موقع بئر بريدة التاريخي الذي كان نواةً لتأسيس المدينة ونشأتها.
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
كنتُ قد تحدثتُ في مقالٍ سابق بمناسبة مرور (462) سنة هجرية على تأسيس حاضرة مدينة بريدة – عاصمة منطقة القصيم – تلك المدينة النجدية العريقة التي أرست أسرة آل أبو عليان دعائمها، واتخذتها مقرًا لحكمها، حتى غدت من أبرز حواضر إقليم نجد.
وقد أشرتُ حينها إلى أن تأسيسها كان على يد أسرة آل أبو عليان من العناقر، من بني سعد بن زيد مناة بن تميم، و ذلك بعد قدومهم من بلدة ثرمداء سنة (985 هـ- 1577م)، كما قرر ذلك عدد من المؤرخين المتقدمين والمعاصرين.
كما عرّجتُ على أن بريدة آنذاك لم تكن سوى بئر ماء لآل هذال من شيوخ قبيلة عنزة، فاشتراها الأمير راشد بن عبد الله الدريبي العنقري آل أبو عليان، فعمرها هو ومن معه، وأسس فيها إمارته، لتكون نواة مدينة كبرى، ومركزًا تجاريًا وزراعيًا مهمًا في قلب شبه الجزيرة العربية.
وقد نشأت إمارة آل أبو عليان متزامنة مع نشأة مدينة بريدة ذاتها، فكانتا توأمين في التاريخ؛ إذ تولّت الأسرة حكم بريدة وما يتبعها من منطقة القصيم لقرون متعاقبة، حتى تحولت من بلدة صغيرة إلى مدينة مزدهرة. ومع اتساع نفوذهم، أصبحت بريدة عاصمةً للقصيم، وواحدة من أهم مراكز نجد السياسية والاقتصادية قبل توحيد المملكة العربية السعودية – حرسها الله.
ويهمنا في هذا المقال تحديد موقع ذلك البئر، الذي يُعد نواة تأسيس المدينة ومحور انطلاق نهضتها، وذلك على وجه الدقة واليقين ضمن حدود مدينة بريدة الإدارية.
وقبل تحديد موقعه، أودّ الإشارة إلى أن الأستاذ تركي القهيدان وفقه الله قد ذكر أن موقع هذا البئر يقع في ضرية، وذلك في مقالٍ نشرته جريدة الجزيرة في عددها الصادر بتاريخ 15/12/2025م، حيث جاء في مضمونه: انه يتضح له جلياً أن الشراء في ضَرِيَّة لبئرٍ اسمها بُرَيْدَة. وليس خافياً على الباحثين أن العرب تسمي الآبار باسم بُرَيْدَة. قال الهمداني(280 – 334 هـ) ومن الآبار العجيبة: البئر المعطلة بُرَيْدَة.(صفة جزيرة العرب ص 200).
ويضيف إن قرب ضَرِيَّة ماءٌ لبَني ضَبِيْنَة اسمها بُرَيْدَة ويَومُ بُرَيْدَة من أَيّامهم. قال ياقوت بُرَيْدَة: تصغير بردة: ماءٌ لبَني ضَبِيْنَة.. ويَومُ بُرَيْدَة من أَيّامهم.(1/ 406). وعندما عدَّدَ لُغَدة مياه ضَبِيْنَة قال: ثم الجَعْمُوسَةُ ثم هَرَامِيتُ ثم بُرَيْدَة ثم القادِمَةُ.(بلاد العرب لُغَدة الأصفهاني، ص87). وفي معجم البلدان هَرَامِيتُ: بئر عن يسار ضَرِيَّة.(5/ 396).
وعلى هذا، يظهر للأستاذ تركي القهيدان أن ابن هذال قد أطلق اسم “بئر بريدة” — وهو اسم قصبة القصيم — على البئر الواقعة قرب ضرية. ومما يدعم هذا الرأي أن الشراء تم في ضَرِيَّة حسب ما ورد في مخطوطة ابن عيسى. كما سميت في وقتنا الحالي أُشَيْقِر قرب الحَيَّانِيِّة بحائل على أُشَيْقِر الأم.
وأقول ردًا على ما ذهب إليه الأستاذ تركي القهيدان: إن المؤرخين يُجمعون على أن الأمير راشد الدريبي قدم إلى موضع بريدة الحالي في القرن العاشر الهجري، حيث اشترى بئر ابن هذال، وبدأ من ذلك الموضع إعمار بريدة وتأسيس نواتها العمرانية. . وهذا لاينفي ان ال ابوعليان حلوا فترة من الزمن وهي فترة مؤقتة في ضرية. ولم يشذ عن هذا الاجماع اي مصدر بل جاءت متواترة على أن بريدة في الأصل ماء لابن هذال من شيوخ عنزة واشتراها منهم الدريبي رئيس ال عليان من العناقر من بني سعد مناة بن تميم (وعمرها) وسكنها هو ومن معه من عشيرته ومن أشهرهم المؤرخ صالح بن عيسى الذي نص صراحة في مخطوطة بخط يده من شراء ذلك البئر من ابن هذال من قبل راشد الدريبي وان ال ابوعليان عمروها وسكنوها.
ويؤيّد هذا القول ما أورده الأمير سعود بن هذلول في كتابه تاريخ آل سعود، من أن راشد الدريبي قام بعمارة البلدة وتأسيسها، وبناء أسوارها حول هذا البئر سنة 985هـ.
كما أكد المؤرخ ابن بليهد نشأة بريدة بوصفها المدينة المعروفة في ذلك الوقت، وأن الإمارة بقيت في يدهم حتى سنة 1287هـ.
ويعزّز ذلك أيضًا ما ذكره المؤرخ ابن عبيد في كتابه تذكرة أولي النهى والعرفان، حيث أشار إلى أن بريدة كانت بئر ماء لآل هذال، فاشتراها منهم راشد الدريبي العنقري التميمي، ثم قام بعمارتها.
فلم يذكر المؤرخون أن عشيرة آل أبو عليان قد عمّروا بئرًا غير بئر بريدة، أو أقاموا حول بئرٍ آخر أسوارًا أو أسواقًا سوى هذا البئر المعروف الذي قامت عليه نواة المدينة.
وهذا لا ينفي احتمال وجود آبارٍ أو موارد مياه أخرى تحمل الاسم ذاته في أنحاء مختلفة من شبه الجزيرة العربية، كحال مورد “بريدة” في ضرية، الذي يُعد موردًا لسقيا إبل وأغنام البدو الرحّل. فتكرار الأسماء في الجغرافيا العربية أمرٌ شائع ومقبول تاريخيًا، ومن أمثلته:
طرابلس (لبنان وليبيا)،الإسكندرية (مصر والعراق)، جبة (العراق، سوريا، اليمن)، القنيطرة (سوريا والمغرب)، المنصورة (مصر، العراق، المغرب)، والكرك (الأردن ولبنان) حتى مدينة بريدة هذه لها صنوان في الجزائر وغيرها الكثير.
كما يجدر التنبيه إلى أن المسافة بين بئر بريدة الذي عمّرته أسرة آل أبو عليان، وأُقيمت عليه المدينة بأسوارها ومساكنها وأسواقها وجامعها، وبين مورد المياه في ضرية المسمى “بريدة”، تتجاوز 260 كيلومترًا. ولم يرد في كتب التاريخ أن هذا المورد الأخير قد عُمّر أو أُقيمت حوله منشآت عمرانية، أو وُجدت به آثار تدل على نشوء استقرار بشري مماثل.
وقد تناول علامة الجزيرة العربية الشيخ حمد بن محمد الجاسر والدكتور صالح العلي هذا الموضوع في كتاب حققاه اسمه (بلاد العرب) من تأليف الشيخ الحسن بن عبدالله الأصفهاني نشرته دار اليمامة بالرياض وساعد المجمع العلمي العراقي على نشره خلصا فيه ان لفظ بريدة التي وردت في معاجم البلدان القديمة وانها مورد ماء لبني ضبينة في القديم هو من الوهم وأن ما جاء في بعض المؤلفات الحديثة من أن بريدة المدينة المعروفة هي في القديم هذا الماء إذ هذا في غرب إقليم السر بقرب جبلة وبريدة المدينة بعيدة عن منازل بني غنى تقع شمالها بمسافة تبلغ مئات الأميال.
وعلى هذا، فإن الراجح والمستقر عليه – استنادًا إلى القرائن التاريخية والجغرافية – أن البئر التي اشتراها راشد الدريبي من ابن هذال هي البئر التي قامت عليها مدينة بريدة الحالية.
ولهذا أقول – وبالله التوفيق –:
لما كنتُ بصحبة والدي – رحمه الله – في زيارة إلى عمه عبد الله بن جارالله العجلان آل أبو عليان، في منزله الواقع غرب سوق قبة رشيد، قادمين من الرياض صلةً للرحم، وذلك في صيف عام 1391هـ (وقد توفي – رحمه الله – بعد هذا اللقاء بسنة واحدة)، وكنتُ حينها صغير السن؛ دار بين والدي وعمه حديث حول موقع بئر ابن هذال المشهور داخل مدينة بريدة.
ورغم حداثة سني آنذاك، إلا أن شغفي بتاريخ بريدة جعلني أعي ما كان يُقال. وقد وصف عم والدي موقع البئر وصفًا دقيقًا، رغم ما طرأ على المدينة من اتساع وتغيّر في معالمها نتيجة نزع الملكيات وشق الطرق وتعاقب السنين، فقال:
إن هذا البئر – الذي كان يسميه “بئر مدينة بريدة” – يُعد علامة فارقة في تاريخها؛ فمتى ذُكر تاريخها ذُكر معه، فهما توأمان لا ينفصلان. وهو من أبرز مقوماتها التي قامت عليها.
وأوضح أنه يقع جنوب بوابة جامع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد – رحمه الله – (الجامع الكبير ببريدة سابقًا)، وعلى مسافة تُقدّر بنحو (12) مترًا تقريبًا.
وأضاف أن المصلين والمتسوقين والباعة ورواد أسواق قبة رشيد وداحس والوسعة والجردة، إلى جانب تجار القشلة وفئة الصناع وطلبة العلم، وكذلك الفلاحين القادمين بمنتجاتهم من الخبوب الغربية، كانوا يعتمدون عليه في الوضوء والاغتسال. وقد عُرف ماؤه بصلاحيته للشرب والاستعمال، بل وكان يزداد عذوبة ووفرة بعد نزول الأمطار.
كما ذكر أن منسوب الماء فيه قريب من سطح الأرض، لا يتجاوز نحو عشرين مترًا، وكان يُستخرج بواسطة دلو مربوط بمحالة (بكرة) من الحديد. وكانت المواشي – من الإبل والأغنام والأبقار والحمير – ترده للشرب، خاصة ما يُعرض منها للبيع في سوق الجردة. وقد بُني هذا البئر بإحكام من الحجر.
وختم – رحمه الله – قوله مؤكدًا أن موقعه اليوم مطمور تحت الجزيرة الوسطية من طريق الملك فيصل، مقابل بوابة الجامع الجنوبية، حيث يكثر دخول المصلين.
وقد أكّد لي والدي – رحمه الله – صحة ما ذكره عمه – رحمه الله –، مؤيدًا ذلك بأنه عاصر البئر وشاهد موقعه على الطبيعة قبل اندثاره، وهو ما يضفي على هذه الرواية قدرًا عاليًا من الموثوقية، لقيامها على شهادة مباشرة من معاصرين للموقع، لا سيما مع تطابق الوصف مع المعالم الجغرافية المعروفة في تلك الجهة من مدينة بريدة.
وقد أُرفقت مع هذا المقال مخططٌ مستخرج من خرائط Google، تظهر عليه علامة حمراء تشير إلى الموقع التقديري للبئر.
دمتم بخير.

أضف تعليق