شخصيات نسائية اقترنت اسماؤهن برجال من أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان.

السيدة منيرة بنت عبدالرحمن بن محمد الجمعة  1338 -1419 حرم الشيخ سليمان بن محمد بن منصور العمران رحمه الله.

كتب حفيدها فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان

في ثنايا الذاكرة، وبين تفاصيل الحياة البسيطة التي عاشها آباؤنا وأجدادنا روى خالي الأستاذ المربي عبدالله بن سليمان العمران -رحمه الله- المنتمية اسرته الى قبيلة آل غيهب القحطانية في كتابه عبق الماضي وأصالة الحاضر المطبوع بالرياض  سنة 1446  أن والده اقترن بوالدته المنوه عنها من خلال قصة عجيبة تدل على السماحة والبساطة والتي تحمل في طياتها معاني التيسير، وصفاء النفوس في الزواجات خلال تلك الحقبة (ربما عام 1354) حيث انها كانت مخطوبة من أهلها لمنصور شقيق والده إلا أنه لم يكن راغبا في الزواج فاعتذر فقال والده محمد العمران لوالد المخطوبة عبدالرحمن الجمعة إن منصور ليس مستعجلا ولعل منيرة نأخذها زوجة لسليمان فوافق والدها بعد موافقتها وتم الزواج في ذلك العام.

كان التعارف بين أسرة الجارالله العجلان وأسرة العمران بداية خيطٍ من الودّ، ما لبث أن تحوّل إلى حبلٍ متين من المصاهرة والقرب. ومع مرور الأيام، لم يكن هذا الرابط مجرد نسب، بل صار مودةً صادقة، وذكرياتٍ تتناقلها الأجيال. ومن هذا القرب، التصقنا بجدتنا الغالية منيرة بنت عبدالرحمن بن محمد الجمعة – رحمها الله – تلك المرأة التي لم تكن مجرد جدة، بل كانت قلبًا كبيرًا يسع الجميع، ووجهًا بشوشًا لا يُنسى.كانت – رحمها الله – مثالًا للطيبة، تجمع حولها القلوب قبل الأجساد، وتزرع في النفوس المحبة دون تكلّف. وكل من عرفها، أدرك أن لها قصة ليست ككل القصص، بل قصة إنسانة تركت أثرًا لا يُمحى. وتبدأ حكايتها من موقفٍ ما زال يتردد في الذاكرة.

فعندما بلغ والدي محمد بن علي الجارالله  أشده ، وأصبح في دور الشباب ، عرض عليه جدي علي رحمة الله فكرة الزواج ، سيما وأنه وحيد والديه ، ويريد أن يشاهد أحفاده قبل مماته ، خصوصا وأنه أصبح مستقلا بتجارته ، وذا دخل جيد.

 وكان ذلك قبل التحاقه بالوظيفة العامة ، فرحب بهذا العرض ، وطلب من والدته البحث عن عروس له استجابة لرغبة والده. 

وعند البحث تذكر جدي علي أن جاره في المتجر منصور بن محمد العمران سبق وأن سمع منه ، ان شقيقه سليمان لديه ابنة شابة ، في سن الزواج تصلح لأن تكون زوجة لابنه محمد. 

وعلى هذا ذهبت والدته ، منيرة بنت صالح بن عبدالله الدخيل آل ابوعليان الى لقاء زوجة سليمان بن محمد العمران منيرة بنت عبدالرحمن الجمعة- صاحبة هذه السيرة- للتعرف والسلام عليها وحينئذٍ طلبت رؤية ابنتها هيلة قاصدة خطبتها.

وعند رؤيتها ، انبهرت بها ،وأدبها ، وحيائها ، ثم نقلت الى ابنها ما شاهدته ببيت العمران ، ووصفت له  جمال ، وخلق ، وادب ، وحياء ، هيلة بنت سليمان العمران ، وأنها استشعرت في حدسها وتصرف البنت هيلة امامها أنها (قرمة) رغم صغر سنها ، وأنها تصلح زوجة لابنها ولإدارة منزله وأما لأولاده ،وعلى هذا تم الزواج (تمت الإشارة الى هذا الزواج في مقال سابق).

 وعلى هذا أصبحت منيرة الجمعة هي جدتنا من طرف والدتنا نحن أولاد محمد بن علي الجارالله العجلان آل ابوعليان وهذا هو مربط الفرس.

قال عنها ابنها عبدالله بن سليمان العمران كانت امي امرأة عصامية مدبرة أشد التدبير في شئون الحياة في ظل الغياب المتكرر لوالده المغترب في الخليج العربي الذي امتد لسنوات.

وقال عنها انه في عام 1374 هجرية مرضت في غياب والده وكان سبب مرضها أنها كانت حاملا في شهرها الأخير فدخلت عليها عجوز من الجيران (عائنة) وهي تطحن طحينا ثم خرجت هذه العجوز من عندها ومرت بصويحباتها وتبادلن معها أطراف الحديث وقالت لهن أن أم العمران (تطحن زهابها) كناية عن قرب ولادتها فلما جاءها تباشير الوضع والمخاض تعسرت ولادتها وعانت من ذلك أشد المعاناة فلم يكن هناك مستشفى ولادة وبقيت على هذه الحالة حوالي خمسة أيام وكان في مستوصف بريدة طبيب عام لبناني يقال له سكرية لديه مهارة فائقة فلما اشتدت الالام عليها بدون أن تضع مولودها تدخل والدي محمد بن علي الجارالله -رحمه الله- وكان حينها مديرا للمستوصف وأحضر ذلك الطبيب للمنزل ووقف على حالتها فاستعان بالله على إجراء عملية لها وإن لم يكن من اختصاصه الجراحة فشق بطنها في الهواء الطلق واخرج جنينها الميت منها وبقيت أياما في البيت يزورها الطبيب ويعطيها ابرا ومضادات فسلمها الله بعد أن كانت من الموت أقرب وقاب قوسين أو أدنى منه وذلك بفضل الله ثم بفضل هذا الطبيب الحاذق.

لم يكن الربيع في القصيم آنذاك موسم نزهةٍ ومرح، بل موسم كدحٍ وسعي.
يخرج الناس إلى البر كعادتهم في موسم الربيع بعد سقوط الأمطار، يحملون معهم (مخالبهم)، وهي أدوات جز العشب ، يحشّونه لمواشيهم، وما زاد باعوه طلبًا للرزق. وكانت الحياة تمضي على بساطتها، لكنها تخبئ في طياتها قسوةً لا ترحم.

تحكي الجدة منيرة – رحمها الله – بصوتٍ يختلط فيه الحنين بالألم:
طال بنا المقام في البر، واشتد بي الشوق إلى أهلي في حويلان. لم أعد أطيق البعد، فقلت لجدكم سليمان دعنا نزورهم، فقد اشتقت إليهم كثيرًا. فنظر إليها بعين القلق، وقال:
“ياقرة عيني يا منيرة، اصبري قليلًا لان إخوتك مصابون بالجدري، وأخشى عليك وعلى الصغار. من هذا المرض الذي لا يُؤمن جانبه”.

لكن الشوق – حين يستبد – يُضعف الحذر، ويغلب الخوف.
ألحّت، وألحّت، حتى لان قلبه، فاستجاب لها.

شدّوا الرحال، ومضوا بصحبة أطفالهم: مزنة، وصالح، وهيلة صغارٌ لم تتجاوز أعمارهم بضع سنين، يجهلون ما تخبئه لهم الأقدار.

وصلوا إلى حويلان، وكان اللقاء دافئًا، يفيض بالمحبة، كأن الغياب لم يكن. لكن الفرح لم يدم طويلًا في اليوم التالي، بدأت الحمى تشتعل في جسدي مزنة وصالح، وظهرت عليهما أعراض الجدري المرعبة، ذلك المرض الذي كان الناس يهابونه كالموت.
تسارعت الأيام، بل الساعات واشتد عليهما البلاء، حتى خفتت أنفاسهما وسكت قلبيهما الصغيرين الى الابد.

وفي يومين متتاليين رحل الطفلان البريئان في صمتٍ موجع، كأن الربيع انطفأ برحيلهما. ودفنا بقبرين متجاورين بحويلان.
رحلا بصمتٍ يعلوه غيمة من الحزن، تاركين خلفهما قلب أمٍ مثقل بالأحزان، وبيتًا غمره السكون بعد ضحكاتهما ولهوهما الذي كان يسمع بين أرجاء نخيل حويلان الذي يرقص طربا بفرحهما.

أما أمي (هيلة) وهي أكبر منهما، فقد كتب الله لها النجاة، فبقيت شاهدةً على تلك الحكاية حكاية الشوق الذي قاد إلى الفقد، والقدر الذي لا يُرد.

تختم الجدة منيرة روايتها، وكأنها تُسلّم بحكمة الأيام ذلك زمن مضى، فيه من الألم ما فيه، لكن رحمة الله كانت أوسع والحمد لله على قضائه وتدبيره. وقد عوضها الله سبحانه وتعالى عن فقدها لولديها الصغيرين بأولادها الآخرين وهم خوالي الأعزاء عبدالله -رحمه الله- ومحمد وناصر أطال الله في عمرهما وبقائهما.

ما زلت اذكر زيارتنا المتكررة لبيت (العمران ) في بريدة  فيقلنا والدي عصرا بالسيارة مع والدتنا إليه ، كونهم من سكان شمال حي الخالدية  شرق شارع الخبيب البعيد نسبيا عن بيتنا ،  وكانت جدتنا منيرة الجمعة ام عبدالله رحمها الله ترحب بنا وتقبلنا و(تشرط لنا) أي تتحفنا بشيء من (القريض) وهو حب الحمص الشامي و(السبال) وهو الفول السوداني بقشره ، وقليل من حلوى الاستحلاب.

وبعد اذان المغرب تدخلنا الى غرفة ( القهوة) وتعمل لنا الشاهي ، وتقدم لنا نحن الأطفال الخبز المحلى بالسكر والكليجا.

ومازلت أتذكر بصمات أيدي  خالي ناصر العمران الصغيرة الممهورة على الجدران المجصصة ، في هذا البيت الطيني الكبير بعد ترميمه ، وكأنه يقول بأعلى صوته انني ساهمت مع العمال في بنائه.

كما أتذكر لهونا والحفر بشكل أخاديد تحت شجرة الموز المزروعة في طرف حوش المنزل، التي لم أرى لها ثمرا طيلة زيارتنا المتكررة وأوعز ذلك إلى عدم توفر لقاح لها ، كما أتذكر ان جدتي ام عبدالله تضع تحتها بعض من حبات من البطيخ لتبريدها ، وتقديمها لنا بعد ذلك.

كانت جدتي منيرة الجمعة -رحمها الله – تزور ابنتها والدتي هيلة في منزلنا الجديد بحي الخالدية، وكنت اشاهدها وانا العب قرب المنزل تتهادى في مشيتها ، وتحت عباءتها السوداء عباءة أخرى شفافة خفيفة زائدة عن  طول العباءة الرئيسية تسحب على الأرض وتثير الغبار (عرفت فيما بعد أن هذا مرده الى الحشمة) (انقطع هذا النوع من العباءات وتم تزفيت الشوارع فيما بعد) وكانت تحمل معها بعض الحاجات الخاصة بوالدتي وكنت عندما اراها أخذ منها الحاجيات ، واحملها عنها ،  واساعدها بالدخول للبيت ، و ابادرها بتناول كأس من الماء البارد فتقبلني وتدعو لي بالتوفيق، كون المسافة بين بيتها وبيت ابنتها طويلة تقدر بعشر دقائق من المشي الجاد إلا أنه يشفع لها ان الشارع متوازي ، دون انعطافات.

عرفتها اما وجدة حازمة ومدبرة لبيتها ذات شخصية قوية جدا مهابة الجانب تعلوها هيبة ممزوجة بعطف مع لين واضح المعالم في تعاملها. كريمة الطبع واليد ذات لسان فصيح ورطب بذكر الله. لها آراء سديدة في شئون الحياة فكم أخذنا بآرائها السديدة في جوانب من حياتنا.

 علمت يوما انني قدمت من المدينة المنورة باتجاه مدينة الرياض على الطريق السريع بسيارتي مع مروري بالقصيم فجرا بحكم أن الطريق يمر بها دون الدخول الى مدينة بريدة ومن شدة محبتها وحرصها، أنها عاتبتني حين علمت أنني مررت بالقصيم دون أن أزورها، متسائلة باستغراب: “كيف تمر ولا تسلّم علينا؟” وهو عتاب يحمل في طياته أصدق معاني المحبة.

توفيت جدتنا منيرة رحمها الله سنة 1419 هجرية بعد مرض لم يمهلها كثيرا بعد مكوثها في المستشفى أسبوعا كاملا ووري جثمانها الثرى في مقبرة الموطأ ببريدة بعد الصلاة عليها في جامع الشيخ محمد بن عبدالوهاب،

رحم الله جدتنا منيرة بنت عبدالرحمن الجمعة، فقد كانت مثالًا للمرأة الصالحة، والأم والجدة الحنون، التي تركت أثرًا طيبًا في نفوس من عرفها.
وستظل مثل هذه القصص شاهدًا حيًا على جمال الماضي، وأصالة العلاقات، وبساطة الحياة التي صنعت رجالًا ونساءً يُحتذى بهم.

دمتم بخير.

Posted in

⁦2⁩ استجابات لـ “⁦شخصيات نسائية اقترنت أسماؤهن برجال من أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان : السيدة منيرة بنت عبدالرحمن بن محمد الجمعة  1338 -1419 حرم الشيخ سليمان بن محمد بن منصور العمران.⁩”

  1. صورة أفاتار ام محمد
    ام محمد

    رحم الله السيدة منيرة بنت عبدالرحمن الجمعة فقد كانت اما وجدة مثالية صابرة ومحتسبة فقدت اثنين من فلذات كبدها وعانت من اجراء عملية جراحية في الهواء الطلق في ظل انعدام المرافق الصحية في ذلك الزمن

    Liked by 1 person

    1. صورة أفاتار Fahad Mohammed

      شكرا لك يا ام محمد على اطلاعك علي سيرة جدتي منيرة وثناؤك عليها رحمها الله.

      إعجاب

أضف تعليق