقد استقبل المطار أول طائرة تجارية للخطوط الجوية العربية السعودية يوم 23/4/1374هـ الموافق 28/12/1954م، وفق تصريح الأستاذ صالح بن سليمان الجفن مدير فرع الخطوط السعودية بالقصيم الى دار المخطوطات ببريدة في تاريخ 1/4/1441 الموافق 20/11/2019 وكان قد سبق ذلك التاريخ هبوط عشر طائرات في هذا المطار إبّان الزيارة التفقدية التاريخية التي قام بها جلالة الملك المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود لمنطقة القصيم سنة 1366هـ، حيث شكّل وصول الطائرات حدثًا غير مسبوق لأهالي المنطقة،واحتشد الأهالي لاستقباله في مشهد تاريخي مؤثر. كما تُعد الرحلة التاريخية لزيارة جلالة الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود الكبرى عام 1379هـ لمنطقة القصيم من أشهر الأحداث التي ارتبطت بمطار العكيرشة؛ إذ هبطت طائرة جلالته في مهبط العكيرشة خلال زيارته التفقدية للمنطقة، واحتشد أهالي بريدة والأعيان لاستقباله على أرض المطار في مشهد مهيب، أعقبته مأدبة عشاء كبرى أقامها أعيان المنطقة احتفاءً بقدومه. ويروي كبار السن في بريدة كيف كانت الطائرة تمثل حدثًا استثنائيًا يثير الحماس والفضول بين الأهالي؛ فعند سماع دوي محركاتها في السماء، كان الصغار والكبار يهرعون مسرعين نحو حي العكيرشة ومدرج المطار الترابي لمشاهدة هبوط الطائرة وإقلاعها، في زمنٍ لم يكن فيه الطيران أمرًا مألوفًا لدى كثير من الناس، فكانت رؤية الطائرة تُعد حدثًا نادرًا تتناقله المجالس والأحياء بدهشة وإعجاب. ومما يذكره والدي محمد بن علي الجارالله العجلان رحمه الله، قصة ارتبطت بمطار العكيرشة القديم، انه في يوم شتوي بارد وعاصف هزَّ وجدان أهالي بريدة، وذلك يوم الجمعة 12 جمادى الأولى 1376هـ الموافق 14 ديسمبر 1956م، حيث هطلت أمطار غزيرة ومتواصلة على مدينة بريدة وضواحيها، بكميات كبيرة وشدة متفاوتة، واستمر هطولها قرابة أربعين يومًا، حتى قيل إن الشمس لم تُشاهد ساطعة خلال تلك الفترة والتي سميت بسنة الهدام. حيث كانت إحدى رحلات الخطوط الجوية العربية السعودية المجدولة على خط الرياض – بريدة – حائل قد هبطت في مطار بريدة الترابي الواقع في العكيرشة. وبعد أن أنزلت الطائرة ركابها، وحين همّت بالإقلاع متجهةً إلى حائل، انغرست عجلاتها في الطين بسبب الأمطار الغزيرة والسيول الشديدة التي شهدتها بريدة آنذاك، فلم تتمكن الطائرة من الإقلاع، في مشهد يعكس طبيعة المطارات الترابية في تلك الفترة، ومدى تأثرها بالأحوال الجوية، قبل ظهور المدارج الحديثة المعبدة والتجهيزات المتطورة. ولهذا اضطر الركاب المتجهين إلى حائل إلى البقاء في بريدة، فأصبحوا ضيوفًا على أهلها، وأُسكنوا مع غيرهم من المتضررين في مبنى المستشفى، الذي تحول في تلك الظروف العصيبة إلى مأوى للمتضررين من تلك الكارثة، في صورة تجسد تلاحم المجتمع وأهالي بريدة في مواجهة الشدائد. ومن الطرائف التي تُروى عن تلك المرحلة، ما ذكره خالي عبدالله بن سليمان العمران رحمه الله، في كتابه عبق الماضي وأصالة الحاضر وكان عمره حينذاك نحو ثماني سنوات، إذ قال إن مشاهدة طائرة تطير بين السماء والأرض كان أمرًا لا يكاد يصدقه عقل طفلٍ في مثل سنه. ويذكر أنه ذهب مع صديقه عبدالله المزيد رحمه الله مشيا من حارة العجيبة إلى المطار الترابي بالعكيرشة، حيث لم يكن هناك في المطار سوى غرفة من الطين تقع شمال المدرج، وهناك شاهدا ذلك الجسم الغريب الذي له جناحان ويشبه الطائر، فإذا هي الطائرة التي يتحدث عنها الناس. وكانت الطائرة من نوع دوغلاس دي سي-3 داكوتا، وهي من أشهر الطائرات في تلك الحقبة، وقد بدت لهما شيئًا مهيبًا يفوق الخيال، خصوصًا مع ملامح قائدها الأجنبية وهيئته المختلفة عما اعتاده الناس آنذاك. ويقول رحمه الله إنه عاد بعد ذلك إلى أطفال حارتهم يقص عليهم بدهشة وانبهار ما شاهداه من أمر تلك الطائرة العجيبة، في صورة تعكس مقدار التحول الحضاري الذي عاشه المجتمع آنذاك، حين كان وصول الطائرة إلى القصيم حدثًا استثنائيًا تتناقله المجالس والأحياء. ثم جرى بعد ذلك الاستغناء عن هذا المطار الترابي سنة 1380هـ، وإنشاء بديل أكثر تطورًا لخدمة المنطقة ومواكبة التوسع المتزايد في حركة الطيران والنقل الجوي مع انشاء مطار الأمير نايف بن عبد العزيز الدولي (ELQ) في القصيم. وعلى الرغم من اندثار معالمه وتحوله إلى منطقة سكنية وتجارية اليوم، إلا أن ذاكرة أهالي المنطقة لا تزال تحتفظ بقصص وأحداث ارتبطت ببدء قصة الطيران المدني بمنطقة القصيم.
الشيخ صالح بن عبدالله بن حمود بن عبدالرحمن بن محمد الدخيل آل أبو عليان 1290هـ و1365هـ،
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
هناك علاقة وطيدة ربطت بين أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان وأسرة الدخيل آل أبو عليان أهل السادة، فقد كان جد والدي محمد بن علي الجارالله العجلان من جهة والدته السيدة منيرة بنت صالح بن عبدالله بن حمود الدخيل، هو المعني بهذه السيرة، كما أن جد أعمامي محمد وعبدالرحمن وحصة من جهة والدتهم السيدة هيلة بنت صالح بن عبدالله بن حمود الدخيل، هوالمعني أيضا بها، في دلالة واضحة على ما كان بين الأسرتين من تواصل وثقة وروابط متينة. وتعكس هذه الروابط الممتدة جانباً مهماً من العلاقات الأسرية والاجتماعية والاقتصادية التي جمعت بين الأسرتين عبر تلك الحقبة الزمنية، كما توثق عمق الصلات التي قامت على القربى والمصاهرة والمودة، واستمرت آثارها المباركة عبر الأجيال المتعاقبة. ولهذا سأورد جانباً من سيرته رحمه الله، مستعيناً بما أخذته ورويته عن حفيده الأستاذ عدي بن خالد بن علي بن صالح الدخيل، مع ما توفر لدي من معلومات وروايات تسلط الضوء على شيء من أخباره وسيرته، وفاءً لحقه، وحفظاً لما يرتبط به من تاريخ الأسرة وصلات القربى والمودة بين الأسرتين الكريمتين. فقد روى حفيده الأستاذ عدي بن خالد بن علي بن صالح الدخيل أنه من أهل قرية السادة التابعة لمدينة بريدة (دخلت حاليا ضمن حدود المدينة) ويُقدَّر أنه عاش في الفترة ما بين عامي ١٢٩٠هـ و ١٣٦٥هـ، وكان رحمه الله من وجهاء السادة وموضع تقدير واحترام بين أهلها. وقد نشأ في بيت له جذوره ومكانته، فجده حمود كان زعيم السادة ومالكها، وكان يُعرف آنذاك بلقب «راع السادة»، أي زعيمها وصاحب أمرها، وهو ما أضفى على البيت الذي نشأ فيه الشيخ صالح مكانة اجتماعية معتبرة. وعُرف منذ شبابه بجديته في السعي والعمل، فلم يركن إلى الراحة، بل شد رحاله إلى الكويت في مرحلة من حياته طلباً للرزق، كما فعل كثير من أبناء نجد آنذاك، ممن دفعتهم الحاجة والطموح إلى طلب الكسب في الحواضر المجاورة. وقد شكّلت تلك الرحلة محطة مهمة في حياته، عاد بعدها إلى السادة وقد ازداد خبرة ومعرفة، فعاش بين أهله متمسكاً بالقيم، معروفاً بكرمه ومروءته. ومن أشهر ما يُروى عنه في هذا الجانب قصته مع عدد من جزارِي بريدة، حيث عقد معهم اتفاقاً يزوّدونه بموجبه بظهور الإبل بصفة مستمرة ليقدّمها لضيوفه، حتى عُرف بسبب هذا الكرم بلقب «أبا الظهور»، وأصبح مضرب مثل في السخاء وحسن الضيافة ولذلك كان بابه مشرعا لضيوفه وقد بقي أثر هذه السيرة الطيبة ممتداً في الذاكرة الأسرية، حتى إن بعض أبناء الأسرتين تسمّوا باسمه تيمناً به واستصحاباً لما عُرف عنه من الكرم والمروءة وحسن السيرة، في دلالة على مكانته والمحبة التي تركها في نفوس أهله وذويه. كانت له أملاك وآبار متعددة في السادة والعكيرشة وغيرهما، سخّرها لخدمة أهله ومن حوله، وانتفع بها أقاربه وذووه، فكانت مصدر خير يعود نفعه على الدائرة الأوسع من أسرته ومجتمعه القريب، في صورة من صور البر والتكافل التي عُرف بها رحمه الله. كما عُرف برجاحة رأيه وحسن تدبيره، وكان محبوباً بين أهل قريته لما يتصف به من حسن الخلق وصدق التعامل، فجمع بين الكرم والدين والمكانة الطيبة، وترك أثراً حسناً في كل من عاشره أو تعامل معه. وقد خلّف رحمه الله ذرية صالحة، في مقدمتهم ابناه علي وعبدالله، وعدد من البنات رحمهم الله، الذين ساروا على نهجه و استكملوا ما غرسه من قيم ومبادئ في نفوس من جاء بعدهم. وهم أخوال والدي، وأعمامي محمد وعبدالرحمن وحصة رحمهم الله، الأمر الذي يعكس عمق الصلة الأسرية وما امتد بين الأسرتين من روابط قربى ومودة وتواصل عبر الأجيال.
وتوفي رحمه الله في قرية السادة، سنة 1365هـ كما وُلد فيها، بعد حياة حافلة بالعطاء والمروءة والسيرة الحسنة، خلّد فيها ذكراً طيباً وأثراً مباركاً بين أهله ومعارفه، بما عُرف عنه من كرم، وحسن خلق، وصدق في التعامل. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، ويجزيه خير الجزاء عما قدم، وأن يجعل ما خلّفه من أثر وبركة في ميزان حسناته.
نبذة يسيرة عن العمة حصة بنت سليمان الجارالله العجلان آل أبو عليان 1350هـ – 1425هـ
كتب: فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان آل أبو عليان
تُعد العمة حصة بنت سليمان الجارالله العجلان آل أبو عليان – رحمها الله – مع أختها هيلة، الابنتين الوحيدتين للعم سليمان، خلافًا لإخوتهما الذكور الذين سبقت الإشارة إلى سيرهم في مقالات سابقة رحمهم الله جميعًا. وقد نُشرت عن أختها هيلة مقال مستقل في الموقع.
وُلدت العمة حصة في مدينة بريدة، وكانت تكبر أختها هيلة سنًّا، ويرجّح أن ولادتها كانت في أوائل عام 1350هـ.
والدتها هي السيدة هيلة بنت صالح بن عبدالله بن حمود الدخيل آل أبو عليان، وإخوتها الأشقاء هما العم محمد والعم عبدالرحمن رحمهما الله. ووالدتها هيلة أختًا للسيدة منيرة بنت صالح بن عبدالله بن حمود الدخيل آل أبو عليان من الأب ،والدة والدي محمد بن علي الجارالله العجلان، وبذلك تكون العمة حصة وشقيقاها أبناء خالة والدي رحمه الله وأبناء عم.
تزوجت العمة حصة من الشيخ محمد بن عبدالله الصلال رحمه الله، أحد رجالات أسرة الصلال المعروفة، ويرجع نسبه إلى قبيلة شمر، وهو أيضا رحمه الله ابن عمتها حصة بنت جارالله العجلان ، فاجتمع بينهما رباط القرابة والمودة. وقد رزقهما الله أبناءً هما عبدالله وخالد وعدد من البنات ، فنشؤوا في بيتٍ عُرف بالألفة والتماسك وحسن التربية.
كما أن جدتها من جهة والدتها هي السيدة منيرة الصلال، زوجة صالح بن عبدالله الدخيل، فكانت أسرة الصلال الكريمة تحيط بها نسبًا وصلةً ومودةً من جهات متعددة، مما عزز روابط القربى والمحبة بين الأسرتين.
وعُرفت العمة حصة بالصبر وقوة الاحتمال، فقد رافقت زوجها في بدايات حياتهما الزوجية متنقلةً معه بحكم عمله بين بريدة وعفيف والرياض، في زمن كانت فيه الحياة أشد قسوةً وأقل وسائل راحة. وكانت بلدة عفيف آنذاك تفتقر إلى كثير من الخدمات الأساسية؛ فلا كهرباء عمومية، ولا مياه جارية، ولا طرق معبدة، ومع ذلك عاشت تلك المرحلة برضا واحتساب، تؤازر زوجها، وتدير شؤون بيتها بحكمةٍ وجلَد، حتى أصبحت تلك السنوات جزءًا من سيرتها المضيئة التي تُذكر بالصبر والوفاء.
كانت العمة حصة رحمها الله صاحبة قلبٍ يرى الجميل في الناس قبل أن يروه في أنفسهم، فإذا أثنت على أحدٍ بالغت محبةً لا تصنعًا، وإذا وصفت أمرًا ألبسته من كلماتها ما يكبره في النفوس ويزيده بهاءً.
وكانت العمة حصة رحمها الله مضربًا للمثل في الكرم وحسن الضيافة، فلا تعرف التقتير في طعامٍ ولا تقليلًا في واجب، بل كانت ترى أن وفرة الطعام من تمام إكرام الضيف، حتى وإن كان المدعوون قليلًا. فمائدتها عامرة دائمًا، يسبق فيها الكرم عددَ الجالسين، وكأنها تخشى أن يقصر الجود يومًا عن أحد.
وكانت رحمها الله تُجلّ الحياة الزوجية وتُعلي من شأنها، وترى في احترام الزوج وتقديره أساسًا من أسس المودة والوفاء، فلم تكن تقيس الرجل بماله أو جاهه، بل بقدره ومكانته في بيته وأهله. وكانت كثيرًا ما تثني على زوجها وتذكره بخير، سواء كان في سعةٍ من العيش أو ضيق، في صورةٍ تعكس رضاها وحسن عشرتها ووفائها الجميل له.
ولا يُنسى ذلك الترحيب الدافئ الذي استقبلتنا به عند زيارتنا لها للاطمئنان عليها بعد خروجها من المستشفى، في منزلها بحي العزيزية بمدينة الرياض، فقد قابلتنا ببشاشتها المعهودة وكلماتها الحانية، رغم ما كانت تمر به من تعب وإرهاق. وكان استقبالها حارًّا صادقًا، يفيض بالمحبة والوفاء، ويعكس ما عُرفت به رحمها الله من صفاء النفس وصدق المودة، حتى شعر الزائر أن مكانته عندها محفوظة في القلب قبل المجلس وهذا هو ديدنها وطبعها.
وكانت عمتي حصة رحمها الله تولي إخوانها من أبيها عنايةً خاصة واهتمامًا كبيرًا، يليق بمكانتهم عندها، فهي أكبرهم سنًّا وأكثرهم خبرةً بالحياة، فكانت لهم بمنزلة الأخت الكبرى الحانية، تسأل عن أحوالهم، وتشاركهم أفراحهم وأتراحهم، وتحرص على جمع الكلمة وصلة الرحم. وقد جمعت في تعاملها معهم بين المحبة الصادقة والحكمة والوقار، حتى بقيت مكانتها في نفوسهم موضع تقديرٍ واحترام.
وكانت رحمها الله ذات قلبٍ رحيم، يرقّ للفقراء والمحتاجين، فتُكثر من الصدقات والإحسان إليهم، وتجد في قضاء حوائجهم سرورًا وطمأنينة. ولم يكن عطاؤها مقتصرًا على المال فحسب، بل كانت تبذل الكلمة الطيبة والمواساة والدعاء، وتحرص على ستر المحتاج وعدم جرح مشاعره. فجزاها الله عن إحسانها خير الجزاء، وجعل ما قدمته من صدقاتٍ ورحمةٍ في موازين حسناتها.
وفي عام 1425هـ انتقلت رحمها الله إلى جوار ربها بعد مرضٍ لم يطل، فكان خبر رحيلها مؤلمًا لكل من عرفها وأحبها، لما عُرفت به من طيب المعشر وحسن الخلق وصدق المودة. وقد صُلّي عليها في جامع الراجحي القديم ، ثم ووريت الثرى في مقبرة النسيم بمدينة الرياض. رحمها الله رحمةً واسعة، وجعل ما قدمته من خيرٍ وإحسانٍ وصلة رحمٍ في ميزان حسناتها، وأسكنها فسيح جناته
في أجواءٍ مفعمةٍ بالسرور، ومشاهد تفيض بهجةً واعتزازًا، تشرّفت أسرة الجارالله العجلان ال أبو عليان بتوالي أفراحها المباركة، وفي ليالي مختلفة امتزجت بالفرح حيث تمّ بحمد الله وتوفيقه:
زفاف كريمة الأستاذ منصور بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الجارالله الى الشاب عبدالمجيد بن عبدالرحمن الهذال،
كما اكتملت مسيرة الأفراح بزواج الشاب أحمد بن عبدالله بن محمد بن سليمان الجارالله من كريمة الأستاذ إبراهيم بن سليمان السياري،
وتعالت الافراح بزواج الشاب نايف بن صالح بن محمد بن علي الجارالله من كريمة الأستاذ ناصر بن سليمان الوهيبي.
كماتم عقد قران كريمة الأستاذ طارق بن محمد بن علي الجارالله الى الشاب قصي بن حمد السلطان.
وبهذه المناسبات السعيدة، تتقدم الأسرة بأسمى آيات التهاني والتبريكات، سائلين المولى جلّ وعلا أن يبارك لهم ، وأن يؤلف بين قلوبهم، ويجعل حياتهم مفعمة بالمودة والرحمة، وأن يديم على الجميع نعمة الافراح والهناء والتوفيق.
شخصيات مؤثرة في أسرة الجارالله العجلان آل ابوعليان
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان.
الأستاذ المربي عبدالله بن سليمان بن محمد بن منصور العمران 1364-1445
يُعدّ خالي المربي الفاضل عبدالله بن سليمان بن محمد بن منصور العمران ـ رحمه الله ـ، العائد نسبه إلى آل غيهب من بني زيد، أكبر إخوته. وقد أشار في كتابه الذي نُشر بعد وفاته بعنوان «عبق الماضي وأصالة الحاضر»، المطبوع بمدينة الرياض سنة 1446هـ، إلى أن مولده كان عام 1364هـ في منزلهم الواقع قرب مسجد ابن شريدة (الصائغ) بمدينة بريدة.
وأن ترتيبه بين إخوته كان الرابع بعد والدتي هيلة، ثم مزنة وصالح، اللذين توفيا صغيرين بمرض الجدري، وقد سبق أن أشرتُ إلى قصة وفاتهما المؤثرة. وقصة تعذّر ولادة أحد أخوته وكان شاهدا عليها في مقال سابق تم نشره فبقي أثر تلك الحوادث المؤلمة عالقة في نفسه زمناً طويلاً.
ولهذا كانت والدته، جدتي لأمي السيدة منيرة بنت عبدالرحمن الجمعة، توليه عنايةً فائقة؛ إذ جاء مولده بعد فقدها لطفليها مزنة وصالح المشار اليهما اللذين قضى عليهما وباء الجدري في يومين متتاليين.
ولهذا اصطحبته سريعا إلى أول مستوصف افتُتح في بريدة، وكان يعمل فيه طبيب يُدعى إسماعيل، ليُطعَّم ضد الجدري بطريقة «التشريط». وقد أخبرها الطبيب أن تورم موضع التطعيم في عضده علامةٌ على نجاحه واكتساب المناعة.
وكانت ـ رحمها الله ـ تراقب موضع التطعيم بقلق ولهفة في كل لحظة، حتى تيقنت من نجاحه، فغمرتها فرحة عظيمة، لا تسعها الدنيا من الغبطة والسرور وحمدت الله على هذا الإنجاز الطبي الذي بدأت معه نهاية ذلك الوباء المخيف، «غول الأطفال» كما كان يُعرف آنذاك.
كما أشار ـ رحمه الله ـ إلى أن ابن خاله الدكتور علي بن عبدالله الجمعة، الذي يكبره بعامين، لم يتلقَّ لقاح الجدري، فأصيب بالمرض وفقد بصره بسببه وان كان نجى بحياته.
عهدت خالي عبدالله محبا للقراءة ويهتم بها ويقرا ما يقع تحت يديه من الكتب الأدبية وغيرها شغوفا بكتب التراث العربي.
في بداية حياته المدرسية أدخله والده كتاب المطوع محمد الهويمل ثم كتاب سليمان الرزقان حيث ختم القرآن الكريم ثم التحق بالمدرسة العزيزية الابتدائية الحكومية ثم واصل مشواره الدراسي النظامي في معهد بريدة العلمي.
كان الخال عبدالله يروي عن نفسه أنه كان يقرأ الصحف اليومية والأسبوعية والمجلات التي كان والدي رحمه الله يفرغ من قراءتها. فكان يجمعها ويأخذها للبيت، مثل جريدة القصيم، والندوة، والبلاد، وعكاظ، وقافلة الزيت، وغيرها وكان يتأمل فيها بعمق. ومع التحاقه بالمعهد حيث الدراسة المتوسطة والثانوية، نمت ملكة القراءة لديه، حتى أصبح شغوفاً بأدب المنفلوطي، من نظراته وعبراته وقصصه المترجمة، مثل ماجدولين وفي سبيل التاج. ثم قرأ للرافعي والمازني والعقاد.
كان خالي عبدالله من أبرز المؤثرين في تربيتنا نحن أبناء أخته، إذ كان يقضي أوقاتاً في منزلنا، فنأخذ مما لديه من سعة اطلاعه وحسن حديثه. وكان يُحدّثنا ويقرأ علينا، ويتعامل معنا بحكمةٍ ولطف، مما غرس في نفوسنا قيم الصبر والاجتهاد، وحب التعلم، والنبل، وذلك كلّه قبل التحاقه بالتعليم الجامعي، مما يدل على نبوغٍ مبكر، وهمةٍ عالية، وشغفٍ بالمعرفة منذ سنواته الأولى.
وقال عن نفسه إنه التحق بكلية اللغة العربية بمدينة الرياض عام 1386هـ، وكانت تلك أول زيارة له إلى الرياض، وأنه أول مرة يشاهد فيها العمارات الشاهقة، والأسواق الفسيحة، والبضائع العامرة. كما أدهشته شوارعها المسفلتة و المرصوفة والمنارة، وأضواء النيون التي تملأ الطرقات، والإشارات المرورية الكهربائية المبرمجة، وذلك على خلاف ما اعتاده آنذاك في مدينته بريدة.
كان ـ رحمه الله ـ يزورنا في إجازاته الجامعية، فيُمتعنا بأحاديثه الشيقة وسعة اطلاعه، ويحدثنا عن مشاهداته في الرياض، وعن زملائه في الكلية القادمين من مختلف أنحاء المملكة، وأساتذته المصريين والسوريين وما كانوا يتداولونه من أفكار وموضوعات تستوقفنا نحن الصغار وتثير فضولنا. كما كان يصف لنا سكنه القريب من الكلية مع عدد من زملائه في منزل شعبي بشارع القرى، ومن كان يتولى إعداد طعامهم ويغسل ملابسهم، وما حفلت به تلك المرحلة من مواقف وتجارب امتزجت فيها الطرافة بالبساطة، والفائدة بروح الألفة والمحبة.
بعد تخرجه من كلية اللغة العربية، وحصوله على درجة الليسانس (البكالوريوس)، صدر قرار تعيينه عام 1389هـ في معهد الطائف العلمي بمدينة الطائف. وكان ـ رحمه الله ـ يومئذٍ متزوجاً، فانتقل بأسرته إلى هناك، رغم تفوقه ورغبته في أن يكون تعيينه بمنطقة القصيم ليبقى قريباً من والديه، غير أن الأقدار شاءت أن تكون الطائف محطته الأولى، حيث أمضى فيها سنوات طويلة معلماً ومربياً، ترك خلالها أثراً طيباً لا يمحى في طلابه وزملائه.
وكان يصف تلك المرحلة بأنها من أجمل سنوات عمره، لما أحاط به من زملاء فضلاء، وبيئة تعليمية متناغمة يسودها الاحترام والتعاون، إلى جانب ما امتازت به مدينة الطائف آنذاك من أودية جميلة وهادئة، كان يخرج إليها مع أسرته أو لفيفٍ من أصدقائه، قبل أن يطالها التغيير، مثل وادي نَخْب، ووادي وَج، ووادي لِيّة.
ثم نُقل عمله من ملاك الرئاسة العامة للكليات والمعاهد العلمية ـ التابعة حالياً لـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ إلى ملاك وزارة المعارف، وزارة التعليم حاليا فصدر قرار تعيينه في ثانوية بريدة، فعاد إلى الطائف، ولملم أمتعته ، تاركاً خلفه صحبةً كريمة وسنوات لا تمحوها الأيام.
وبعد ذلك انتقل للعمل في متوسطة صلاح الدين، وأثناء عمله بها حصل على دبلوم عالٍ في التربية من جامعة الملك سعود بالرياض لمدة عام، رغبةً منه في تطوير أدائه التربوي وصقل خبرته التعليمية. ثم واصل رسالته في التعليم والتربية بإخلاص واجتهاد حتى أُحيل إلى التقاعد، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والأثر الطيب.
بعد إحالته للتقاعد اهتم بأمرين اثنين هما مواصلة القراءة والكتابة بالصحف المحلية والزراعة وبالذات زراعة القمح وزراعة النخيل وغرسها في مزرعة المليداء ولذلك لم يشعر بالفراغ بعد التقاعد.
وبهذه الخبرات الطويلة، أفاض علينا من تجاربه ومعارفه ما كان يشحذ هممنا، ويهذب نفوسنا، ويصقل أرواحنا، فكان حضوره مدرسةً في الحكمة، وسيرته درساً في الجدّ والخلق الرفيع.
فقد كان رحمه الله صوت الحكمة، إن حضر أضفى على المجالس بهجة، وإن نصح ترك في القلب بصمة لا تُنسى.
في ساحات منزلنا قد يكون معلمًا غير رسمي بيننا يفتح لأبناء أخته نوافذ على عوالم جديدة، ويشجعهم على التساؤل والحلم. وفي ساحات الحياة، يسير أمامهم كقدوة، يحمل مشعل القيم ويُضيء الدرب. فهو ليس مجرد قريب بالدم، بل شاعرٌ بحاجاتهم، حارس لأحلامهم، ومرآة تعكس أفضل ما فيهم.
وبعد زواج خالي عبدالله وبعد أن رزقه الله عدد من الأولاد فإنه جمع بين منزلتين عظيمتين منزلة الأب لأبنائه، ومنزلة الخال لأبناء أخته، ولكل منزلة حقها ومكانتها. ولهذا بقى الخال الحنون قريبًا من أبناء أخته، لكن تتغيّر طبيعة دوره قليلًا بسبب مسؤوليات الأسرة والأبناء.
ومن الجميل أن يكون تعامله متوازنًا فظل حاضرًا في حياة أبناء أخته بالسؤال والزيارة والاهتمام فقد كان يزورنا في الرياض بين الفينة والأخرى ويحمل معه نفحات القصيم وخيراته.
محبا لامنا اخته الكبيرة الوحيدة هيلة مقدرا لها وهي مزيج من المشاعر النبيلة التي تجمع بين الاحترام، والارتباط العميق بينهما.
هذه العلاقة ما بينهما وبينه وبيننا غالباً ما تُشكل جزءاً كبيراً من وجداننا ولم يُشعرنا أن زواجه وأولاده ان نقصوا من محبته لنا شيئًا.
وقد ربى أبناءه على صلة الرحم واحترام أبناء العمة والخالة.
وكان عادلا في العاطفة الظاهرة حتى لا يشعر أحد بالمقارنة أو الإهمال.
فجع رحمه الله بوفاة ابنته حصة وهي في عز شبابها وذلك سنة 1422 هـ أثر مرض لم يمهلها كثيرا. كما فجع في وفاة رفيقة دربه زوجته ام أولاده الغالية عليه ام عاصم هيلة بنت عبدالله الضحيان نتيجة خطأ طبي سنة 1436هـ
رحم الله الخال عبدالله ابوعاصم ففقدُ الأخوال ليس فقدَ قريبٍ فحسب، بل غيابُ ظلٍّ حنون، ووجهٍ ألفناه في مجالسنا وشبات ليالينا وصوتٍ كانت له في القلب طمأنينة. يمضي الخال، لكن تبقى مواقفه النبيلة، ودعواته الصادقة، وذكرياته التي لا تغيب عن الوجدان.
نسأل الله أن يجعل ما أصابه من مرض قبل موته رفعةً له، وأن يبدله دارًا خيرًا من داره، وأن يجمعه بمن يحب في جنات النعيم.
ووري الثرى في مقبرة الموطأ ببريدة بعد أن صلي عليه في جامع محمد بن عبدالوهاب (جامع الخليج) يوم الاثنين الموافق 3/7/1445 رحمه الله ورزقه الفردوس الأعلى من الجنة.
موقع بئر بريدة التاريخي الذي كان نواةً لتأسيس المدينة ونشأتها.
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
كنتُ قد كتبت في مقالٍ سابق بمناسبة مرور (462) سنة هجرية على تأسيس حاضرة مدينة بريدة – عاصمة منطقة القصيم – تلك المدينة النجدية العريقة التي أرست أسرة آل أبو عليان دعائمها، واتخذتها مقرًا لحكمها، حتى غدت من أبرز حواضر إقليم نجد.
وقد أشرتُ حينها إلى أن تأسيسها كان على يد أسرة آل أبو عليان من العناقر، من بني سعد بن زيد مناة بن تميم، و ذلك بعد قدومهم من بلدة ثرمداء سنة (985 هـ- 1577م)، كما قرر ذلك عدد من المؤرخين المتقدمين والمعاصرين.
كما عرّجتُ على أن بريدة آنذاك لم تكن سوى بئر ماء لآل هذال من شيوخ قبيلة عنزة، فاشتراها الأمير راشد بن عبد الله الدريبي العنقري آل أبو عليان، فعمرها هو ومن معه، وأسس فيها إمارته، لتكون نواة مدينة كبرى، ومركزًا تجاريًا وزراعيًا مهمًا في قلب شبه الجزيرة العربية.
وقد نشأت إمارة آل أبو عليان متزامنة مع نشأة مدينة بريدة ذاتها، فكانتا توأمين في التاريخ؛ إذ تولّت الأسرة حكم بريدة وما يتبعها من منطقة القصيم لقرون متعاقبة، حتى تحولت من بلدة صغيرة إلى مدينة مزدهرة. ومع اتساع نفوذهم، أصبحت بريدة عاصمةً للقصيم، وواحدة من أهم مراكز نجد السياسية والاقتصادية قبل توحيد المملكة العربية السعودية – حرسها الله.
ويهمنا في هذا المقال تحديد موقع ذلك البئر، الذي يُعد نواة تأسيس المدينة ومحور انطلاق نهضتها، وذلك على وجه الدقة واليقين ضمن حدود مدينة بريدة الإدارية.
وقبل تحديد موقعه، أودّ الإشارة إلى أن الأستاذ تركي القهيدان وفقه الله قد ذكر أن موقع هذا البئر يقع في ضرية، وذلك في مقالٍ نشرته جريدة الجزيرة في عددها الصادر بتاريخ 15/12/2025م، حيث جاء في مضمونه: انه يتضح له جلياً أن الشراء في ضَرِيَّة لبئرٍ اسمها بُرَيْدَة. وليس خافياً على الباحثين أن العرب تسمي الآبار باسم بُرَيْدَة. قال الهمداني(280 – 334 هـ) ومن الآبار العجيبة: البئر المعطلة بُرَيْدَة.(صفة جزيرة العرب ص 200).
ويضيف إن قرب ضَرِيَّة ماءٌ لبَني ضَبِيْنَة اسمها بُرَيْدَة ويَومُ بُرَيْدَة من أَيّامهم. قال ياقوت بُرَيْدَة: تصغير بردة: ماءٌ لبَني ضَبِيْنَة.. ويَومُ بُرَيْدَة من أَيّامهم.(1/ 406). وعندما عدَّدَ لُغَدة مياه ضَبِيْنَة قال: ثم الجَعْمُوسَةُ ثم هَرَامِيتُ ثم بُرَيْدَة ثم القادِمَةُ.(بلاد العرب لُغَدة الأصفهاني، ص87). وفي معجم البلدان هَرَامِيتُ: بئر عن يسار ضَرِيَّة.(5/ 396).
وعلى هذا، يظهر للأستاذ تركي القهيدان أن ابن هذال قد أطلق اسم “بئر بريدة” — وهو اسم قصبة القصيم — على البئر الواقعة قرب ضرية. ومما يدعم هذا الرأي أن الشراء تم في ضَرِيَّة حسب ما ورد في مخطوطة ابن عيسى. كما سميت في وقتنا الحالي أُشَيْقِر قرب الحَيَّانِيِّة بحائل على أُشَيْقِر الأم.
وأقول مناقشا فيما ذهب إليه الأستاذ تركي القهيدان: إن المؤرخين يُجمعون على أن الأمير راشد الدريبي قدم إلى موضع بريدة الحالي في القرن العاشر الهجري، حيث اشترى بئر ابن هذال، وبدأ من ذلك الموضع إعمار بريدة وتأسيس نواتها العمرانية. . وهذا لاينفي ان ال ابوعليان حلوا فترة من الزمن وهي فترة مؤقتة في ضرية. ولم يشذ عن هذا الاجماع اي مصدر بل جاءت متواترة على أن بريدة في الأصل ماء لابن هذال من شيوخ عنزة واشتراها منهم الدريبي رئيس ال عليان من العناقر من بني سعد مناة بن تميم (وعمرها) وسكنها هو ومن معه من عشيرته ومن أشهرهم المؤرخ صالح بن عيسى الذي نص صراحة في مخطوطة بخط يده من شراء ذلك البئر من ابن هذال من قبل راشد الدريبي وان ال ابوعليان (عمروها وسكنوها).
ويؤيّد هذا القول ما أورده الأمير سعود بن هذلول في كتابه تاريخ آل سعود، من أن راشد الدريبي قام بعمارة البلدة وتأسيسها، وبناء أسوارها حول هذا البئر سنة 985هـ.
كما أكد المؤرخ ابن بليهد نشأة بريدة بوصفها المدينة المعروفة في ذلك الوقت، وأن الإمارة بقيت في يدهم حتى سنة 1287هـ.
ويعزّز ذلك أيضًا ما ذكره المؤرخ ابن عبيد في كتابه تذكرة أولي النهى والعرفان، حيث أشار إلى أن بريدة كانت بئر ماء لآل هذال، فاشتراها منهم راشد الدريبي العنقري التميمي، ثم قام بعمارتها.
فلم يذكر المؤرخون أن عشيرة آل أبو عليان قد عمّروا بئرًا غير بئر بريدة، أو أقاموا حول بئرٍ آخر أسوارًا أو أسواقًا سوى هذا البئر المعروف الذي قامت عليه نواة المدينة.
وهذا لا ينفي احتمال وجود آبارٍ أو موارد مياه أخرى تحمل الاسم ذاته في أنحاء مختلفة من شبه الجزيرة العربية، كحال مورد “بريدة” في ضرية، الذي يُعد موردًا لسقيا إبل وأغنام البدو الرحّل. فتكرار الأسماء في الجغرافيا العربية أمرٌ شائع ومقبول تاريخيًا، ومن أمثلته:
طرابلس (لبنان وليبيا)،الإسكندرية (مصر والعراق)، جبة (العراق، سوريا، اليمن)، القنيطرة (سوريا والمغرب)، المنصورة (مصر، العراق، المغرب)، والكرك (الأردن ولبنان) حتى مدينة بريدة هذه لها صنوان في الجزائر وغيرها الكثير.
كما يجدر التنبيه إلى أن المسافة بين بئر بريدة الذي عمّرته أسرة آل أبو عليان، وأُقيمت عليه المدينة بأسوارها ومساكنها وأسواقها وجامعها، وبين مورد المياه في ضرية المسمى “بريدة”، تتجاوز 260 كيلومترًا. ولم يرد في كتب التاريخ أن هذا المورد الأخير قد عُمّر أو أُقيمت حوله منشآت عمرانية، أو وُجدت به آثار تدل على نشوء استقرار بشري مماثل.
وقد تناول علامة الجزيرة العربية الشيخ حمد بن محمد الجاسر والدكتور صالح العلي هذا الموضوع في كتاب حققاه اسمه (بلاد العرب) من تأليف الشيخ الحسن بن عبدالله الأصفهاني نشرته دار اليمامة بالرياض وساعد المجمع العلمي العراقي على نشره خلصا فيه ان لفظ بريدة التي وردت في معاجم البلدان القديمة وانها مورد ماء لبني ضبينة في القديم هو من الوهم وأن ما جاء في بعض المؤلفات الحديثة من أن بريدة المدينة المعروفة هي في القديم هذا الماء إذ هذا في غرب إقليم السر بقرب جبلة وبريدة المدينة بعيدة عن منازل بني غنى تقع شمالها بمسافة تبلغ مئات الأميال.
وعلى هذا، فإن الراجح والمستقر عليه – استنادًا إلى القرائن التاريخية والجغرافية – أن البئر التي اشتراها راشد الدريبي من ابن هذال هي البئر التي قامت عليها مدينة بريدة الحالية.
ولهذا أقول – وبالله التوفيق –:
لما كنتُ بصحبة والدي – رحمه الله – في زيارة إلى عمه عبد الله بن جارالله العجلان آل أبو عليان، في منزله الواقع غرب سوق قبة رشيد، قادمين من الرياض صلةً للرحم، وذلك في صيف عام 1391هـ (وقد توفي – رحمه الله – بعد هذا اللقاء بسنة واحدة)، وكنتُ حينها صغير السن؛ دار بين والدي وعمه حديث حول موقع بئر ابن هذال المشهور داخل مدينة بريدة.
ورغم حداثة سني آنذاك، إلا أن شغفي بتاريخ بريدة جعلني أعي ما كان يُقال. وقد وصف عم والدي موقع البئر وصفًا دقيقًا، رغم ما طرأ على المدينة من اتساع وتغيّر في معالمها نتيجة نزع الملكيات وشق الطرق وتعاقب السنين، فقال:
إن هذا البئر – الذي كان يسميه “بئر مدينة بريدة” – يُعد علامة فارقة في تاريخها؛ فمتى ذُكر تاريخها ذُكر معه، فهما توأمان لا ينفصلان. وهو من أبرز مقوماتها التي قامت عليها.
وأوضح أنه يقع جنوب بوابة جامع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد – رحمه الله – (الجامع الكبير ببريدة سابقًا)، وعلى مسافة تُقدّر بنحو (12) مترًا تقريبًا.
وأضاف أن المصلين والمتسوقين والباعة ورواد أسواق قبة رشيد وداحس والوسعة والجردة، إلى جانب تجار القشلة وفئة الصناع وطلبة العلم، وكذلك الفلاحين القادمين بمنتجاتهم من الخبوب الغربية، كانوا يعتمدون عليه في الوضوء والاغتسال. وقد عُرف ماؤه بصلاحيته للشرب والاستعمال، بل وكان يزداد عذوبة ووفرة بعد نزول الأمطار.
كما ذكر أن منسوب الماء فيه قريب من سطح الأرض، لا يتجاوز نحو عشرين مترًا، وكان يُستخرج بواسطة دلو مربوط بمحالة (بكرة) من الحديد. وكانت المواشي – من الإبل والأغنام والأبقار والحمير – ترده للشرب، خاصة ما يُعرض منها للبيع في سوق الجردة. وقد بُني هذا البئر بإحكام من الحجر.
وختم – رحمه الله – قوله مؤكدًا أن موقعه اليوم مطمور تحت الجزيرة الوسطية من طريق الملك فيصل، مقابل بوابة الجامع الجنوبية، حيث يكثر دخول المصلين.
وقد أكّد لي والدي – رحمه الله – صحة ما ذكره عمه – رحمه الله –، مؤيدًا ذلك بأنه عاصر البئر وشاهد موقعه على الطبيعة قبل اندثاره، وهو ما يضفي على هذه الرواية قدرًا عاليًا من الموثوقية، لقيامها على شهادة مباشرة من معاصرين للموقع، لا سيما مع تطابق الوصف مع المعالم الجغرافية المعروفة في تلك الجهة من مدينة بريدة.
وقد أُرفقت مع هذا المقال مخططٌ مستخرج من خرائط Google، تظهر عليه علامة حمراء تشير إلى الموقع التقديري للبئر.