جامع الجردان في مدينة بريدة معلم من ذاكرة الأسرة وحي الخالدية
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان يقع جامع الجردان في الجهة الشرقية من مدينة بريدة، شرق شارع الخبيب سابقًا، شارع الملك عبدالعزيز حاليًا، وفي قلب حي الخالدية، الذي كان في الثمانينيات الهجرية من الأحياء السكنية الهادئة والمهمة في المدينة.
وتشير الروايات المتداولة محليًا إلى أن الجامع بُني عام 1363هـ، الموافق لسنة 1944 م وأن بناءه كان على نفقة والدة الأمير عبدالله بن فيصل آل فرحان، أحد أمراء بريدة في تلك الحقبة. ومنذ إنشائه أصبح الجامع أحد معالم الحي، ومركزًا للعبادة والتعليم، ومكانًا يجتمع فيه أهل الحي لأداء الصلوات وحضور الدروس والمناسبات الدينية والاجتماعية.
الشيخ علي الجارالله العجلان آل أبو عليان من أوائل مؤذني الجامع ارتبط جامع الجردان بتاريخ أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان ارتباطًا وثيقًا، ومن أبرز من عُرفوا فيه في أوائل الثمانينيات الهجرية الجد الشيخ علي الجارالله العجلان آل أبو عليان رحمه الله. فقد كان قبل ارتباطه بجامع الجردان من رجال العقيلات، ممن عرفوا بالأسفار والرحلات التجارية بين القصيم وبلاد الشام والعراق ومصر وغيرها.
فقد كان رحمه الله من أوائل المؤذنين المعروفين في الجامع في تلك الفترة، واشتهر بين أهل الحي بحسن صوته وحرصه على الحضور وأداء الأذان في أوقاته بعد أن يعتلي منارة المسجد عندما كان مبنيا بالطين.
الشيخ القاضي عبدالرحمن بن سليمان الجارالله العجلان آل أبو عليان وإمامته للجامع ولم تقتصر صلة الأسرة بالجامع على الأذان، فقد تولى معالي العم فضيلة الشيخ القاضي عبدالرحمن بن سليمان الجارالله العجلان آل أبو عليان رحمه الله الخطابة والإمامة فيه مدة من الزمن، ليبقى الجامع شاهدًا على حضور عدد من رجال الأسرة في الحياة الدينية والاجتماعية للحي.
الشيخ محمد بن عبدالله السبيل وإمامته للجامع ومن أبرز العلماء الذين ارتبط اسمهم بجامع الجردان في تلك المرحلة فضيلة الشيخ محمد بن عبدالله السبيل رحمه الله.
ففي عام 1382هـ عُيّن الشيخ محمد السبيل إمامًا وخطيبًا للجامع، واستمر في ذلك حتى عام 1385هـ، إلى جانب عمله أستاذًا في المعهد العلمي في بريدة.
وكان للشيخ السبيل نشاط علمي ودعوي في الجامع، حيث كان يقدم دروسًا منتظمة للمصلين، ويجتمع حوله طلاب العلم وأهل الحي.
دور الشيخ محمد بن علي الجارالله العجلان آل أبو عليان في خدمة جامع الجردان كان لوالدي الشيخ محمد بن علي الجارالله العجلان آل أبو عليان رحمه الله دورٌ بارز في خدمة الجامع، إذ كان يُنيبه الشيخ محمد بن عبدالله السبيل رحمه الله في الإمامة عند غيابه، ويعهد إليه بالقراءة على المصلين في شهر رمضان من الكتب المعتبرة، وهو ما يعكس ما كان يحظى به والدي من ثقةٍ وتقدير، وما عُرف عنه من تمكنٍ في اللغة العربية، وحسن قراءةٍ وإلقاء، وحضورٍ وهيبةٍ تؤهله للقيام بهذه المسؤولية الدينية.
وقد مثّل ذلك امتدادًا لحضور الأسرة في جامع الجردان، الذي جمع بين العبادة والتعليم وخدمة أهل الحي، وأصبح جزءًا من الذاكرة الدينية والاجتماعية للأسرة ولأهالي الخالدية.
من جامع الجردان إلى المسجد الحرام وتكتسب فترة إمامة الشيخ محمد بن عبدالله السبيل في جامع الجردان أهمية خاصة في سيرته؛ فقد كانت مرحلة مبكرة من حياته العلمية والدعوية، قبل انتقاله لاحقًا إلى مكة المكرمة وتعيينه إمامًا وخطيبًا في المسجد الحرام، وهو المنصب الذي ارتبط باسمه واشتهر به على مدى عقود.
وهكذا يحتفظ جامع الجردان بصفحة مهمة من تاريخ بريدة الديني والعلمي؛ فقد شهد في فترة مبكرة من تاريخه حضور عدد من أهل العلم ورجال الأسرة، وكان من الأماكن التي التقت فيها العبادة والتعليم وخدمة المجتمع.
ولأسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان مع هذا الجامع ذكريات متعددة، امتدت عبر أجيال، من أذان الجد الشيخ علي الجارالله، إلى إمامة وخطابة الشيخ عبدالرحمن الجارالله، ثم مشاركة الوالد الشيخ محمد بن علي الجارالله في الإمامة والقراءة على المصلين، في مرحلة كان فيها الجامع جزءًا أصيلًا من حياة الأسرة وحي الخالدية.
ومن هنا لا يُذكر جامع الجردان بالنسبة للأسرة بوصفه مسجدًا قديمًا فحسب، بل بوصفه جزءًا من تاريخها وذاكرتها، ومكانًا ارتبط بأسماء رجال من الأسرة وبأحداث وذكريات بقيت حاضرة في وجدان أبنائها.
ترتبط بريدة في وجدان أسرة آل أبو عليان بتاريخ طويل من الاستقرار والانتماء والعطاء؛ فهي ليست مجرد مدينة أقام فيها الآباء والأجداد، وإنما هي موطن الأسرة، وذاكرة أجيالها، ومهد أبنائها، ومصدر كثير من قصصها وذكرياتها. انظر الى هذا الموضوع
وتذكر الكتب التاريخية الكثيرة المعتبرة والنسابة المشهورين الثقاة والرواية الشفوية المتواترة المتوارثة في الأسرة أن أسرة آل أبو عليان انتقلت من ثرمداء في إقليم الوشم إلى منطقة القصيم سنة 985 هـ، وأسسوا فيها مدينة بريدة، وشيدوا قلعتها وأقاموا جامعها وبنوا أسواقها التي أصبحت موطنهم ومستقرهم ومستودعهم ومركز حياتهم، ومنها امتد حضورهم في المنطقة. ومع مرور الزمن نمت مدينة بريدة واتسعت، ونشطت فيها الأسواق والتجارة والزراعة، وأقيمت المساجد والمرافق، وأصبحت من المدن المهمة في نجد. انظر الى هذا الموضوع
وقد ارتبط تاريخ آل أبو عليان بتاريخ بريدة ارتباطًا وثيقًا لا يقبل التجزئة إذ تولوا إمارتها وحكموا منطقة القصيم قرونًا متعاقبة، فكانت المدينة مسرحًا لكثير من أحداث تاريخهم، ومكانًا عاش فيه آباؤهم وأجدادهم، وتركوا فيه آثارهم وذكرياتهم. مؤيدة للدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة المعاصرة ومناصرة لها على الدوام رافعة رايتها وقدّم أبناؤها وقادتها التضحيات، واستُشهد عددٌ منهم في سبيل توحيد البلاد وإرساء دعائم الدولة السعودية، منطلقين من دستورها: كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن مدينة بريدة انطلقت رحلات التجارة وقوافل العقيلات إلى بلاد الشام والعراق ومصر وشرق الأردن والسودان وغيرها من الجهات، فكان أبناؤها يجوبون البلدان طلبًا للرزق والتجارة، ثم يعودون إلى مدينتهم التي ظلت موطنهم ومرجعهم.
كما ازدهرت في بريدة الزراعة والصناعة ، واشتهرت بالنخيل وإنتاج التمور ومشتقاته ، إلى جانب الفواكه والخضروات وسائر المحاصيل التي عرفت بها المنطقة. وكانت المزارع والبساتين جزءًا من حياة أهلها، ومصدرًا من مصادر الرزق والاستقرار.
واشتهرت مدينة بريدة كذلك بأسواق الإبل والمواشي، وبخاصة سوق الإبل الذي ارتبط بتاريخ المدينة التجاري، ثم واصلت بريدة في العصر الحديث نموها واتساعها، وأصبح مهرجان بريدة للتمور مناسبة اقتصادية وتراثية بارزة، يعكس جانبًا من تاريخ المدينة الزراعي والتجاري والاقتصادي ومكانة التمور في حياتها.
ولأسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان وعموم اسر ال أبو عليان مع بريدة علاقة تتجاوز المكان؛ فهي علاقة بالآباء والأجداد، وبالبيوت القديمة، والمساجد، والأسواق، والمزارع، ومجالس الرجال، وذكريات الطفولة، والصبا والشباب وأيام التجارة والأسفار. وفي ترابها عاش ودفن الأجداد ومنها انطلقت أجيال إلى مدن المملكة ومناطقها المختلفة، حاملين معهم أسماء أسرهم وذكريات مدينتهم.
وقد ابتعد البعض من أبناء الأسرة عن بريدة بحكم العمل أو الدراسة أو التجارة بالانتقال إلى مدن أخرى، غير أن البعد لم يقطع الصلة بها؛ فبقيت حاضرة في الذاكرة، والقلب وظل اسمها مرتبطًا بالأسرة في وجدان أبنائها وأحفادها.
إن حب بريدة عند أبناء الأسرة ليس مجرد حنين إلى مكان، وإنما هو وفاء لجذور وذكريات وتاريخ؛ فهي المدينة التي ارتبط بها اسم الأسرة عبر أجيال، ومنها بدأت صفحات كثيرة من حياتهم، وفيها بقيت آثار الآباء والأجداد.
ولهذا تبقى بريدة في ذاكرة أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان وعموم أسر آل أبو عليان وطنًا للآباء والأجداد، وموطنًا للذكريات، ومدينةً لها مكانتها الخاصة في القلب؛ مهما امتدت رحلة الأبناء إلى مدن أخرى، ومهما باعدت بينهم وبينها الأيام والمسافات.
فبريدة ليست بالنسبة إلينا نحن أسر آل أبو عليان اسمًا في كتاب تاريخ، ولا مجرد مكان في خارطة المملكة العربية السعودية (حفظها الله ) بل إنها جزء من تاريخ الأسرة وذاكرتها وهويتها، ومن أجمل ما ورثته الأجيال عن آبائها وأجدادها.
مزنة بنت عبدالله أبا الخيل وحصة بنت عبدالله أبا الخيل أختان جمعتهما المصاهرة وتبادل اسميهما بين ذريتهما
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
من النساء اللاتي ارتبط اسمهن بتاريخ أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان الجدة مزنة بنت عبدالله أبا الخيل، التي تزوجها الجد جارالله العجلان آل أبو عليان، وأنجبت له أبناءه: سليمان وعلي، وعبدالله، وإبراهيم، وحسن، وصالح، وحصة.
وكان لمزنة أخت شقيقة هي حصة بنت عبدالله أبا الخيل، وقد تزوجها صالح بن عبدالله بن حمود الدخيل آل أبو عليان (راعي السادة) فأصبحت الأختان زوجتين لرجلين من أسرة آل أبو عليان، في صورة من صور المصاهرة التي كانت تربط بين الأسر في مجتمع بريدة.
ومن الطرائف الجميلة التي حفظتها ذاكرة الأسرة أن مزنة بنت عبدالله أبا الخيل، عندما رزقت بابنتها، سمتها حصة (تزوجت من عبدالله الصلال)، تيمّنًا باسم أختها الشقيقة حصة بنت عبدالله أبا الخيل.
وفي المقابل، فإن أختها حصة بنت عبدالله أبا الخيل، عندما رزقت بابنتها، سمتها مزنة،(توفيت صغيرة) تيمّنًا باسم أختها مزنة بنت عبدالله أبا الخيل.
وهكذا جرى بين الأختين تبادل الاسمين في الجيل التالي؛ فسمّت مزنة ابنتها باسم حصة، وسمّت حصة ابنتها باسم مزنة، في دلالة لطيفة على ما كان بينهما من المحبة والمودة، وعلى مكانة الأخت في نفس أختها.
وتبقى هذه الحكاية العائلية البسيطة ذات دلالة جميلة؛ فهي لا توثق أسماء الأجداد والجدات والذرية فحسب، وإنما تكشف جانبًا من المحبة وصلة الرحم وروابط المصاهرة التي كانت تجمع الأسر، وتبين كيف كانت الأسماء تنتقل بين الأجيال تخليدًا لذكر الأحبة.ولم يتوقف حضور اسم مزنة عند هذا الجيل، بل امتد في ذرية الأسرة؛ فعندما تزوج والدي محمد بن علي الجارالله العجلان، سمى أكبر بناته (مزنة)، تيمّنًا باسم جدته مزنة بنت عبدالله أبا الخيل، فظل اسمها حاضرًا في الأسرة وانتقل من جيل إلى جيل.
وتبقى هذه الحكاية العائلية الجميلة ذات دلالة خاصة؛ فهي لا توثق أسماء الأجداد والجدات والذرية فحسب، وإنما تكشف جانبًا من المحبة وصلة الرحم وروابط المصاهرة التي جمعت بين الأسرتين، وتبين كيف كانت الأسماء تنتقل بين الأجيال تخليدًا لذكر الأحبة.
وتستحق مزنة بنت عبدالله أبا الخيل وأختها حصة بنت عبدالله أبا الخيل أن تحفظ سيرتهما في سجل تاريخ الأسرة، باعتبارهما من الأمهات اللاتي امتدت ذريتهن في أسرتي الجارالله العجلان والدخيل من آل أبو عليان، وباعتبار ما بقي من أسمائهما في ذرية الأسرة شاهدًا على مكانتهما وذكرهما.
كلمة اسرة الجارالله العجلان ال أبو عليان بمناسبة اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين لعام 2026م
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان ال أبو عليان
الحمد لله الذي أنعم على هذه البلاد بالأمن والإيمان، ووحّد كلمتها، وألّف بين قلوب أهلها، وجعلها مهوى أفئدة المسلمين، ومهبط الوحي، وقبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها،
في هذه المناسبة الوطنية الغالية، نحتفي جميعًا باليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، ونستعيد ذكرى عزيزة على قلب كل مواطن ومواطنة، هي ذكرى توحيد هذه البلاد المباركة على يد جلالة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، الذي جمع الشتات، ووحّد الكلمة، وأرسى دعائم دولة حديثة قامت على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
إن اليوم الوطني ليس مجرد مناسبة تتكرر في التقويم، ولا يومًا للاحتفال فحسب، وإنما هو مناسبة نستحضر فيها قصة وطن، ومسيرة أمة، وتضحيات رجال، وعزيمة قائد استطاع، بعد توفيق الله، أن يحوّل التفرق إلى وحدة، والخوف إلى أمن، والاضطراب إلى استقرار، وأن يؤسس دولة أصبحت، بفضل الله، واحدة من الدول المؤثرة والمهمة على المستويين الإقليمي والعربي والدولي.
لقد كان جلالة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن ، رحمه الله، يدرك أن بناء الدولة لا يكون بالتمني وحده، وإنما ببناء الإنسان، وترسيخ الأمن، وتحقيق العدل، وتوحيد الصف، وإقامة الحكم على أساس راسخ من العقيدة والشريعة والقيم العربية الأصيلة.
ومن هنا بدأت مسيرة الدولة السعودية الثالثة الجديثة المملكة العربية السعودية.
مسيرة طويلة تعاقب عليها أبناء المؤسس الملوك: سعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وعبدالله، رحمهم الله جميعًا، ثم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، الذي واصل مسيرة البناء والتطوير، وحمل مسؤولية هذه الدولة العريقة في مرحلة تاريخية دقيقة، وسار بها نحو آفاق واسعة من التطور والنهضة.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبدعم ومتابعة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، تشهد المملكة مرحلة استثنائية من التحول الوطني، تستند إلى رؤية طموحة وشاملة هي «رؤية السعودية 2030»، التي أعادت صياغة كثير من جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنموية، وفتحت أمام أبناء الوطن أبوابًا واسعة من الطموح والعمل والإنجاز.
لقد أصبح المواطن السعودي اليوم يرى وطنه يتغير أمام عينيه؛ مدنًا تتطور، ومشروعات كبرى تنطلق، واقتصادًا يتنوع، وتقنية تتقدم، وفرصًا جديدة تُتاح للشباب والشابات، ومجالات الثقافة والسياحة والترفيه والرياضة تستقطب اهتمام العالم.
ولم تعد المملكة تنظر إلى المستقبل باعتباره أمرا ضبابيا بل أصبحت تصنع مستقبلها بإرادة وطنية واضحة، وتخطيط طويل المدى، وطموح لا يعرف المستحيل.
إن من أعظم ما يميز المملكة العربية السعودية أنها ليست دولة عادية في تاريخها أو مكانتها؛ فهي أرض الحرمين الشريفين، وقبلة مليار ي مسلم، وبلاد ارتبط تاريخها بخدمة الإسلام والمسلمين، ولذلك فإن مسؤولية المحافظة على أمنها واستقرارها ومكانتها مسؤولية عظيمة تقع على عاتق الجميع.
وفي هذا اليوم الوطني، نستذكر كذلك نعمة الأمن.
فالأمن نعمة لا يعرف قيمتها إلا من فقدها، والاستقرار أساس كل تنمية، ومن دون الأمن لا يمكن أن تزدهر الاقتصادات، ولا تُبنى الجامعات، ولا تتطور المدن، ولا يعيش الإنسان مطمئنًا على نفسه وأهله وممتلكاته ومستقبل أبنائه.
ومن نعم الله على المملكة أنها تنعم بالأمن والاستقرار، وأن أبناءها يعيشون في وطن تتوافر فيه مقومات الحياة الكريمة، وأن الدولة سخرت إمكاناتها الكبيرة لخدمة المواطن والمقيم، والمحافظة على أمن البلاد ومقدراتها.
ومن الوفاء للوطن أن نعترف بأن ما تحقق لم يكن وليد يوم أو عام، وإنما جاء نتيجة عقود طويلة من العمل المتواصل، والتخطيط، والتضحيات، والإخلاص من رجال ونساء هذا الوطن.
ولذلك فإن الاحتفال باليوم الوطني ينبغي ألا يكون مجرد مظاهر احتفالية، وإنما يجب أن يكون مناسبة لتجديد العهد بالعمل، والإخلاص، والمحافظة على مكتسبات الوطن.
فالوطن لا يبنى بالكلمات وحدها، وإنما يبنى بالعلم والعمل، وبالإتقان، واحترام الأنظمة، والمحافظة على الممتلكات العامة والخاصة ، وخدمة المجتمع، وتربية الأبناء على حب الوطن والاعتزاز به، والحرص على وحدته وتماسكه.
إن حب الوطن الحقيقي ليس شعارًا نردده، وإنما سلوك نمارسه في حياتنا اليومية.
فالموظف يخدم وطنه بإخلاصه وأمانته، والطبيب يخدم وطنه بعلمه ورعايته للمرضى، والمعلم يخدم وطنه بتربية الأجيال، والمهندس يخدم وطنه بإتقانه، ورجل الأعمال يخدم وطنه باستثماره وتوفير فرص العمل، والجندي يخدم وطنه بحماية حدوده وأمنه، والطالب يخدم وطنه باجتهاده وتحصيله، وكل فرد يستطيع أن يقدم شيئًا لوطنه مهما كان موقعه.
كما أن مسؤوليتنا تجاه وطننا تقتضي المحافظة على وحدته الوطنية، والابتعاد عن كل ما يثير الفرقة أو التعصب أو الإساءة إلى الآخرين.
فالمملكة قامت على الوحدة، واستمرت بالوحدة، وستزداد قوة بالوحدة.
ومن أجمل ما نراه اليوم أن أبناء المملكة، رغم اختلاف مناطقهم ومدنهم وتخصصاتهم، يجتمعون تحت راية واحدة، وقيادة واحدة، واسم واحد هو المملكة العربية السعودية.
راية التوحيد التي تحمل شهادة «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وهي راية تحمل في معناها عقيدة هذه البلاد وهويتها ورسالتها.
إننا ونحن نحتفل باليوم الوطني السادس والتسعين في عام 2026م، لا ينبغي أن ننظر إلى الماضي فقط، وإنما علينا أن ننظر إلى المستقبل أيضًا.
فالمملكة اليوم أمام مرحلة جديدة من الإنجاز، وأمام جيل شاب يمتلك من التعليم والمعرفة والطموح ما يؤهله للمنافسة عالميًا.
وهذا الجيل هو الثروة الحقيقية للوطن.
إن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به الدول هو الاستثمار في الإنسان، والمملكة تدرك هذه الحقيقة، ولذلك كان التعليم، والتدريب، وتمكين الشباب، وتطوير القدرات، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، من أهم المسارات التي تتقدم بها البلاد نحو المستقبل.
وإذا كان الملك المؤسس رحمه الله قد وحّد البلاد وأرسى دعائم الدولة، فإن مسؤولية الأجيال الحالية تتمثل في المحافظة على هذا الإرث العظيم، وتطويره، والارتقاء بالمملكة إلى المكانة التي تستحقها.
ومن حق الأجيال القادمة علينا أن نترك لهم وطنًا أكثر تقدمًا وأمنًا وازدهارًا، وأن نحافظ على مقدراته وثرواته، ونصون تاريخه وتراثه، وننقل إليهم قيم العمل والصدق والأمانة والانتماء.
وفي هذه المناسبة الوطنية، لا ننسى شهداء الوطن ورجال أمنه وجنوده الذين قدموا أرواحهم دفاعًا عن أرضه وأمنه، ولا ننسى كل من أسهم في بناء هذه الدولة منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا.
كما نستحضر آباءنا وأجدادنا الذين عاشوا مراحل تأسيس الوطن الأولى، وتحملوا صعوبة الحياة، وأسهموا في بناء المجتمع، وربوا أبناءهم على القيم والأخلاق والاعتماد على النفس.
وإذا كان لنا أن نفتخر بتاريخ وطننا، فإن علينا في الوقت نفسه أن نكون جديرين بهذا التاريخ.
إن الأوطان لا تستمر عظمتها بالماضي وحده، وإنما تستمر عندما يحول أبناؤها أمجاد الماضي إلى دافع لصناعة المستقبل.
إن المملكة العربية السعودية اليوم تقف بثقة أمام العالم، مستندة إلى تاريخ عريق، واقتصاد قوي، ومكانة دينية وسياسية واقتصادية متقدمة، وطموح وطني كبير.
وما نراه من مشروعات عملاقة، وتحولات اقتصادية، وتطور تقني، ونهضة ثقافية وسياحية، وانفتاح على العالم، يؤكد أن المملكة تسير بخطى ثابتة نحو مستقبل مختلف، مع المحافظة على ثوابتها وهويتها وقيمها.
وإن من أجمل ما يمكن أن نقوله في هذه المناسبة: إن الوطن ليس الأرض التي نعيش عليها فقط، ولا السماء التي نستظل بها وإنما هو الذاكرة والتاريخ والهوية والانتماء، وهو البيت الكبير الذي يجمعنا جميعًا.
ولذلك فإن المحافظة على الوطن مسؤولية مشتركة، ولهذا يجب ألا يختلف أبناء الوطن على محبة وطنهم ووحدته وأمنه واستقراره.
وفي هذه المناسبة الغالية، نجدد الولاء والوفاء لقيادتنا الرشيدة، ونسأل الله أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وأن يمده بالصحة والعافية، وأن يوفقه لكل خير، وأن يحفظ سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وأن يعينه ويسدده، وأن يحقق على يديه مزيدًا من الخير والازدهار للمملكة وشعبها.
وتسال أسرة الجارالله العجلان ال أبو عليان الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، وأن يديم عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار والرخاء، وأن يحفظ حدودها وجنودها ورجال أمنها، وأن يديم على أهلها نعمة الوحدة والتلاحم والرخاء.
وندعو الله ان يحفظ بلادنا من كل سوء، وان يديم عليها نعمة الأمن والإيمان، وان يحفظ الحرمين الشريفين، وان يوفق القائمين على خدمتهما، وان يجعل المملكة دائمًا بلدًا للأمن والسلام والخير.
وفي الختام، نقول بكل فخر واعتزاز:
هذا وطننا، وهذه رايتنا، وهذا تاريخنا، وهذه مسؤوليتنا.
نفتخر بماضينا، ونعتز بحاضرنا، ونثق بمستقبلنا.
وستبقى المملكة العربية السعودية، بإذن الله، وطنًا شامخًا عزيزًا، يجمع أبناءه تحت راية التوحيد، ويواصل مسيرته بثبات نحو مستقبل أكثر إشراقًا.
كل عام ووطننا الغالي بخير وعز وأمن وأمان.
كل عام والمملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا في رفعة وازدهار.
حفظ الله المملكة، وحفظ قيادتها، وحفظ شعبها، وأدام عليها عزها ومجدها واستقرارها
يسر أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان أن ترفع إلى سموه الكريم أسمى آيات التهاني والتبريكات، بمناسبة صدور الأمر الملكي الكريم بتمديد خدمة سموه أميرًا لمنطقة القصيم.
وإننا إذ نهنئ سموه بهذه الثقة الملكية الكريمة، لنستذكر بكل تقدير ما شهدته منطقة القصيم في عهده من نهضة وتنمية متواصلة، وما يبذله من جهود مخلصة في خدمة المنطقة وأهلها، وتعزيز مسيرتها التنموية والحضارية، في ظل القيادة الحكيمة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظهما الله – سائلين الله تعالى أن يوفق سموه ويسدد خطاه، وأن يعينه على مواصلة مسيرة العطاء والإنجاز، وأن يديم على بلادنا أمنها وعزها واستقرارها، وأن يحفظ قيادتنا الرشيدة، ويديم على منطقة القصيم وأهلها الخير والنماء.
تستذكر أسرة الجارالله العجلان ال أبو عليان ذكرى البيعة.. وتجدد العهد والوفاء لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، سائلين الله أن يحفظه ويمدّه بالصحة والعافية، وأن يديم على وطننا الأمن والعز والرخاء.
ذكرى البيعة مناسبة نستحضر فيها مسيرة وطن، ونجدد فيها الولاء والوفاء لقيادتنا الرشيدة.
عامٌ يتلوه عام، وبيعةٌ تتجدد، وولاءٌ راسخ لقيادةٍ جعلت خدمة الوطن والمواطن نهجًا ومسؤولية.
في ذكرى البيعة، نسأل الله أن يحفظ ملكنا سلمان، وولي عهده، محمد بن سلمان وأن يديم على المملكة العربية السعودية عزها وأمنها واستقرارها.
بيعة وفاء، وعهد ولاء، ومسيرة وطن يمضي بثبات نحو المستقبل.
دور رجال ونساء أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان في التعليم
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
لم تكن إسهامات أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان محصورة في مجال واحد، بل امتدت عبر أجيال متعاقبة إلى ميادين متعددة أسهم فيها رجال الأسرة ونساؤها في خدمة مجتمعهم ووطنهم، وكان لهم حضور في الإدارة والقضاء والتجارة والاقتصاد، إلى جانب العلم والتعليم.
فقد تولى عدد من أبناء الأسرة أعمالًا ومهام في الإدارة العامة، وأسهموا في خدمة مؤسسات الدولة وتطوير العمل الإداري، كما برز منهم رجال في مجال القضاء والعلوم الشرعية، حملوا مسؤولية الفصل بين الناس وإقامة العدل، وكان لهم حضور في السلك القضائي والعلمي.
وفي مجال التجارة والاقتصاد، عُرف أبناء الأسرة منذ أجيال بالنشاط التجاري والعمل في الأسواق، وأسهموا في الحركة الاقتصادية في بريدة وغيرها من مدن المملكة، وامتدت أعمالهم إلى مجالات مختلفة، مستفيدين من خبرة الآباء والأجداد في التجارة، وما عُرف عنهم من الأمانة والثقة وحسن التعامل.
ومع تطور الدولة السعودية الحديثة واتساع مؤسساتها، انتقل حضور أبناء الأسرة إلى مجالات أرحب، فبرز منهم الموظف والمسؤول الإداري، والقاضي، والتاجر ورجل الأعمال، والأكاديمي والمعلم والباحث، وأصبح عطاؤهم جزءًا من مسيرة المجتمع في مراحل مختلفة من نموه وتطوره.
فقد كان للتعليم مكانة بارزة في مسيرة أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان، فقد اهتم أبناء الأسرة بالعلم والتعليم، ولهم مؤلفات علمية قيمة وبرز منهم رجال ونساء أسهموا في ميادين التعليم المختلفة، بين التحصيل العلمي، والتدريس، والتعليم الجامعي، والبحث العلمي، والإدارة التعليمية، والتدريب وتقنيات التعليم.
ومن أبرز النماذج:
الاستاذة الجوهرة بنت محمد بن علي الجارالله العجلان آل أبو عليان
كانت من أوائل نساء الأسرة اللاتي أسهمن في تعليم الفتاة، حيث التحقت بمجال التعليم وعملت معلمة، بعد تأهيلها و وتخرجها من معهد إعداد المعلمات، ولم تتوقف عند ذلك، بل واصلت تحصيلها العلمي حتى حصلت على درجة البكالوريوس من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ثم واصلت رسالتها التعليمية بكل جدارة في مدينة الرياض، في تدريس مواد الرياضيات في مدارس البنات لتكون بذلك نموذجًا مبكرًا ومشرفًا للمرأة في الأسرة التي جمعت بين طلب العلم وممارسة مهنة التعليم وخدمة المجتمع.
الدكتورة هند بنت محمد بن علي الجارالله العجلان آل أبو عليان
تمثل نموذجًا متميزًا للمرأة في الاسرة في مجال التعليم العالي والبحث الأكاديمي، حيث واصلت مسيرتها العلمية حتى نالت شهادة الدكتوراه، وتدرجت في السلم الأكاديمي حتى أصبحت أستاذة في الحديث والسنة وعلومهما بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، إلى جانب إسهاماتها العلمية والبحثية والإشراف الأكاديمي.
الشيخ عبد الكريم بن عبد الله بن سليمان الجارالله العجلان آل أبو عليان
بعد تخرجه من كلية الشريعة، عمل في مجال التعليم معلّمًا في عدد من مدن المملكة، ومن بينها محافظة حفر الباطن، كما عمل في منفذ الرقعي الحدودي على الحدود السعودية الكويتية، وإماما وخطيبا في عدة جوامع ليكون أحد النماذج من رجال الأسرة الذين مارسوا التعليم والتدريس والدعوة وخدمة المجتمع في مواقع متعددة.
الدكتورة أمل بنت صالح بن محمد بن إبراهيم الجارالله العجلان آل أبو عليان
تعد من النماذج البارزة في مجال التعليم وتقنيات التعليم؛ فقد واصلت دراستها العليا حتى حصلت على الماجستير من الولايات المتحدة الأمريكية Florida Institute of Technology في موضوع يتعلق بالكفاءة الذاتية في استخدام الحاسب واتجاهات تعلم مهارات الحوسبة، ثم حصلت على شهادة الدكتوراه، وتولت عددًا من المهام الأكاديمية والقيادية في جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن ، وأسهمت في التدريب والبحث العلمي في مجالات تقنيات التعليم والتعلم الإلكتروني والتعليم عن بعد، إضافة إلى مشاركتها في عدد من اللجان والمشروعات الأكاديمية.
الأستاذ علي بن محمد بن علي الجارالله العجلان آل أبو عليان
عمل في قطاع التعليم، بعد حصوله على درجة البكالوريوس من كلية الشريعة ومن ثم حصل على درجة الماجستير في القانون الخاص وتنقل خلال مسيرته العملية بين عدد من الجهات والمناطق التعليمية في المنطقة الشرقية ومحافظة الأحساء، ثم انتقل إلى إدارة تعليم منطقة الرياض، وأسهم خلال مسيرته في مجال التعليم والعمل التربوي والإداري والقانوني.
ولم تقتصر هذه النماذج على من سبق ذكرهم، بل كان هناك عدد من رجال ونساء الأسرة الذين كان لهم حضور في مجال التعليم، سواء من خلال العمل معلمين ومعلمات، أو في الجامعات، أو في الإدارات التعليمية، أو من خلال مواصلة الدراسات العليا والحصول على درجات الماجستير والدكتوراه.
وتكشف هذه المسيرة أن العلم والتعليم كانا قيمة راسخة في أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان، انتقلت من جيل إلى جيل، ولم يكن الاهتمام بالتعليم مقتصرًا على التحصيل الدراسي، بل امتد إلى تعليم الآخرين وخدمتهم، والبحث العلمي، والتطوير الأكاديمي، والإدارة التعليمية، والاستفادة من التقنيات الحديثة في التعليم.
كما أن مشاركة نساء الأسرة في التعليم منذ وقت مبكر، ومن بينهن الجوهرة بنت محمد بن علي الجارالله، ثم بروز نماذج أكاديمية مثل الدكتورة هند والدكتورة أمل، تؤكد تطور حضور المرأة في المسيرة التعليمية للأسرة عبر الأجيال، من مهنة التعليم المدرسي إلى التعليم الجامعي والدراسات العليا والبحث العلمي.
وهذه الأسماء ليست إلا نماذج من عطاء أبناء وبنات الأسرة في ميدان التعليم، وسيُضاف إليها تباعًا كل من عُرف عنه إسهام في هذا المجال، توثيقًا لعطائهم، وتعريفًا للأجيال القادمة برجال ونساء الأسرة الذين جعلوا من العلم والتعليم طريقًا للعطاء وخدمة المجتمع.
تُعدّ صلة الرحم من أعظم القيم التي تحفظ للأسرة تماسكها، وتجمع أفرادها على المحبة والتراحم والتعاون. فالأسر لا تقوى بكثرة أفرادها ولا بما تملكه من إمكانات فحسب، وإنما تقوى بعمق الروابط التي تجمع أبناءها، وبقدر ما يسود بينهم من مودة ووفاء وتواصل.
وقد حثّ الإسلام على صلة الرحم، وجعلها من الأعمال العظيمة التي تقرّب الإنسان إلى ربه، لما لها من أثر كبير في إصلاح العلاقات وتقوية المجتمع. فالرحم ليست مجرد معرفة الأسماء والأنساب، بل هي سؤال واهتمام، وزيارة وتواصل، ومشاركة في الأفراح، ومواساة في الأحزان، ووقوف إلى جانب القريب عند الحاجة.
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: 36] وقال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1 ] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الرعد: 21] وقال سبحانه محذرًا من القطيعة:
وقال رسول الله ﷺ: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه» رواه البخاري ومسلم. وقال ﷺ: «مَن أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه»
متفق عليه. وقال ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها» رواه البخاري.
وهذا الحديث الأخير يحمل معنى عظيمًا؛ إذ يبيّن أن صلة الرحم الحقيقية لا تكون فقط في مقابلة الإحسان بالإحسان، وإنما تظهر في المبادرة إلى التواصل والعفو والمحافظة على رابطة الأسرة حتى عند وجود الجفاء أو التقصير.
وفي زمن تتسارع فيه الحياة وتكثر فيه المشاغل، أصبح من المهم أن نحافظ على هذه الروابط وألا نسمح للانشغال أو البعد أو اختلاف وجهات النظر بأن يقطع ما أمر الله به أن يوصل. فكم من علاقة أسرية ضعفت بسبب تأجيل الاتصال، أو انتظار المبادرة من الطرف الآخر، أو تراكم عتابٍ كان يمكن أن يزول بكلمة طيبة.
إن الأسرة التي يحرص أفرادها على صلة الرحم هي أسرة أكثر قوة واستقرارًا؛ يعرف الصغير فيها كبار أسرته، ويتعلم من تجاربهم، ويشعر الكبير بأن أبناء الأسرة وأحفادها قريبون منه. ومن خلال هذا التواصل تنتقل القيم والذكريات والتاريخ من جيل إلى جيل، فلا تضيع الهوية الأسرية ولا تنقطع صلة الأبناء بماضيهم.
كما أن صلة الرحم لا تعني غياب الاختلاف، فاختلاف الآراء أمر طبيعي بين الناس، ولكن قوة الأسرة تظهر في قدرتها على تجاوز الخلاف، وتقديم المحبة وصلة الرحم على الخصومات العابرة. فالعاقل من يحفظ الود، ويصل من قطعه، ويبادر بالسلام، ويجعل مصلحة الأسرة ووحدتها فوق الاعتبارات الشخصية.
ومن هنا فإن مسؤولية المحافظة على صلة الرحم مسؤولية مشتركة بين جميع أفراد الأسرة؛ من خلال اللقاءات الأسرية، والسؤال عن الغائب، والاهتمام بالكبير، ومساعدة المحتاج، وتعريف الأبناء بأقاربهم وتاريخ أسرتهم. فهذه الأمور الصغيرة في ظاهرها تصنع مع الزمن روابط قوية لا تُقدّر بثمن.
إن صلة الرحم ليست واجبًا عابرًا نؤديه في المناسبات، بل هي أسلوب حياة يحفظ للأسرة قوتها، ويمنح أفرادها شعورًا بالانتماء والأمان. وحين نحافظ على أرحامنا، فإننا لا نحفظ الماضي وحده، بل نبني للمستقبل أسرة أكثر تماسكًا ومحبةً وترابطًا.
فصلة الرحم هي الجسر الذي يصل الماضي بالحاضر، ويحمل قيم الأسرة وذكرياتها إلى الأجيال القادمة، لتبقى الأسرة قوية ما بقي أفرادها متواصلين ومتراحمين.
«إن صلة الرحم ليست مجرد عادة اجتماعية، بل عبادة عظيمة، وحصن للأسرة، وجسرٌ يصل القلوب والذكريات والأجيال، وبها تبقى الأسرة متماسكة قوية، مهما باعدت بين أفرادها المسافات واختلفت بهم ظروف الحياة.»
الاستاذ ابراهيم بن عبدالله السلطان العرفج يهدي المستشار فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان نسخة من كتابه ال ابوعليان العشيرة والامارة.
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
كتاب «آل أبو عليان: العشيرة والإمارة – بريدة 950هـ–1288هـ» للأستاذ إبراهيم بن عبد الله السلطان العرفج، هو كتاب تاريخي توثيقي صدر حديثًا في طبعته الأولى سنة 2026م، من منشورات جداول للنشر والترجمة والتوزيع بيروت ويقع في نحو 367 صفحة.
قراءة سريعة في الكتاب:-
يُعد الكتاب إضافة مهمة إلى المكتبة التاريخية المتعلقة بتاريخ مدينة بريدة ومنطقة القصيم؛ لأنه يتناول تاريخ أسرة آل أبو عليان ودورها في تأسيس مدينة بريدة ونشأة إمارتها وتطورها عبر حقبة طويلة تمتد من القرن العاشر الهجري حتى أواخر القرن الثالث عشر الهجري.
وتبرز قيمة الكتاب في أنه لا يقف عند مجرد سرد أسماء الأمراء والأحداث، بل يحاول ربط تاريخ العشيرة بتاريخ المجتمع القصيمي نفسه، من حيث نشأة المدينة، والاستقرار، والتجارة، والتعليم، والعلاقات الاجتماعية والسياسية. وتشير نبذة الناشر إلى اهتمام الكتاب بدور الإمارة في التحولات الحضارية التي شهدتها المنطقة وبعلاقتها بتاريخ الدولة السعودية الأولى والثانية.
ومن خلال موضوع الكتاب، يمكن القول إن أهميته تتجلى في ثلاثة جوانب:
التوثيق التاريخي لدور أسرة آل أبو عليان في تاريخ بريدة وإمارتها.
إبراز البعد الاجتماعي والحضاري لنشأة المجتمع في القصيم، وليس الاقتصار على التاريخ السياسي.
تقديم مادة للأجيال الجديدة للتعرف على تاريخ الأسرة والمدينة والمنطقة، واستخلاص العبر من التجارب التاريخية.
لهذا فإن أهمية مثل هذا الكتاب لا تقتصر على أسرة آل أبو عليان وحدها، بل تتجاوز ذلك إلى كل المهتمين بتاريخ بريدة والقصيم ونجد؛ لأن تاريخ الأسر المؤسسة والقيادات المحلية يمثل جزءًا أصيلًا من تاريخ المدن والمجتمعات السعودية.
وخلاصة القراءة:
هذا الكتاب يمثل جهدًا توثيقيًا يستحق التقدير، ويبدو أنه يجمع بين تاريخ العشيرة (ألاسرة) والإمارة وتاريخ المدينة والمجتمع، وهو ما يجعله مرجعًا مهمًا للباحثين وأبناء الأسرة والمهتمين بتاريخ المنطقة.
ذكريات الطفولة في الأحياء القديمة من حي الخالدية بمدينة بريدة إلى أحياء مدينة الرياض
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
هناك أماكن لا تغادر الذاكرة، مهما ابتعدنا عنها، ولا تفقد حضورها مهما امتدت بنا السنوات. فهي ليست مجرد أحياء وشوارع وبيوت، بل صفحات من العمر، شهدت بداياتنا الأولى، وحفظت خطواتنا الأولى، واحتضنت أجمل سنوات الطفولة.
كان حي الخالدية في بريدة أول تلك الصفحات؛ ويقع الحي شرق مدينة بريدة ويعد من الأحياء التاريخية القديمة العريقة التي تشكلت خلال المائة سنة الماضية والتي ظهرت ملامحها خلال القرن الماضي، ويُنظر إليه كواحد من الأحياء التي سكنها عدد كبير من الأسر الموسرة والبارزة من أهل بريدة آنذاك. وهو قريب من سوق الجردة ومن حي السادة القديم.
ومن المعالم الرئيسية التي تشكلت في الحي عند إنشائه مبنى امارة المنطقة القديم ومبنى مستشفى بريدة المركزي ومبنى الشرطة القديم ومبنى الدفاع المدني ومبنى المعهد العلمي ومبنى المدرسة الثانوية ومبنى جامع الشيخ ابراهيم الجردان ومبنى مدرسة الخالدية الابتدائية الطيني.
ويقع منزلنا في هذا الحي الذي اشتراه الوالد رحمه الله جنوب مسجد ابراهيم الجردان ، وعلى شارعين متظاهرين أحدهما ينتهي في أحد أبواب جامع الشيخ ابراهيم الجردان -رحمه الله-. ويتكون المنزل من طابقين الطابق العلوي ، يوجد به غرفة يطلق عليها الروشن خاصة بالوالد ، وبعض الغرف الأخرى الخاصة بنا.
والطابق الارضي ، وفيه الليوان ، ويحتوي على عدد من أشجار النخيل ، وشجرة واحدة من الأترنج وبئر للماء، كما يحتوي على مطبخ ومجلس الرجال (القهوة) ففي هذا البيت كانت ولادتي في صيف عام 1381، في ذلك المنزل الطيني الكبير.
واستمر سكننا بهذا المنزل مع الاسرة ، حتى منتصف سنة 1382 هجرية
وبعد حوالي سنتين من ولادتي أقام والدي رحمه الله فيلتنا المسلحة والنادرة في مدينة بريدة آنذاك وفي أجواء هذا الحي عشت السنوات الأولى من طفولتي، بين بيوتٍ متقاربة، وجيرانٍ يعرف بعضهم بعضًا، وحياةٍ بسيطةٍ يغلب عليها الترابط والألفة. فقد كانت الأحياء القديمة تتميز بروحٍ اجتماعية خاصة؛ فالجيران أهل، والبيوت متقاربة، والأطفال يجدون في الحي عالمًا واسعًا للّعب واللقاء واكتشاف الحياة.
ومن سكان الحي الذين عرفتهم الاسر الكريمة التالية :- أسرة الحصين ، واسرة العم سليمان الجارالله العجلان ، واسرة الجردان وأسرة العميم ، وأسرة القاسم ، وأسرة البريدي ، وأسرة النقيدان ، وأسرة التويجري ، وأسرة العجلان ، وأسرة العمار ، وأسرة الهذال وأسرة النغيمشي ، و أسرة الدخيل ، وأسرة الصائغ الحميد ، وأسرة الرشود وأسرة اللهيب ، وأسرة السبيل، وأسرة الغنام ، وأسرة الفنتوخ ، وأسرة الخريجي ، واسرة الجاسر، وأسرة السلمي وأسرة الدغيم ، واسرة العواد ، واسرة السلمان ، وأسرة العجمي ، وأسرة الضحيان، وأسرة البشر، وأسرة أباالخيل، وأسرة البراك وأسرة النقيدان، وأسرة العرفج، وأسرة المنسلح ،وأسرة الدرويش، وأسرة العقل، وأسرة النجيدي.
كما سكن الحي ايضا أسرة الرشودي، و أسرة الرشيد ،وأسرة القوسي، وأسرة الدوسري، وأسرة السويد ، وأسرة السلطان ، وأسرة الدبيب ، وأسرة الضبيعي وأسرة الثنيان ،وأسرة العيدان ، وأسرة الحميدة ،وأسرة المشيقح ، وأسرة العلندا وغيرها من الأسر الكريمة الكثيرة التي لا تحضرني اسماؤها في الوقت الحاضر.
ومما أذكره عن تاريخ الحي أن المؤذن لجامع الجردان الذي تم بناؤه عام 1363هـ،على نفقة والدة الأمير عبدالله بن فيصل آل فرحان هو الجد علي الجارالله العجلان حتى عام 1385 حيث أصيب بمرضه الذي أقعده عن الحركة والأذان. فقد كان ينطلق في صحته الى المسجد ويعتلى منارته الطويلة ، ذات الدرج الطيني ، المتعرج ، والمتهدم بعضها من أثر الصعود ، والنزول ، ليؤذن في قمتها بالمسلمين ، وقد نصحه الوالد رحمهما الله بعدم الصعود إلى المنارة ، والاكتفاء بالأذان من سطح المسجد نظرا لتقدمه في العمر رحمه الله ، إلا أنه كان مصرا على الأذان في أعلى المنارة.
كما أنه كان يقوم بمهمة الإمام حين غيابه وكان الأمام حينها فضيلة الشيخ محمد السبيل رحمه الله وذلك أثناء عمله أستاذاً في المعهد العلمي في بريدة، أي قبل انتقاله لاحقاً إلى مكة المكرمة وتعيينه إماماً وخطيباً في المسجد الحرام، وهو المنصب الذي اشتهر به على مدى عقود.
وجود الشيخ السبيل في جامع الجردان يعطي أهميّة تاريخية للمسجد، إذ كان من العلماء البارزين في المنطقة قبل شهرته اللاحقة على مستوى العالم الإسلامي.
ولا أنسى الخبّاز اليمني الذي كان يدير مخبزًا صغيرًا يقع في طرف بيت الدخيل، وكان من ضمن ما يبيعه الخبز الحار، إضافة إلى دخان السجائر للكبار.
ومن المشاهد التي ما زالت عالقة في ذاكرتي، أنني كنت أستغرب وجود حمار يأتي كل صباح إلى المخبز، وقد عُلّق في رقبته «عِلاق» ــ وهي شنطة صغيرة من القماش ــ فيأتي الخبّاز إليه، فيأخذ العِلاق من رقبته، ويمد يده إلى داخله، فيجد الريال الموضوع فيه، فيأخذ قيمته من الخبز، ثم يعيد وضع الخبز في العِلاق ويعلّقه مرة أخرى في رقبة الحمار، فيعود الحمار من حيث أتى دون أن يرافقه أحد!
وقد أثار هذا المشهد فضولي وأنا طفل، فتتبعت ذات يوم مسيرة هذا الحمار، لأكتشف أنه يأتي من «العكيرشة»، التي كانت تبعد عن المخبز قرابة خمسة كيلومترات، ويقطع هذه المسافة كل صباح ليشتري الخبز لصاحبه، ثم يعود إليه محمّلًا بما اشتراه.
وكان هذا المشهد بالنسبة لي آنذاك أمرًا عجيبًا؛ فقد كان الحمار يعرف الطريق، ويعرف المخبز، ويعرف صاحبه، ويعرف أن ما في العِلاق من نقود مخصص لشراء الخبز! وهي صورة بسيطة من صور الحياة في ذلك الزمن، لكنها بقيت في الذاكرة بكل تفاصيلها، لأنها تختصر بساطة الناس، وثقتهم، وطبيعة الحياة اليومية في الأحياء القديمة.
وعندما بلغت السادسة من عمري، بدأت مرحلة جديدة مع المدرسة، والتحقت بمدرسة الخالدية ببريدة، القريبة من منزلنا وكانت تلك الخطوة الأولى في طريق التعليم، وبداية علاقةٍ طويلة مع المدرسة والكتاب والمعلمين والزملاء.
الانتقال إلى الرياض والسكن في حلة القصمان بعد أن رُشّح والدي رحمه الله للالتحاق بدورة في معهد الإدارة العامة بالرياض، للحصول على شهادة في برنامج التدريب للإدارة المتوسطة، وذلك خلال الفترة من عام 1388هـ إلى عام 1389هـ، انتقلنا إلى مدينة الرياض، وسكنا في حلة القصمان طوال مدة وجوده في المعهد.
وكانت تلك أولى مراحل تعرفي على مدينة الرياض عن قرب، حيث بدأت أتعرف على أبناء الحي الذين هم في مثل سني، وأعيش معهم بعض تفاصيل الحياة اليومية في ذلك الزمن.
وبعد أن أنهى والدي رحمه الله فترة التدريب، عاد إلى عمله في بريدة، ثم ما لبث أن حظي بترقية إلى وظيفة في مدينة الرياض، فعاد إليها مرة أخرى، وانتقلنا إلى الحي نفسه، وواصلت دراستي في المدرسة الخالدية بالرياض، التي كنت قد التحقت بها، وواصلت الدراسة فيها حتى نهاية المرحلة الابتدائية وكان مديرها الاستاذ سعد الدلقان رحمه الله ومن الاساتذة عبدالرحمن البليهد رحمه الله والأستاذ عبد العزيز بن سعد الخراشي وغيرهم.
وكانت حلة القصمان آنذاك تقع في منطقة حيوية، وتتوسط عددًا من الأسواق والمحلات التجارية المعروفة في الرياض، فكانت تنتشر فيها محلات التموينات والمخابز والمطاعم، فضلًا عن قربها الشديد من شارع الوزير، الذي كان من الشوارع التجارية المهمة في ذلك الوقت، وتنتشر فيه المحلات الحديثة والعصرية، التي كان يدير كثيرًا منها الشوام والأردنيون واللبنانيون، وقد كان ذلك يضفي على المنطقة حركة تجارية وحياة اجتماعية مميزة.
وكان معظم سكان الحلة من أهل القصيم، وهو ما جعلها بيئة مألوفة لوالدي رحمه الله، وقريبة كذلك من مقر عمله. ولهذا اجتهد في البحث عن منزل مناسب للأسرة، حتى وقع اختياره على منزل قريب من شارع المرقب وبالقرب من المنطقة الرابعة، حيث مركز الشرطة.
وكان المنزل من البيوت المسلحة في ذلك الوقت، واسعًا وشرحًا، وفي داخله فناء كبير، وخلفه حوش ومرافق متعددة، وكان مناسبًا لنا ولأسرتنا من حيث المساحة والموقع.
ومن الجيران الذين أذكرهم في تلك المرحلة عمي المحامي محمد بن سليمان الجارالله العجلان آل أبو عليان، وكذلك أسرة الجنيفي، وأسرة العمار، وأسرة العيسى، وأسرة العصيمي، وأسرة الرومي، وأسرة المطوع، وأسرة الرسي، وأسرة الرميح، وأسرة العمرو، وأسرة الحيدان، وأسرة الشماسي، وغيرهم من الأسر التي كانت تسكن الحي.
وكان اجتماع هذه الأسر، ولا سيما أسر أهل القصيم، من السمات الجميلة التي ميزت الحي، حيث كانت العلاقات بين الجيران قائمة على المعرفة والمودة والتواصل، وكان الحي في تلك السنوات عالمًا صغيرًا نعيش فيه تفاصيل طفولتنا، ونكوّن فيه صداقاتنا وذكرياتنا التي بقيت راسخة في الذاكرة إلى اليوم.
خالي ناصر والزي العسكري ومن المشاهد التي لا تزال عالقة في ذاكرتي من طفولتي في حلة القصمان، زيارة خالي ناصر بن سليمان العمران لنا، وكان في ذلك الوقت طالبًا في كلية قوى الأمن الداخلي بالرياض.(تقلد لاحقا رتبة لواء)
وكان خالي يأتي إلينا في إجازة نهاية كل أسبوع، ويقضي إجازته معنا، إذ كانت أسرته تقيم في مدينة بريدة بمنطقة القصيم. وكان أكثر ما يلفت انتباهي، وأنا في تلك السن، أنه كان يأتي مرتديًا زيه العسكري، الذي كان مميزًا وأنيقًا في نظرنا نحن الأطفال، ويثير فضول من هم في مثل سني.
فكنت أترقب قدومه، وأتأمل ذلك الزي الرسمي وما يضفيه على صاحبه من هيبة وأناقة، وكان حضوره في الحي بزيه العسكري مشهدًا لافتًا بالنسبة لي، وظل هذا المشهد من الذكريات الجميلة التي ارتبطت بمرحلة طفولتي في حلة القصمان.
ولعل هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو عابرة في نظر الآخرين، هي التي تمنح ذكريات الطفولة قيمتها؛ فهي لا تحفظ لنا الأحداث الكبيرة فحسب، بل تحفظ أيضًا الأشخاص والملابس والأماكن والمشاهد التي صنعت عالمنا الأول، وبقيت صورتها حاضرة في الذاكرة رغم مرور السنين.
أول زواج في بيت حلة القصمان وفي هذا المنزل في حلة القصمان، شهدت أول زواج لأختي الكبيرة أم محمد ، فقد تزوجت وزفّت إلى زوجها وأنا لا أزال طفلًا.
وأذكر أنني حزنت حزنًا شديدًا لفراقها، فقد كانت قريبة مني، وكنت أستشعر معنى الفراق رغم صغر سني. وما زلت أذكر ذلك الموقف وكأنه أمام عيني؛ فقد دمعت عيناي من شدة حزني، ووقفت أمام إحدى المرايا الموجودة في البيت، أنظر إلى عيني وهما تدمعان لفراق أختي.
وقد يبدو هذا الموقف بسيطًا في تفاصيله، لكنه بقي راسخًا في ذاكرتي؛ فربما كانت تلك من أولى المرات التي شعرت فيها، وأنا طفل، بأن البيت الذي اعتدنا أن نجتمع فيه يمكن أن يتغير، وأن أفراد الأسرة قد يغادرونه إلى حياة جديدة، وأن الفرح بالزواج قد يحمل في قلب الطفل الصغير شيئًا من الحزن على فراق من يحب.
بدايات المراهقة وألعاب الحارة وفي هذا المنزل أيضًا شهدت بدايات مراهقتي، وكانت مرحلة جميلة من مراحل العمر، عشت فيها مع أبناء الحارة تفاصيل لا تزال حاضرة في ذاكرتي إلى اليوم.
كنا، أنا وأخواني وبقية أبناء الحارة، نخرج إلى الأسواق والقصيريات القريبة من منزلنا، ولا سيما في وقت القيلولة، حين كان أصحاب المحلات يغلقون متاجرهم ويذهبون إلى الراحة. فكنا نستغل هدوء الأسواق وخلوها من الحركة، ونلعب في أطراف القصيريات وبين المحلات، ونقضي ساعات طويلة في اللهو والمرح.
وكانت لنا ألعاب شعبية كثيرة، من بينها لعبة (البراجونة) وعظيم سَرّا، إلى جانب ألعاب أخرى اعتدنا ممارستها في ذلك الوقت، كما كانت كرة القدم حاضرة بقوة في حياتنا اليومية.
وكنا نلعب كرة القدم عند باب يُعرف باسم باب مستودع الشماسي، وكان بابًا كبيرًا أسود اللون، فاتخذناه مرمى لنا، وكنا نتجمع عنده ونخوض مبارياتنا بحماس الطفولة وروح المنافسة، دون أن نملك من أدوات اللعب إلا القليل، ولكننا كنا نملك الكثير من الحماس والفرح.
واليوم، حين أستعيد تلك الذكريات، أدرك أن أجمل ما فيها لم يكن الألعاب وحدها، وإنما الصحبة، وروح الجماعة، والحي الذي كان يجمعنا، وتلك الأيام التي عشناها ببساطة وعفوية، وتركت في نفوسنا ذكريات لا تزال تعيش معنا حتى اليوم.
ولم تقتصر علاقتنا بكرة القدم على اللعب العابر، بل تطورت إلى تأسيس فريق خاص بنا أطلقنا عليه اسم «فريق المجد». وذهبنا إلى أحد الخطاطين، وطلبنا منه أن يكتب لنا اسم الفريق، ثم اشترينا فنائل (شيرتات) خاصة بالفريق، وطبعنا عليها اسم المجد من الخلف، ووضعنا لكل لاعب رقمًا خاصًا به. وكنت أحد مدافعي الفريق.
وكنا نشعر بالفخر ونحن نرتدي تلك الفنائل، وكأننا فريق محترف له تاريخه وشعاره ومبارياته! وكنا نباري فرق الأحياء القريبة من حينا، ونخوض معها مباريات يسودها الحماس والمنافسة والروح الرياضية.
ولم نكتفِ بذلك، بل قمنا بإعداد ملعب خاص لنا في حي الغرابي، وأصبح لنا مكان نلتقي فيه لممارسة كرة القدم، ونقضي فيه أوقاتًا طويلة، خصوصًا في العطل والإجازات.
كانت تلك الأيام بسيطة في إمكاناتها، لكنها غنية بالفرح والصداقة والمغامرة. فلم تكن لدينا وسائل الترفيه الكثيرة التي يعرفها أبناء هذا الجيل، ولذلك كنا نصنع لأنفسنا عالمنا الخاص؛ نحول بابًا أسود إلى مرمى، ونؤسس فريقًا لكرة القدم، ونذهب إلى الخطاط لنكتب اسم فريقنا على القمصان، ونعيش تلك التفاصيل الصغيرة وكأنها إنجازات عظيمة.
كرة الطائرة قبل المدرسة وفي أواخر المرحلة الابتدائية، كانت دراستنا في فصل الشتاء، وكانت الأجواء الباردة تضفي على تلك الأيام طابعًا خاصًا. وكنا نستيقظ مبكرًا ونستعد للذهاب إلى المدرسة، لكننا لم نكن نذهب إليها مباشرة.
ففي بعض الشوارع القريبة من منزلنا كانت المساحة ضيقة، فكنا نستغلها بطريقة بسيطة ومبتكرة؛ إذ نضع شبكة بين جدارين، ونحوّل الشارع إلى ملعب صغير لكرة الطائرة، ثم نبدأ اللعب مع أبناء الحارة قبل موعد دخولنا إلى المدرسة.
وكنا نستمر في اللعب حتى يقترب وقت المدرسة، فنترك الكرة والشبكة ونتوجه إليها، وكأننا بدأنا يومنا الرياضي قبل أن يبدأ يومنا الدراسي!
كانت إمكاناتنا بسيطة جدًا، لكننا كنا نعرف كيف نصنع منها المتعة؛ فالشارع ضيق وشبكة بين جدارين كانا كافيين ليصبح المكان ملعبًا يجتمع فيه أبناء الحي، وتبقى فيه أصواتنا وضحكاتنا جزءًا من صباحاتنا الجميلة.
وحين أستعيد هذه الذكريات اليوم، أتذكر كيف كانت الحارة نفسها ملعبنا، وأزقتها ساحاتنا، وأبناء الجيران رفاق لعبنا، وكيف كانت طفولتنا مليئة بالحركة والنشاط رغم بساطة الحياة وقلة وسائل الترفيه في ذلك الزمن.
هواية جمع الطوابع ومن الهوايات التي رافقتني في تلك المرحلة من طفولتي وبدايات مراهقتي هواية جمع الطوابع البريدية، وكانت من الهوايات التي استحوذت على اهتمامي وأثارت فضولي، إذ كنت أجد متعة كبيرة في البحث عن الطوابع المختلفة والتعرف عليها وجمعها.
وكانت طريقتي في الحصول عليها بسيطة، فكنت أذهب إلى شارع الوزير وشارع البطحاء، حيث كانت تكثر الشركات والبنوك والمكاتب التجارية في ذلك الوقت. وكانت المراسلات البريدية بين هذه الجهات كثيرة، وأحيانًا أجد بعض الظروف والرسائل التي تم التخلص منها ملقاة في قارعة الطريق، فألتقطها وأحملها معي، ثم أنزع عنها الطوابع بعناية واحتفظ بها ضمن مجموعتي.
وكان ما يزيد شغفي بهذه الهواية أن الطوابع لم تكن من بلد واحد، بل كانت تأتيني من مختلف أنحاء العالم؛ فمنها الطوابع السعودية والخليجية والعربية، ومنها الطوابع الأوروبية والأمريكية والآسيوية، وغيرها من دول العالم.
ومع مرور الوقت أخذت مجموعتي تكبر شيئًا فشيئًا، حتى أصبحت لدي عدة ألبومات تضم مئات الطوابع المتنوعة، وكنت أعتز بها واحرص على ترتيبها والاحتفاظ بها.
ولم تكن هواية جمع الطوابع بالنسبة لي مجرد جمع قطع صغيرة من الورق، بل كانت نافذة أطل منها على العالم وأنا طفل؛ فكل طابع كان يحمل اسم دولة أو صورة شخصية أو معلمًا أو مناسبة، وكنت أتأمل هذه الصور والأسماء وأتساءل عن البلدان التي جاءت منها، وكأنني أسافر إليها بخيالي وأنا في منزلي بحلة القصمان.
وحين أتذكر اليوم تلك الألبومات، أجد أنها لم تكن مجرد مقتنيات طفولية، وإنما كانت جزءًا من تكوين شخصيتي في تلك المرحلة؛ فقد علمتني الصبر، والدقة، والاهتمام بالتفاصيل، وحب البحث والاحتفاظ بالذكريات، وهي قيم ظلت ترافقني في مراحل لاحقة من حياتي.
مذكراتي اليومية.. ذاكرة بدأت مبكرًا ومن الهوايات التي أعتز بها كثيرًا، أنني بدأت في سن مبكرة كتابة مذكراتي اليومية؛ فقد كنت أدوّن يومياتي منذ أن كان عمري نحو ثلاثة عشر عامًا، واستمرت هذه العادة معي حتى المرحلة الجامعية.
كنت أحرص على تسجيل كثير من الأشياء التي تمر بي خلال يومي، ولا سيما ما أراه مهمًا أو يستحق أن يبقى في الذاكرة. ولم تكن مذكراتي تقتصر على أحداثي الشخصية، بل كنت أسجل فيها جوانب مختلفة من الحياة من حولي؛ فأدوّن بعض الظواهر والأحوال المناخية، والأيام الوطنية والمناسبات، والأحداث التاريخية والوقائع السياسية التي كانت تقع في ذلك الوقت، إلى جانب ما يتعلق بالأسرة من مناسبات وأحداث وتفاصيل يومية.
ومع مرور السنوات، أصبحت هذه المذكرات سجلًا شخصيًا يوثق مرحلة مهمة من حياتي، ويحتفظ بتفاصيل ربما كان من الصعب أن أتذكرها لو لم أقم بتدوينها في حينها.
واليوم، حين أعود إلى تلك المذكرات القديمة، أشعر بقيمة هذه الهواية التي لازمتني منذ الصغر؛ فأنا لا أقرأ فيها ما كتبته عن نفسي فحسب، وإنما أجد بين صفحاتها صورة لزمن كامل: أحوال الناس، وتغيرات الحياة، والمناسبات، والأحداث التي عشناها، وما كان يشغلنا في تلك السنوات.
ولعل أجمل ما في هذه الهواية أنني كنت أكتب الأحداث وهي حاضرة في ذهني، قبل أن تتراكم عليها السنوات وتغطيها الذاكرة بالنسيان؛ ولذلك أصبحت تلك المذكرات اليوم شاهدًا شخصيًا على مراحل من حياتي، ومصدرًا مهمًا لاستعادة كثير من التفاصيل التي عشتها في طفولتي وشبابي.
ومن هنا أدركت أن الكتابة لا تحفظ الحاضر لنا فحسب، بل تحوّل الأيام العابرة إلى ذاكرة باقية، يمكن للإنسان أن يعود إليها بعد سنوات طويلة، فيجد نفسه وكأنه يستعيد شيئًا من عمره الذي مضى.
رحلاتنا إلى مطار الرياض ومن الذكريات التي لا أنساها من تلك المرحلة أننا كنا نذهب مشياً على الأقدام من منزلنا في حلة القصمان إلى مطار الرياض، رغم أن المسافة كانت تقارب ثمانية كيلومترات.
ولم يكن الذهاب إلى المطار لغاية السفر، وإنما كان في حد ذاته رحلة ومغامرة بالنسبة لنا ونحن صغار. فكنا نقطع الطريق مشيًا، وكان هدفنا أن نشاهد الطائرات وهي تقلع وتهبط، ونتأمل حركتها وأصواتها، ونراقب المسافرين وهم يدخلون إلى المطار أو يغادرونه.
كما كنا نستمتع بمشاهدة الركاب القادمين والمغادرين، وننظر إلى ما كان يقدم لهم من خدمات وطعام وشراب، وكل تلك التفاصيل كانت تثير فضولنا وتزيد متعتنا بالزيارة.
وكان المطار بالنسبة لنا آنذاك مكانًا مختلفًا عن عالم الحي الذي نعيش فيه؛ ففيه طائرات تأتي من أماكن بعيدة، وركاب يحملون حقائبهم، وأشخاص يودعون مسافرين أو يستقبلون قادمين. وكنا نقف متأملين هذا المشهد، نتخيل البلدان التي جاءت منها الطائرات، وإلى أين سيذهب أولئك المسافرون.
واليوم، حين أتذكر أننا كنا نقطع نحو ثمانية كيلومترات ذهابًا إلى المطار مشيًا لمجرد مشاهدة الطائرات والركاب، أدرك مدى بساطة الحياة في ذلك الزمن، وكيف كنا نصنع لأنفسنا متعة ومغامرة من أشياء تبدو اليوم عادية، لكنها كانت بالنسبة لنا عالمًا واسعًا مليئًا بالإثارة والخيال.
كانت تلك الرحلات إلى المطار جزءًا من مغامرات طفولتنا، و ذكرى من ذكريات الرياض القديمة التي ما زالت حاضرة في الذاكرة بكل تفاصيلها.
وكان لكل انتقالٍ أثره في الذاكرة؛ فالأحياء القديمة لم تكن مجرد أماكن للسكن، بل كانت مدارس اجتماعية يتعلم فيها الطفل معنى الجيرة، والاحترام، والتعاون، والاعتماد على النفس. كانت الحياة أقل تعقيدًا، وأكثر قربًا من الناس، وكانت فرحة الطفل تصنعها أشياء بسيطة، لكنها تبقى في الذاكرة أعوامًا طويلة.
الانتقال إلى حي الملز.. بيت الأسرة والتعليم وفي عام 1394هـ انتقلنا من حلة القصمان إلى حي الملز، وكانت هذه النقلة بداية مرحلة جديدة ومهمة في حياتنا الأسرية والتعليمية. فكان هذا الحي محطة أخرى من محطات الطفولة والشباب، ومرحلةً جديدة ارتبطت في الذاكرة بالمدرسة والأصدقاء والجيران ومشاهد الحياة اليومية.
وكان والدي رحمه الله قد اشترى أرضًا واسعة في حي الملز، شمال محطة سكة الحديد وأقام عليها فيلا كبيرة تتسع لنا وتزيد، وقد حرص رحمه الله على أن يكون لكل واحد منا من الإخوان والأخوات غرفة خاصة به، مما جعل المنزل واسعًا ومريحًا، وأصبح مع مرور الوقت مركزًا لحياتنا الأسرية وذكرياتنا الجميلة.
كما أنشأ والدي في المنزل حديقة خاصة، وزرع فيها نحو عشر نخلات متنوعة، إلى جانب مجموعة من أشجار الفاكهة، فكان للمنزل حديقة تضفي عليه جمالًا وحياة، وأصبحت جزءًا من ذاكرتنا في تلك المرحلة.
وفي ذلك الوقت كنت قد أنهيت المرحلة الابتدائية، وتقدمت للالتحاق بالمرحلة المتوسطة في مدرسة العباس القريبة من منزلنا. إلا أن الله سبحانه وتعالى كتب لي ولأخي صالح مسارًا تعليميًا مختلفًا.
فقد التقى والدي رحمه الله، ذات يوم، بمعالي الشيخ عبدالعزيز المسند رحمه الله، وكان صديقًا له، وكنت أنا وأخي صالح برفقة والدنا في ذلك اللقاء. فسأل الشيخ والدي عن المرحلة التي وصلنا إليها في التعليم، فأخبره بأننا أنهينا المرحلة الابتدائية وأنه قام بتسجيلنا في المرحلة المتوسطة.
فأشار الشيخ عبدالعزيز المسند رحمه الله على والدي أن يسجلنا في المعهد العلمي بالرياض، التابع آنذاك لرئاسة الكليات والمعاهد العلمية، وأخذ يقنع والدي بوجهة نظره، ويبين له ما للمعهد العلمي من أهمية في تكوين الطالب وتعليمه.
فاقتنع والدي رحمه الله برأيه، وقام بتسجيل أخي صالح وأنا في معهد الرياض العلمي، وكانت تلك المشورة سببًا في تغيير مسارنا التعليمي؛ فأكملنا المرحلة المتوسطة ثم المرحلة الثانوية في المعهد، وتخرجنا منه، ثم واصلنا طريقنا التعليمي بالالتحاق بـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
جدي علي وآخر أيامه في منزل الملز ومن الذكريات المهمة التي لا يمكن أن أتجاوزها عند الحديث عن منزلنا في حي الملز، أن جدّي العقيلي علي الجارالله العجلان رحمه الله كان يقيم معنا في هذا المنزل. وكان في ذلك الوقت قد تجاوز الخمسة والسبعين من عمره، وقد أمضى معنا فيه جانبًا من آخر أيام حياته.
وفي هذا المنزل توفي جدي رحمه الله، وذلك في يوم الثلاثاء 27/12/1395هـ، وكان لوفاته أثر عميق في نفوسنا، فقد كان كبير الأسرة، وله مكانته في قلوبنا.
وبعد وفاته رحمه الله، تولى ابن أخته الشيخ محمد بن عبدالله الصلال أمر تغسيله وتكفينه ، ثم تمت الصُلّاة عليه في مسجد الشيخ أحمد المنصور بحي المرقب في البطحاء، وبعد ذلك وُوري الثرى في مقبرة العود، التي كانت في ذلك الوقت من مقابر مدينة الرياض المعروفة.
وبقيت وفاة جدي رحمه الله من الأحداث التي ارتبطت في ذاكرتي بهذا المنزل؛ فقد كان البيت الذي شهد إقامته بيننا، ثم شهد آخر أيامه ووفاته، ليبقى جزءًا من تاريخ الأسرة وذكرياتها.
رحم الله جدي عليًا، ورحم والدي، وجميع موتى المسلمين، وجزاهم الله عنا خير الجزاء، فقد تركوا لنا من الذكريات والمواقف ما يجعل حضورهم باقيًا في نفوسنا، وإن غابوا عن أعيننا.
وكان منزلنا في حي الملز شاهدًا كذلك على كثير من المناسبات السعيدة في الأسرة؛ ففيه تزوجت بقية اخواتي ، كما شهد المنزل زواج أخي جار الله رحمه الله.
ولهذا ارتبط المنزل في ذاكرتي بالفرح والبهجة، فقد كان بيتًا تجتمع فيه الأسرة، وتقام فيه مناسبات الزواج، وتتعالى فيه أصوات الفرح، وتلتقي فيه الأقارب والأهل والأصدقاء. ولم يكن مجرد منزل نسكن فيه، بل كان بيتًا يحمل جانبًا كبيرًا من تاريخ أسرتنا وذكرياتها.
أول سيارة.. فرحة لا تُنسى وأذكر أنه عندما أنهيت المرحلة المتوسطة، اشترى لي والدي رحمه الله سيارة،200L وكانت تلك من الذكريات التي لا تزال عالقة في نفسي.
وبعد أن حصلت على التصريح النظامي لقيادة السيارة، أصبحت أستطيع قيادتها، وكانت فرحتي بها كبيرة جدًا؛ فقد شعرت وأنا في تلك السن بأنني انتقلت إلى مرحلة جديدة من حياتي، وأصبح لدي قدر أكبر من الحرية والاعتماد على النفس.
ولا أزال أذكر فرحتي بذلك اليوم وكأنها بالأمس؛ فقد كنت فرحًا ومسرورًا بها جدًا ، وكانت السيارة بالنسبة لي أكثر من مجرد وسيلة للانتقال، فقد كانت تمثل شيئًا جديدًا في حياتي، وذكرى جميلة ارتبطت بمرحلة الشباب وبكرم والدي رحمه الله وحرصه على إسعاد أبنائه.
وكلما تذكرت تلك السيارة، تذكرت معها تلك الفرحة البريئة التي لا تعوضها اليوم أغلى السيارات؛ فالإنسان قد ينسى تفاصيل كثيرة من حياته، لكنه لا ينسى فرحة الأشياء الأولى.
ولم تتوقف علاقتي بهذا المنزل عند مرحلة الطفولة والشباب، بل امتدت إلى مراحل لاحقة من حياتي؛ فبعد تخرجي من الجامعة التحقت بـ معهد الإدارة العامة، ودرست فيه في برنامج الأنظمة، وحصلت على درجة الماجستير وظيفيًا، ضمن الدورة الرابعة عشرة.
وهكذا ظل هذا المنزل حاضرًا في مراحل متعددة من حياتي؛ عشت فيه سنوات الدراسة، وشهد أفراح إخوتي وأخواتي، واحتضن مرحلة من تكويني العلمي والمهني، ولذلك فإن ذكراه بالنسبة لي ليست مجرد ذكرى مكان، وإنما ذكرى مرحلة كاملة من العمر، ارتبطت فيها الأسرة والتعليم والعمل والفرح في منزل واحد.
بداية الحياة العملية والانتقال إلى حي الربوة وأذكر من ذكرياتي في هذه الفيلا التي سكناها في حي الملز أنها شهدت أيضًا بداية حياتي العملية بعد تخرجي من معهد الإدارة العامة في الدراسات القانونية.
فبعد تخرجي التحقت مباشرة بـ هيئة الرقابة والتحقيق، وتم قبولي فيها فورًا للعمل بوظيفة ممثل ادعاء في إدارة الادعاء بالهيئة، على المرتبة الثامنة وكانت مباشرتي للعمل بتاريخ 25/12/1406هـ.
وكانت تلك بداية مرحلة جديدة في حياتي، انتقلت فيها من مقاعد الدراسة والتأهيل العلمي إلى الحياة العملية، وبدأت ممارسة العمل في مجال الأنظمة والتحقيق والادعاء، وهو المجال الذي واصلت فيه مسيرتي المهنية بعد ذلك.
ولم أمضِ في هذا المنزل طويلًا بعد بداية عملي؛ فبعد نحو شهر واحد من مباشرَتي للعمل وكان ذلك في يوم الجمعة 27/1/1407 ، انتقلنا إلى مجموعة من الفلل التي كان والدي رحمه الله قد أقامها في حي الربوة.
وكانت أرض تلك الفلل واسعة، تبلغ مساحتها نحو ستة آلاف متر مربع، وقد خصص والدي رحمه الله الجزء الأكبر منها لفلته التي كان يسكنها، بينما أقام في بقية المساحة فللًا لأبنائه، حرصًا منه على أن تكون الأسرة متقاربة في السكن، وأن يكون لكل واحد منا مسكنه الخاص.
وكان ذلك من صور عناية والدي رحمه الله بأبنائه وحرصه على مستقبلهم واستقرارهم، فقد كان يفكر فينا ويخطط لنا، ويعمل على توفير أسباب الراحة والاستقرار لنا حتى بعد أن كبرنا وأصبح لكل منا حياته ومسؤولياته.
رحم الله والدي رحمة واسعة، فقد ترك لنا، إرثًا أعظم من ذلك كله؛ إرثًا من المحبة والرعاية وحسن التربية والحرص على جمع الأسرة وتقاربها، وما زالت آثار ما بذله من أجلنا حاضرة في حياتنا وذكرياتنا إلى اليوم.
وحين نستعيد اليوم تلك الأحياء، ندرك أن قيمة المكان ليست في مبانيه وشوارعه فحسب، وإنما في الذكريات التي تركها أهل المكان في نفوسنا. فالأحياء القديمة كانت تحمل شيئًا من الأصالة التي يصعب أن تتكرر؛ بساطة في المعيشة، ودفء في العلاقات، وقربًا بين الناس، وشعورًا بأن الحي بيتٌ كبير يسكنه الجميع.
ولعل أجمل ما في ذكريات الطفولة أنها لا تعود إلينا كما كانت، وإنما تعود في صورة مشاهد متفرقة: وجه جارٍ قديم، أو صوت معلم، أو طريقٍ كنا نسلكه كل صباح، أو بيتٍ كان لنا فيه ذكرى، أو صديقٍ رافقنا في سنوات العمر الأولى.
ثم جاءت بعد ذلك مرحلة حي الربوة بالرياض، لتفتح فصلًا جديدًا من الحياة، وتنتقل بنا الذاكرة من طفولة الأحياء القديمة إلى مراحل أخرى من العمر.
ومع مرور السنين، أدركت أن الإنسان قد يغادر المكان، لكنه لا يستطيع أن يغادر ذاكرته؛ فالأحياء التي عشنا فيها تظل تسكن فينا، لأنها احتفظت بأيامٍ لن تعود، وبوجوهٍ ربما غاب أصحابها، وبأصواتٍ ما زالت أصداؤها حاضرة في الوجدان.
وهكذا تبقى الخالدية ببريدة، وحلة القصمان، وحي الملز، ثم حي الربوة بالرياض، محطاتٍ في مسيرة العمر؛ لكل واحدٍ منها حكاية، ولكل حيٍ منها ذاكرة، ولكل مرحلةٍ منها أثر لا يمحوه الزمن.
«قد تتغير الأحياء، وتتسع المدن، وتتبدل معالم الأماكن، لكن ذاكرة الطفولة لا تهدمها السنين؛ فهي البيت الأول الذي يبقى في داخل الإنسان مهما ابتعدت به الحياة.»