
مطار بريدة القديم المعروف (مطار العكيرشة)
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
تُعد المملكة العربية السعودية من أوسع دول العالم مساحة، إذ تأتي ضمن أكبر دول العالم مساحة، ويبلغ ترتيبها المرتبة الثانية عشرة عالميًا.
وتمتد على رقعة جغرافية شاسعة تضم الصحارى والجبال والسواحل والمدن المتباعدة، ولذلك كان إنشاء المطارات ضرورة وطنية وتنموية، وليس مجرد وسيلة نقل فقط.
فالمسافات بين مناطق المملكة كبيرة جدًا، إذ كان السفر قديمًا من شمالها إلى جنوبها أو من شرقها إلى غربها يستغرق أيامًا طويلة عبر الطرق البرية، ولهذا أصبحت المطارات عنصرًا أساسيًا في ربط المناطق ببعضها،وتسهيل أعمال الدولة والإدارة،ونقل المرضى والحالات الطارئة،وخدمة الحجاج والمعتمرين،ودعم التجارة والاقتصاد وربط القرى والمحافظات والمراكز الكبرى.
ولهذا شهدت المملكة منذ منتصف القرن العشرين توسعًا متدرجًا في إنشاء المطارات، فبدأت بمهابط ترابية بسيطة، ثم تحولت مع مرور الزمن إلى مطارات إقليمية ودولية حديثة.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك إنشاء مطارات ومهابط ترابية في مدن القصيم خلال الأربعينات والخمسينات الميلادية،كغيرها من مدن المملكة حيث أُنشئت وزارة الدفاع والطيران مطارات في مدن بريدة وعنيزة والرس.
ففي مدينة بريدة بدأ العمل بمطارها الواقع في العكيرشة شرق بريدة وقد سمي بمطار العكيرشة (نسبة الى نبات العكرش الذي يكثر نموه في الأراضي الطينية) وذلك في أواخر الستينات الهجرية،الموافق الأربعينات الميلادية.
وقد استقبل المطار أول طائرة تجارية للخطوط الجوية العربية السعودية يوم 23/4/1374هـ الموافق 28/12/1954م، وفق تصريح الأستاذ صالح بن سليمان الجفن مدير فرع الخطوط السعودية بالقصيم الى دار المخطوطات ببريدة في تاريخ 1/4/1441 الموافق 20/11/2019
وكان قد سبق ذلك التاريخ هبوط عشر طائرات في هذا المطار إبّان الزيارة التفقدية التاريخية التي قام بها جلالة الملك المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود لمنطقة القصيم سنة 1366هـ، حيث شكّل وصول الطائرات حدثًا غير مسبوق لأهالي المنطقة،واحتشد الأهالي لاستقباله في مشهد تاريخي مؤثر.
كما تُعد الرحلة التاريخية لزيارة جلالة الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود الكبرى عام 1379هـ لمنطقة القصيم من أشهر الأحداث التي ارتبطت بمطار العكيرشة؛ إذ هبطت طائرة جلالته في مهبط العكيرشة خلال زيارته التفقدية للمنطقة، واحتشد أهالي بريدة والأعيان لاستقباله على أرض المطار في مشهد مهيب، أعقبته مأدبة عشاء كبرى أقامها أعيان المنطقة احتفاءً بقدومه.
ويروي كبار السن في بريدة كيف كانت الطائرة تمثل حدثًا استثنائيًا يثير الحماس والفضول بين الأهالي؛ فعند سماع دوي محركاتها في السماء، كان الصغار والكبار يهرعون مسرعين نحو حي العكيرشة ومدرج المطار الترابي لمشاهدة هبوط الطائرة وإقلاعها، في زمنٍ لم يكن فيه الطيران أمرًا مألوفًا لدى كثير من الناس، فكانت رؤية الطائرة تُعد حدثًا نادرًا تتناقله المجالس والأحياء بدهشة وإعجاب.
ومما يذكره والدي محمد بن علي الجارالله العجلان رحمه الله، قصة ارتبطت بمطار العكيرشة القديم، انه في يوم شتوي بارد وعاصف هزَّ وجدان أهالي بريدة، وذلك يوم الجمعة 12 جمادى الأولى 1376هـ الموافق 14 ديسمبر 1956م، حيث هطلت أمطار غزيرة ومتواصلة على مدينة بريدة وضواحيها، بكميات كبيرة وشدة متفاوتة، واستمر هطولها قرابة أربعين يومًا، حتى قيل إن الشمس لم تُشاهد ساطعة خلال تلك الفترة والتي سميت بسنة الهدام.
حيث كانت إحدى رحلات الخطوط الجوية العربية السعودية المجدولة على خط الرياض – بريدة – حائل قد هبطت في مطار بريدة الترابي الواقع في العكيرشة.
وبعد أن أنزلت الطائرة ركابها، وحين همّت بالإقلاع متجهةً إلى حائل، انغرست عجلاتها في الطين بسبب الأمطار الغزيرة والسيول الشديدة التي شهدتها بريدة آنذاك، فلم تتمكن الطائرة من الإقلاع، في مشهد يعكس طبيعة المطارات الترابية في تلك الفترة، ومدى تأثرها بالأحوال الجوية، قبل ظهور المدارج الحديثة المعبدة والتجهيزات المتطورة.
ولهذا اضطر الركاب المتجهين إلى حائل إلى البقاء في بريدة، فأصبحوا ضيوفًا على أهلها، وأُسكنوا مع غيرهم من المتضررين في مبنى المستشفى، الذي تحول في تلك الظروف العصيبة إلى مأوى للمتضررين من تلك الكارثة، في صورة تجسد تلاحم المجتمع وأهالي بريدة في مواجهة الشدائد.
ومن الطرائف التي تُروى عن تلك المرحلة، ما ذكره خالي عبدالله بن سليمان العمران رحمه الله، في كتابه عبق الماضي وأصالة الحاضر وكان عمره حينذاك نحو ثماني سنوات، إذ قال إن مشاهدة طائرة تطير بين السماء والأرض كان أمرًا لا يكاد يصدقه عقل طفلٍ في مثل سنه.
ويذكر أنه ذهب مع صديقه عبدالله المزيد رحمه الله مشيا من حارة العجيبة إلى المطار الترابي بالعكيرشة، حيث لم يكن هناك في المطار سوى غرفة من الطين تقع شمال المدرج، وهناك شاهدا ذلك الجسم الغريب الذي له جناحان ويشبه الطائر، فإذا هي الطائرة التي يتحدث عنها الناس.
وكانت الطائرة من نوع دوغلاس دي سي-3 داكوتا، وهي من أشهر الطائرات في تلك الحقبة، وقد بدت لهما شيئًا مهيبًا يفوق الخيال، خصوصًا مع ملامح قائدها الأجنبية وهيئته المختلفة عما اعتاده الناس آنذاك.
ويقول رحمه الله إنه عاد بعد ذلك إلى أطفال حارتهم يقص عليهم بدهشة وانبهار ما شاهداه من أمر تلك الطائرة العجيبة، في صورة تعكس مقدار التحول الحضاري الذي عاشه المجتمع آنذاك، حين كان وصول الطائرة إلى القصيم حدثًا استثنائيًا تتناقله المجالس والأحياء.
ثم جرى بعد ذلك الاستغناء عن هذا المطار الترابي سنة 1380هـ، وإنشاء بديل أكثر تطورًا لخدمة المنطقة ومواكبة التوسع المتزايد في حركة الطيران والنقل الجوي مع انشاء مطار الأمير نايف بن عبد العزيز الدولي (ELQ) في القصيم.
وعلى الرغم من اندثار معالمه وتحوله إلى منطقة سكنية وتجارية اليوم، إلا أن ذاكرة أهالي المنطقة لا تزال تحتفظ بقصص وأحداث ارتبطت ببدء قصة الطيران المدني بمنطقة القصيم.
أضف تعليق