شخصيات مؤثرة في أسرة الجارالله العجلان آل ابوعليان

كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان.

الأستاذ المربي عبدالله بن سليمان بن محمد بن منصور العمران 1364-1445

يُعدّ خالي المربي الفاضل عبدالله بن سليمان بن محمد بن منصور العمران ـ رحمه الله ـ، العائد نسبه إلى آل غيهب من بني زيد، أكبر إخوته. وقد أشار في كتابه الذي نُشر بعد وفاته بعنوان «عبق الماضي وأصالة الحاضر»، المطبوع بمدينة الرياض سنة 1446هـ، إلى أن مولده كان عام 1364هـ في منزلهم الواقع قرب مسجد ابن شريدة (الصائغ) بمدينة بريدة. 

وأن ترتيبه بين إخوته كان الرابع بعد والدتي هيلة، ثم مزنة وصالح، اللذين توفيا صغيرين بمرض الجدري، وقد سبق أن أشرتُ إلى قصة وفاتهما المؤثرة. وقصة تعذّر ولادة أحد أخوته وكان شاهدا عليها في مقال سابق تم نشره فبقي أثر تلك الحوادث المؤلمة عالقة في نفسه زمناً طويلاً. 

ولهذا كانت والدته، جدتي لأمي السيدة منيرة بنت عبدالرحمن الجمعة، توليه عنايةً فائقة؛ إذ جاء مولده بعد فقدها لطفليها مزنة وصالح المشار اليهما اللذين قضى عليهما وباء الجدري في يومين متتاليين.

ولهذا اصطحبته سريعا إلى أول مستوصف افتُتح في بريدة، وكان يعمل فيه طبيب يُدعى إسماعيل، ليُطعَّم ضد الجدري بطريقة «التشريط». وقد أخبرها الطبيب أن تورم موضع التطعيم في عضده علامةٌ على نجاحه واكتساب المناعة.

وكانت ـ رحمها الله ـ تراقب موضع التطعيم بقلق ولهفة في كل لحظة، حتى تيقنت من نجاحه، فغمرتها فرحة عظيمة، لا تسعها الدنيا من الغبطة والسرور وحمدت الله على هذا الإنجاز الطبي الذي بدأت معه نهاية ذلك الوباء المخيف، «غول الأطفال» كما كان يُعرف آنذاك.

كما أشار ـ رحمه الله ـ إلى أن ابن خاله الدكتور علي بن عبدالله الجمعة، الذي يكبره بعامين، لم يتلقَّ لقاح الجدري، فأصيب بالمرض وفقد بصره بسببه وان كان نجى بحياته.

عهدت خالي عبدالله محبا للقراءة ويهتم بها ويقرا ما يقع تحت يديه من الكتب الأدبية وغيرها شغوفا بكتب التراث العربي.

في بداية حياته المدرسية أدخله والده كتاب المطوع محمد الهويمل ثم كتاب سليمان الرزقان حيث ختم القرآن الكريم ثم التحق بالمدرسة العزيزية الابتدائية الحكومية ثم واصل مشواره الدراسي النظامي في معهد بريدة العلمي. 

كان الخال عبدالله يروي عن نفسه أنه كان يقرأ الصحف اليومية والأسبوعية والمجلات التي كان والدي رحمه الله يفرغ من قراءتها. فكان يجمعها ويأخذها للبيت، مثل جريدة القصيم، والندوة، والبلاد، وعكاظ، وقافلة الزيت، وغيرها وكان يتأمل فيها بعمق. ومع التحاقه بالمعهد حيث الدراسة المتوسطة والثانوية، نمت ملكة القراءة لديه، حتى أصبح شغوفاً بأدب المنفلوطي، من نظراته وعبراته وقصصه المترجمة، مثل ماجدولين وفي سبيل التاج. ثم قرأ للرافعي والمازني والعقاد.

 كان خالي عبدالله من أبرز المؤثرين في تربيتنا نحن أبناء أخته، إذ كان يقضي أوقاتاً في منزلنا، فنأخذ مما لديه من سعة اطلاعه وحسن حديثه. وكان يُحدّثنا ويقرأ علينا، ويتعامل معنا بحكمةٍ ولطف، مما غرس في نفوسنا قيم الصبر والاجتهاد، وحب التعلم، والنبل، وذلك كلّه قبل التحاقه بالتعليم الجامعي، مما يدل على نبوغٍ مبكر، وهمةٍ عالية، وشغفٍ بالمعرفة منذ سنواته الأولى.

وقال عن نفسه إنه التحق بكلية اللغة العربية بمدينة الرياض عام 1386هـ، وكانت تلك أول زيارة له إلى الرياض، وأنه أول مرة يشاهد فيها العمارات الشاهقة، والأسواق الفسيحة، والبضائع العامرة. كما أدهشته شوارعها المسفلتة و المرصوفة والمنارة، وأضواء النيون التي تملأ الطرقات، والإشارات المرورية الكهربائية المبرمجة، وذلك على خلاف ما اعتاده آنذاك في مدينته بريدة.

كان ـ رحمه الله ـ يزورنا في إجازاته الجامعية، فيُمتعنا بأحاديثه الشيقة وسعة اطلاعه، ويحدثنا عن مشاهداته في الرياض، وعن زملائه في الكلية القادمين من مختلف أنحاء المملكة، وأساتذته المصريين والسوريين وما كانوا يتداولونه من أفكار وموضوعات تستوقفنا نحن الصغار وتثير فضولنا. كما كان يصف لنا سكنه القريب من الكلية مع عدد من زملائه في منزل شعبي بشارع القرى، ومن كان يتولى إعداد طعامهم ويغسل ملابسهم، وما حفلت به تلك المرحلة من مواقف وتجارب امتزجت فيها الطرافة بالبساطة، والفائدة بروح الألفة والمحبة. 

بعد تخرجه من كلية اللغة العربية، وحصوله على درجة الليسانس (البكالوريوس)، صدر قرار تعيينه عام 1389هـ في معهد الطائف العلمي بمدينة الطائف. وكان ـ رحمه الله ـ يومئذٍ متزوجاً، فانتقل بأسرته إلى هناك، رغم تفوقه ورغبته في أن يكون تعيينه بمنطقة القصيم ليبقى قريباً من والديه، غير أن الأقدار شاءت أن تكون الطائف محطته الأولى، حيث أمضى فيها سنوات طويلة معلماً ومربياً، ترك خلالها أثراً طيباً لا يمحى في طلابه وزملائه. 

وكان يصف تلك المرحلة بأنها من أجمل سنوات عمره، لما أحاط به من زملاء فضلاء، وبيئة تعليمية متناغمة يسودها الاحترام والتعاون، إلى جانب ما امتازت به مدينة الطائف آنذاك من أودية جميلة وهادئة، كان يخرج إليها مع أسرته أو لفيفٍ من أصدقائه، قبل أن يطالها التغيير، مثل وادي نَخْب، ووادي وَج، ووادي لِيّة. 

ثم نُقل عمله من ملاك الرئاسة العامة للكليات والمعاهد العلمية ـ التابعة حالياً لـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ إلى ملاك وزارة المعارف، وزارة التعليم حاليا فصدر قرار تعيينه في ثانوية بريدة، فعاد إلى الطائف، ولملم أمتعته ، تاركاً خلفه صحبةً كريمة وسنوات لا تمحوها الأيام.

وبعد ذلك انتقل للعمل في متوسطة صلاح الدين، وأثناء عمله بها حصل على دبلوم عالٍ في التربية من جامعة الملك سعود بالرياض لمدة عام، رغبةً منه في تطوير أدائه التربوي وصقل خبرته التعليمية. ثم واصل رسالته في التعليم والتربية بإخلاص واجتهاد حتى أُحيل إلى التقاعد، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والأثر الطيب.

بعد إحالته للتقاعد اهتم بأمرين اثنين هما مواصلة القراءة والكتابة بالصحف المحلية والزراعة وبالذات زراعة القمح وزراعة النخيل وغرسها في مزرعة المليداء ولذلك لم يشعر بالفراغ بعد التقاعد. 

وبهذه الخبرات الطويلة، أفاض علينا من تجاربه ومعارفه ما كان يشحذ هممنا، ويهذب نفوسنا، ويصقل أرواحنا، فكان حضوره مدرسةً في الحكمة، وسيرته درساً في الجدّ والخلق الرفيع.

 فقد كان رحمه الله صوت الحكمة، إن حضر أضفى على المجالس بهجة، وإن نصح ترك في القلب بصمة لا تُنسى.

 في ساحات منزلنا قد يكون معلمًا غير رسمي بيننا يفتح لأبناء أخته نوافذ على عوالم جديدة، ويشجعهم على التساؤل والحلم. وفي ساحات الحياة، يسير أمامهم كقدوة، يحمل مشعل القيم ويُضيء الدرب. فهو ليس مجرد قريب بالدم، بل شاعرٌ بحاجاتهم، حارس لأحلامهم، ومرآة تعكس أفضل ما فيهم.

وبعد زواج خالي عبدالله وبعد أن رزقه الله عدد من الأولاد فإنه جمع بين منزلتين عظيمتين منزلة الأب لأبنائه، ومنزلة الخال لأبناء أخته، ولكل منزلة حقها ومكانتها. ولهذا بقى الخال الحنون قريبًا من أبناء أخته، لكن تتغيّر طبيعة دوره قليلًا بسبب مسؤوليات الأسرة والأبناء.

ومن الجميل أن يكون تعامله متوازنًا فظل حاضرًا في حياة أبناء أخته بالسؤال والزيارة والاهتمام فقد كان يزورنا في الرياض بين الفينة والأخرى ويحمل معه نفحات القصيم وخيراته.

محبا لامنا اخته الكبيرة الوحيدة هيلة مقدرا لها وهي مزيج من المشاعر النبيلة التي تجمع بين الاحترام، والارتباط العميق بينهما.

 هذه العلاقة ما بينهما وبينه وبيننا غالباً ما تُشكل جزءاً كبيراً من وجداننا ولم يُشعرنا أن زواجه وأولاده ان نقصوا من محبته لنا شيئًا.

وقد ربى أبناءه على صلة الرحم واحترام أبناء العمة والخالة.

وكان عادلا في العاطفة الظاهرة حتى لا يشعر أحد بالمقارنة أو الإهمال. 

فجع رحمه الله بوفاة ابنته حصة وهي في عز شبابها وذلك سنة 1422 هـ أثر مرض لم يمهلها كثيرا. كما فجع في وفاة رفيقة دربه زوجته ام أولاده الغالية عليه ام عاصم هيلة بنت عبدالله الضحيان نتيجة خطأ طبي سنة 1436هـ 

رحم الله الخال عبدالله ابوعاصم  ففقدُ الأخوال ليس فقدَ قريبٍ فحسب، بل غيابُ ظلٍّ حنون، ووجهٍ ألفناه في مجالسنا وشبات ليالينا وصوتٍ كانت له في القلب طمأنينة.
يمضي الخال، لكن تبقى مواقفه النبيلة، ودعواته الصادقة، وذكرياته التي لا تغيب عن الوجدان.

نسأل الله أن يجعل ما أصابه من مرض قبل موته رفعةً له، وأن يبدله دارًا خيرًا من داره، وأن يجمعه بمن يحب في جنات النعيم. 

 ووري الثرى في مقبرة الموطأ ببريدة بعد أن صلي عليه في جامع محمد بن عبدالوهاب (جامع الخليج) يوم الاثنين الموافق  3/7/1445
رحمه الله ورزقه الفردوس الأعلى من الجنة.

Posted in

أضف تعليق