طعام أهل بريدة ومنهم أسرة آل أبوعليان قبل نحو (150) مئة وخمسين عامًا.

كتب: فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان 

الطعام في حياة الآباء والأجداد
حين نتحدث عن حياة الآباء والأجداد في بريدة قبل نحو مئة وخمسين عامًا، فإن الطعام يمثل جانبًا مهمًا من جوانب الحياة اليومية؛ فهو يكشف لنا بساطة المعيشة، وحسن التدبير، والاعتماد على ما تنتجه البيئة المحلية وما يتوافر في البيت والسوق في ذلك الوقت.

ولم تكن الموائد في تلك المرحلة تعرف هذا التنوع الكبير الذي نراه اليوم، بل كانت تعتمد على مكونات محدودة، يأتي في مقدمتها البر والتمر والدبس واللبن والسمن، وما يتيسر من الخضار، مثل القرع والكوسة والباذنجان والنجد واللوبيا والبصل ، وبعض الفواكه التي كانت معروفة في البيئة المحلية، مثل الرمان والعنب والتين والشمام (الجرو) والجح، إلى جانب اللحوم الحمراء من الإبل والضأن والماعز.

وكان لحم الأبقار قليل الحضور في موائد أهل بريدة، لا من باب التحريم، وإنما لأنهم في الغالب لم يكونوا يستسيغون طعمه، فلم يكن من اللحوم المألوفة لديهم. أما لحم الدجاج فلم يكن داخلًا في طعامهم المعتاد على الصورة التي عرفها الناس لاحقًا، مع أن بعض الأسر كانت تربي الدجاج للاستفادة من بيضه. كما أن السمك لم يكن من الأطعمة المألوفة لديهم؛ لبعد بريدة عن البحر، وصعوبة نقل الأسماك وحفظها في ذلك الزمن قبل وسائل النقل والتبريد الحديثة.

وهكذا كانت مائدة الأسرة البريداوية تعتمد في الغالب على ما توفره البيئة المحلية، وما تنتجه الأرض والمواشي، مع اختلاف ما يقدم من بيت إلى آخر، ومن موسم إلى آخر، وبحسب قدرة الأسرة وتوافر الطعام.

وكانت أسرة آل بوعليان، شأنها شأن كثير من أسر بريدة والقصيم، تعيش ضمن هذه البيئة الاقتصادية والاجتماعية؛ فتتغير أصناف الطعام بحسب الموسم، وتوافر المواد، وقدرة الأسرة، ووجود الضيوف والمناسبات.

ولذلك فإن الحديث عن طعام الأسرة في تلك المرحلة لا يعني وجود قائمة ثابتة لكل يوم، وإنما هو تصوير لما كان متداولًا وممكنًا في بيوت بريدة، كما بقي في الذاكرة والرواية الشفوية التي اخذتها من كبار سن الاسرة..

الفطور بداية اليوم بالتمر والقهوة واللبن
كان اليوم يبدأ مبكرًا، وفي الغالب قبل صلاة الفجر، فيتناول أهل البيت رشفات من فناجيل القهوة المحموسة باعتدال وبعض حبات التمر أو الرطب قبل الصلاة، ويستمر تناولها بعد الصلاة.

وكان التمر واللبن والزبد من أبرز ما يمكن أن يقدم في الصباح، إلى جانب رقاق خبز البر أو القرصان غير المطبوخ ، وقد يقدم معه السمن أو الزبد بحسب المتوافر وبعض من أقراص الكليجا المشهورة في بريدة (والتي اصبح لها مهرجانا دوليا يقام سنويا في بريدة والتي يعتقد ان رجال العقيلات جلبوا وصفتها الى بريدة من خلال أسفارهم ).

وكان التمر غذاءً أساسيًا في حياة أهل بريدة، وليس مجرد صنف من أصناف الحلوى؛ فهو طعام يومي، يدخل في وجبات متعددة، ويؤكل وحده ومع اللبن ومع القهوة، وتدخل أنواعه في عدد من الأكلات الشعبية.

الابل في المراعي والبقرة والمنايح في بيت الأسرة مصدر اللبن والزبد والسمن
لم تكن تربية الحيوانات في حياة أهل بريدة قديمًا أمرًا عابرًا، بل كانت جزءًا من نمط الحياة والمعيشة، ومصدرًا مهمًا للغذاء والثروة، ووسيلةً للاعتماد على النفس في زمن كانت فيه الحياة تقوم على ما تنتجه الأسرة وما تملكه من موارد.

فقد كانت الإبل تحتل مكانة مهمة في حياة أهل بريدة وكانت بعض الأسر تملك قطعانًا من الإبل ترعى خارج بريدة في المراعي والمواقع ومنها أسرة ال أبو عليان التي اعتاد أهلها أن يخرجوا إليها، فتعيش هناك على ما تجده من الكلأ والنباتات التي تنبت في مواسم الخير.

وكانت الإبل تختلف في طبيعة تربيتها عن الأبقار؛ فالبقرة قريبة من المنزل، وترتبط بحياة الأسرة اليومية وما تحتاج إليه من اللبن والسمن، أما الإبل فكانت أقرب إلى الثروة التي تمتد خارج المدينة، وتعيش في قطعان ترعى في المراعي، ويتولى رعايتها من يعرف مواضع الكلأ ومواسم الرعي ومسالك الأرض.

وكان امتلاك القطيع من الإبل علامة على اليسر والقدرة والوجاهة ومرتبط بحب البريداوي القصيمي العربي الفطري التلقائي لابله ويفتخر بها كما أن الإبل لم تكن مصدرًا للثروة فحسب، بل كانت وسيلة للنقل والترحال، وحاضرة في التجارة والأسفار، ومرتبطة بحياة الناس في البادية والحاضرة على السواء. ولهذا كان وجود الإبل في حياة أهل بريدة امتدادًا طبيعيًا لحياتهم الاقتصادية والاجتماعية، التي جمعت بين التجارة والزراعة وتربية المواشي او بترحالهم في قوافل العقيلات وسوقهم مئات او الالاف من القطعان منها الى الشام وفلسطين ومصر..

ومن هذا المنظور يمكن أن نفهم العلاقة بين الإبل والبقر في حياة أهل بريدة؛ فلكل منهما وظيفته ومكانته في القلب . فالبقرة كانت قريبة من البيت، تمد الأسرة بالحليب ومشتقاته، بينما كانت الإبل التي شغفوا بحبها تجوب المراعي خارج المدينة، وتكوّن قطعانًا تمثل ثروةً ممتدةً للأسرة.

وكانت أسرة آل بو عليان، مثل غيرها من الأسر المعروفة في بريدة، جزءًا من هذه الحياة التي جمعت بين امتلاك المواشي والعناية بها، والاستفادة من موارد الأرض ومراعيها. فكانت الثروة الحيوانية أحد وجوه الحياة الاقتصادية للأسرة، إلى جانب ما عُرف عنها من التجارة والزراعة وغيرها من الأعمال التي مارسها أهل بريدة عبر أجيال متعاقبة.

وهكذا لم تكن تربية الإبل في المراعي والبقر ة في البيت مجرد عناية بحيوانات تملكها الأسرة، وإنما كانت جزءًا من منظومة معيشية متكاملة؛ فالبيت يحتضن ما يحتاج إليه من المواشي، والمراعي خارج المدينة تستقبل القطعان الأكبر، والأرض توفر الكلأ، والحيوان يوفر الغذاء والثروة ووسائل النقل.

وتكشف لنا هذه الصورة جانبًا من حياة بريدة القديمة، حين كانت المدينة وما حولها مترابطة؛ فالبيت، والمزرعة، والبئر، والسوق، والمراعي، وقطعان الإبل والمواشي، كلها حلقات متصلة في حياة الناس. ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة نستطيع أن نقترب من صورة الحياة التي عاشها الآباء والأجداد، ونفهم كيف استطاعوا أن يبنوا حياتهم اعتمادًا على ما توفره لهم بيئتهم من موارد.

وكان من المألوف في كثير من بيوت بريدة أن تربي الأسرة بقرة أو بقرتين، بحسب ثراء الأسرة ويسرها وحاجتها وعدد أفرادها. ولم يكن الغرض في الغالب التجارة، وإنما الاستفادة مما تنتجه من اللبن، وما يستخرج منه من الزبد والسمن، إلى جانب ما تنتجه من العجول.

وكان وجود البقرة في البيت يمثل جانبًا من جوانب الاكتفاء الأسري وحسن التدبير؛ فاللبن الطازج متاح لأهل المنزل، وقد يُهدى منه للجيران، ويُنتفع به في إعداد الطعام.

وكان اللبن يُخض في السقاء أو الصميل، وهو إناء مخصص لذلك، يُعلّق على ثلاث أعمدة من خشب الأثل، في أعلاها عقدة تسمى (القنارة)  وتقوم ربة البيت أو إحدى بناتها بعملية الخض لاستخراج الزبد. ثم يُستفاد من الزبد في صناعة السمن، الذي كان من أهم المواد الغذائية في المطبخ البريداوي.

وكانت رعاية البقرة جزءًا من الحياة اليومية للأسرة؛ فلها مكانها في فناء المنزل أو في موضع مخصص لها، ويقوم أهل البيت بتوفير علفها من البرسيم الأخضر والتبن والعناية بها بوضع فرش من الملح تلعقه بلسانها كلما احتاجت الى الاملاح ، ومن ذلك إعداد طبخة لها تسمى «مدودة» من بعض متبقيات المنزل من حشف التمر والعبس وغيرها.

وكانت بعض الأسر البريداوية تعوّض عن البقرة باقتناء المَنَايح من المعزى، فيكون لديها عنز أو عنزان، ينتفعون بحليبهما وما يُستخرج منه من الزبد والروب، فتكون مصدرًا مباركًا لغذاء أهل البيت وكان حليب المعزى يُعد عندهم بديلًا عن حليب الأم إذا فقد الطفل أمه أو تعذّر إرضاعه منها، فيُعطى منه بقدر حاجته، لما كان يمثله من مصدر متاح لاطعام الرضيع في ذلك الزمن.

وهكذا لم تكن البقرة و المنايحح مجرد حيوانات تربى في المنزل، بل كانت مصدرًا من مصادر الغذاء والاقتصاد المنزلي، تسهم في توفير اللبن ومشتقاته، وتخفف حاجة الأسرة إلى شراء هذه المواد من السوق.

النخلة وشجرة الأترنج في فناء البيت
وكان من المألوف في بيوت بريدة قديمًا أن تكون في فناء المنزل أو حوشه أو ليوانه نخلة أو نخلتان، يستفيد أهل البيت من ثمرهما، ويكون التمر جزءًا أساسيًا من غذائهم اليومي.

وكانت النخلة أكثر من مجرد شجرة مثمرة؛ فقد كانت حاضرة في حياة الأسرة، تمدها بالتمر، وتمنح البيت شيئًا من الظل والجمال، وترتبط بدورة الحياة اليومية في المنزل وكانت من صنف المكتومي او الشقراء او الحلوة ولا يعرفون شيئا عن نخلة السكرية الشائعة اليوم.

وكانت إلى جانب النخلة شجرة الأترنج، وهي من الأشجار الوارف ظلها التي عُرفت في بيوت بريدة وأحبها أهلها، لورود اسمها في الحديث النبوي الثابت الصحيح مَثَلُ المُؤْمِنِ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ؛ رِيحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها طَيِّبٌ.

وكان أهل البيت ينتفعون بثمرها الأصفر الجميل ، ولا سيما في فصل الشتاء، حيث تدخل في إعداد بعض الأطعمة الشعبية.

وكان الجح والجرو يوضعان تحت ظلال النخيل والأترنج، تحت الخياش المبللة بالماء، لتبريدهما والاستفادة من ظلهما.

ومن أجمل ما ارتبط بشجرة الأترنج الحنيني، الذي كان من الأطعمة الشتوية المحببة، فيجتمع فيه التمر وقرصان البر والسمن، ويضاف إليه شيء من عصارة الأترنج الحامضة بحسب الطريقة المتبعة في البيت، فيعطيه نكهته المميزة ورائحته الزكية.

كما ارتبطت ثمرة الأترنج ولبّها بفصل الشتاء وما يصاحبه من أمراض ونزلات برد؛ فكانت ربة البيت تقطع لبّ الثمرة، ومعه شيء من قشرها، وتضعه في إناء، ثم تضيف إليه السكر، وتصُب عليه الماء المغلي، وتحركه جيدًا، ثم تغطيه وتتركه حتى يفتر، وبعد ذلك يُشرب او يتناول دافئًا.

وكان هذا الشراب من المشروبات المنزلية التي عرفها أهل بريدة قديمًا، يجمع بين ما توفره شجرة الأترنج في البيت وبين بساطة ما كانت تقوم به ربة المنزل من إعداد بعض المشروبات والأغذية الموسمية، في زمن كانت فيه خيرات المنزل تُستثمر في مختلف شؤون الحياة اليومية.

كما عُرف عند أهل بريدة قديمًا مشروبٌ آخر يُحضَّر من البقل (الإقط)، حيث كان يُدق أو يُطحن في النجر حتى يصبح ناعمًا، ثم يُضاف إليه السكر وقد يضاف اليه قليلا من الزنجبيل المطحون، وتُمزج المكونات جيدًا. وكان يُؤكل أحيانًا جافًا، أو يُصب عليه الماء ويُحرَّك ثم يُشرب، بحسب رغبة أهل البيت.

وكان هذا من الأطعمة والمشروبات البسيطة التي اعتمد عليها الناس قديمًا، مستفيدين من المواد المتوفرة لديهم، وبطريقة إعداد لا تحتاج إلى كثير من المكونات أو الأدوات.

وهكذا كان فناء البيت البريداوي القديم أشبه بمصدر صغير من مصادر الغذاء؛ نخلة تمد الأسرة بالتمر، وشجرة أترنج ينتفع من ثمرها، وبقرة أو بقرتان او معزى او معزتان توفران اللبن ومشتقاته، ودجاج يمد الأسرة بالبيض وصياح ديك يوقظهم لصلاة الفجر.

الدجاج والبيض جزء من حياة البيت
وكانت تربية الدجاج من الأمور المألوفة في بعض بيوت بريدة، فتجد في فناء المنزل عددًا من الدجاجات، ومعها الديك الذي كان صياحه مع الصباح علامة من علامات بدء يوم جديد، فيستيقظ أهل البيت على صوته ويكون جزءًا من المشهد اليومي المألوف في أحياء بريدة القديمة.

ولم تكن الفائدة من الدجاج مقصورة على لحمه، وإن كان الشائع عدم أكله بل كان البيض هو الفائدة الأساسية التي تحرص الأسرة على الحصول عليها، إذ يدخل في إعداد عدد من الأطعمة المنزلية، ومن ذلك قرص عقيل، كما يدخل في إعداد الكليجا وغيرها من المأكولات الشعبية.

وهكذا كانت الدجاجات في فناء البيت تمثل موردًا غذائيًا صغيرًا لكنه مستمر؛ فالأسرة تحصل على البيض من دجاجها، وتنتفع بما تنتجه في مطبخها، دون الحاجة إلى شراء كل شيء من السوق.

وكان صياح الديكة، وحركة الدجاج في أفنية المنازل، وجمع البيض في الصباح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية التي عاشها أهل بريدة.

الجريش والحنيني من أطعمة الفطور
وفي بعض الأيام كان الفطور يكون من الجريش، وهو من الأطعمة المعروفة في القصيم ، ويُصنع من القمح المجروش، ويطبخ بالماء واللبن، وقد يضاف إليه السمن والبصل وما يتيسر من الشحم أو اللحم.

وفي فصل الشتاء كان الحنيني حاضرًا في بعض البيوت، وهو من الأطعمة التي ارتبطت بالقصيم، ويتكون أساسًا من التمر وقرصان البر والسمن أو الزبد، وتضاف إليه عصارة الأترنج بحسب طريقة البيت.

وكان الحنيني مناسبًا لفصل الشتاء لما يمنحه من طاقة ودفء، حتى أصبح من الأطعمة التي ارتبطت في الذاكرة الشعبية بالبرد والمناسبات الشتوية.

وهكذا كان فطور الأسرة بسيطًا في مكوناته، لكنه مشبع، ويهيئ الرجال والأبناء ليوم العمل وقضاء حاجات البيت.

في الغداء كانت المراصيع حاضرة مع اللبن من الوجبات التي عرفها أهل بريدة قديمًا، وكانت تُعدّ للغداء وتُقدّم ساخنة عند الظهيرة، فيجتمع عليها أهل البيت ويتناولونها قبل القيلولة، في مشهد يعكس بساطة المائدة القديمة وارتباط الوجبات بأوقات اليوم وعادات الأسرة.

العشاء الجريش والقرصان والمرقوق والمطازيز
كان العشاء هي الوجبة الرئيسة في كل الأيام، وتقدم بعد صلاة المغرب وكانت المرأة في البيت تبدأ إعداده منذ وقت مبكر.

ومن الأطعمة التي كانت على مائدة الأسرة القرصان، حيث يصنع من عجين البر، ثم يخبز على المقرصة ثم يقطع أو يفتت ويضاف إليه المرق والخضار، مثل القرع والكوسة والباذنجان واللوبيا والنجد، مع البصل والسمن والبهارات الكاملة. وكان اللحم يضاف عندما يكون متيسرًا.

ومن الأطعمة الأخرى المرقوق والمطازيز، وهما من الأكلات المعروفة في القصيم، وكانا يصنعان من دقيق البر الكامل، على شكل دوائر صغيرة او متوسطة وتضاف إليهما الخضار وما يتيسر من اللحم والسمن، ولذلك كانا من الأطعمة المشبعة التي تصلح للغداء أو العشاء.

وتشير الروايات الشفوية المتوارثة عن كبار السن إلى أن هذه الأطعمة كانت حاضرة في بيوت بريدة، وأنها كانت من أساسيات المائدة اليومية.

أما الأرز فلم يكن من الأطعمة المألوفة في المائدة البريداوية القديمة، وإنما بدأ ظهوره وانتشاره بصورة أكبر في العقود اللاحقة، مع تحسن الأحوال الاقتصادية وتوسع التجارة وتيسر استيراد المواد الغذائية.

وكان اللحم أكثر ارتباطًا بالمناسبات والضيافة منه بالطعام اليومي الدائم؛ فذبح الذبيحة لم يكن أمرًا عاديًا في كل يوم. وان كان موجودا بالأسواق بشكل يومي وكان اللحم يظهر بصورة أوضح عند اجتماع الأسرة أو استقبال الضيف أو حلول مناسبة.

ولهذا كانت مهارة ربة البيت تظهر في قدرتها على إعداد طعام طيب ومشبع من مكونات قليلة، فتجعل من البر والخضار والسمن والتمر أطباقًا متنوعة تكفي أفراد الأسرة.

وجبة أخف وأبسط
أما من يُدركه الجوع قبل النوم، وكان ذلك في الغالب بعد صلاة العشاء بوقت، فكانت هذه الوجبة أبسط وأخف من الوجبة التي سبقتها وقد تكون من الجريش أو المرقوق أو خبز البر مع التمر واللبن.

وقد يتناول أهل البيت ما تبقى من طعام الوجبة السابقة، أو تُعد لهم ربة البيت طبقًا جديدًا بحسب الحاجة، وكان أكثر من يتناول هذه الوجبة صغار السن الذين قد يدركهم الجوع في آخر الليل، فيأكلون من ( الموقعة) وهو أناء خشبي مقعر بوضع فيه ما تيسر من طعام البيت المتوفر.

وكان من الممكن أن يتناولوا بعض الشابورة الحلوة أو المالحة التي تصل إلى بريدة عن طريق العقيلات من أهل بريدة القادمين من الشام او حبات من الكليجا.

وفي الشتاء كان الحنيني والقشد من الأطعمة المناسبة للعشاء.

وكانت الوجبة المسائية تأتي بعد يوم طويل من العمل، ولذلك لم تكن كثرة الأصناف هي المقصودة، وإنما كان المقصود أن يكون الطعام مشبعًا ومناسبًا لما هو متوافر في البيت.

كما كان أهل بريدة يعرفون الشوربة، وكان من أنواعها الشعبية القديمة ما يُسمى «الدويفة»، وهي أكلة سريعة التحضير تُصنع قديما من الطحين الأسمر وورق نبات الخرمة والماء والبصل والملح، وتُقدَّم ساخنة.

وكانت الدويفة من الأطعمة البسيطة التي يسهل إعدادها وهضمها، ولذلك كانت تُقدَّم بكثرة لكبار السن والأطفال، وتُعد من الأكلات التي تعكس بساطة المائدة القديمة واعتمادها على مكونات متوفرة في البيت.

ومن الاكلات المعروفة أيضا العصيدة التي تعد من الذرة بعد طحنها وتفتيتها إذ توضع داخل قدر ويتم خلطها مع الماء والبصل والبهارات، وتوضع فوق مناصب وتحتها نار هادئة، وتُحرّك بالعصا حتى تزداد ليونة، ومن ثم تترك حتى تنضج وتفرغ في المواقع وهي الانية الخشبية ذات القعر المنخفض.

التمر رفيق الأسرة في كل يوم
ومن الصعب أن نتحدث عن طعام الأسرة في بريدة دون أن نتوقف عند التمر.

فالتمر كان حاضرًا في حياة الناس بصورة تكاد تكون يومية؛ يؤكل مع اللبن، ومع القهوة ويؤكل وحده، ويدخل في صناعة الحنيني والقشد وغيرهما من الأطعمة.

وكان القشد من الأطعمة القديمة التي يدخل فيها التمر ودقيق البر والسمن أو الزبد، ويطبخ على النار حتى يتجانس ثم يقدم ساخنًا.

ومن هنا نفهم كيف استطاعت الأسرة القديمة أن تستفيد من محصول التمر والقمح في إعداد أنواع متعددة من الطعام، دون الحاجة إلى المواد الكثيرة والمتنوعة التي أصبحت متاحة في زماننا.

وكان يكاد لا يخلو بيت في بريدة من «جصّة» لحفظ التمر. وهي بناء يُقام داخل إحدى غرف المنزل، ويتكون غالبًا من ألواح الصخور التي يطلق عليها أهل بريدة «الفروش»، أو من الجص، ولهذا سميت بالجصّة.

وكانت لها فتحة علوية صغيرة توضع التمور من خلالها أو يؤخذ منها التمر، وفي أسفلها مخرج يخرج منه دبس التمر، أو عسل التمر، الذي يتجمع من التمور المخزنة فيها.

وهذه الجصّة مثال آخر على حسن تدبير أهل البيت، وحفظهم لمحصولهم من التمر ليستفيدوا منه على امتداد العام.

السمن مادة أساسية في المطبخ
وكان السمن البلدي من أهم ما تعتمد عليه الأسرة في الطبخ، سواء في الجريش أو القرصان أو الحنيني أو القشد وغيرها.

ولم يكن السمن مجرد إضافة لتحسين الطعم، بل كان مادة غذائية ثمينة ومصدرًا للطاقة، ولذلك كان يحفظ ويستخدم بحساب.

وكانت الأسرة تستفيد كذلك من منتجات المواشي من اللبن والزبد والبقل (الإقط)، مما يعكس طبيعة الحياة التي كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالزراعة وتربية المواشي.

البر من السنبلة والحبة إلى المائدة
وكان البر أساسًا مهمًا في غذاء الأسرة، ومنه يصنع القرصان والمرقوق والجريش وغيرها.

وكان إعداد الطعام في ذلك الوقت يحتاج إلى جهد يدوي كبير؛ فالقمح يحتاج إلى الطحن أو الجرش، والعجين يحتاج إلى إعداد وفرد، والنار تحتاج إلى حطب الارطى والغضا والرمث والطعام يحتاج إلى وقت حتى ينضج.

وكانت صناعة الطعام في البيت عملًا يوميًا متواصلًا تشارك فيه ربة البيت وبناتها، من إعداد المكونات إلى الطبخ والتقديم وحفظ ما يتبقى في (العرزالة)  وهي وعاء تراثي يُصنع تقليدياً من جريد النخل أو السعف، ويُستخدَم لحفظ الطعام والمواد الغذائية بعيداً عن حشرات الأرض والقطط أو عبث الأطفال وغالباً ما تُعلّق العرزالة في سقف الغرفة أو الليوان لتوفير التهوية الجيدة للأطعمة وحمايتها. .

وهذا يجعلنا ندرك أن الوجبة التي كانت تصل إلى مائدة الأسرة كانت وراءها سلسلة طويلة من العمل اليومي.

اللحم طعام الضيف والمناسبة
وكان للحم مكانة خاصة في المائدة البريداوية، ومؤائد اسرة ال أبو عليان لكنه لم يكن بالضرورة حاضرًا كل يوم.

فإذا جاء الضيف، أو اجتمعت الأسرة، أو جاء عيد أو مناسبة، كان للذبيحة حضورها، فتذبح الخراف النجدية السمينة، ويقدم اللحم في مفاطيح كاملة دون تقطيع، او تنحر الابل بعد جلبها من مراعي اسرة ال أبو عليان في مراعي اطراف بريدة في الاسياح وصعافيق وغيرهما ويظهر معها الكرم العربي المعروف لدى أهل بريدة.

أما في الأيام العادية، فقد يعتمد الطعام على البر والتمر واللبن والسمن والخضار، ويكون اللحم أقل حضورًا بحسب حال الأسرة وتوافره.

وهذا يفسر لنا مكانة أطباق مثل الجريش والقرصان والمرقوق والمطازيز في الذاكرة الشعبية؛ لأنها كانت قادرة على إطعام الأسرة وإشباعها دون الحاجة إلى كميات كبيرة من اللحم.

وكان للجريش طريقة خاصة في إعداده وتقديمه، وله أدواته التي عُرفت في البيوت في دقة وضربه اثناء طبخه ، حتى طريقة إفراغه من القدور بكبه من المغرفة إلى الصحون الخشبية التي تسمى الصحاف.

الطعام بحسب الفصول والمناسبات
وكان للموسم أثر واضح في مائدة الأسرة.

ففي الشتاء يزداد حضور الأطعمة التي تمنح الجسم الطاقة والدفء، مثل الحنيني والقشد وقرص عقيل والكليجا، إلى جانب الجريش والمرقوق.

وكان الحنيني يقدم كذلك للعروسين في صباح زواجهما، فيكون جزءًا من العادات الغذائية المرتبطة بالمناسبة.

أما قرص الجمر فقد ارتبط في الذاكرة بالكشتات والسفر، إذ كان مناسبًا للحياة خارج المنزل وسهولة إعداده على الجمر.

وكان هذا الارتباط بين الطعام والموسم والمناسبة جزءًا طبيعيًا من الحياة، إذ لم تكن الأسواق توفر للناس في كل وقت ما توفره الأسواق الحديثة اليوم.

فكان الجريش حاضرًا في المناسبات والأيام ذات المكانة الخاصة في حياة أهل بريدة؛ ففي صباح يوم عيد الفطر كان يُقدَّم بعد الفراغ من صلاة العيد، فيجتمع أهل البيت او مجموعة من الاسر في الطرقات او المنازل على هذه الوجبة التي أصبحت من ملامح العيد وذكرياته.

أما في مناسبات الزواج، فكانت الولائم أكبر وأوسع؛ إذ كان يُنحر جمل أو جملان، ويُطبخان مع الجريش، ثم يُقدَّمان للضيوف بعد صلاة العصر، في مشهد يجسد الكرم وحسن الضيافة، ويعكس مكانة الطعام في المناسبات الاجتماعية عند أهل بريدة قديمًا.

ومن الأطعمة الشائعة قديمًا «القَفَر»، وهو اللحم المُقدَّد والمملَّح؛ وله متذوقوه فإذا زاد اللحم عن حاجة الأسرة، قاموا بتشريحه إلى شرائح، ثم أضافوا إليه الملح، ونشروه على حبال في مكان مظلل حتى يجف، وبعد ذلك يخزنونه للاستفادة منه مدة أطول. وكان ذلك من طرق حفظ اللحوم في زمن لم تكن فيه الثلاجات ووسائل التبريد الحديثة متاحة كما هي اليوم.

وفي زمن العوز والفقر، برز غذاء عرفه أهل بريدة وعموم القصيم يُسمّى «المحزّر». وكان يُصنع من قطع صغيرة من الشحم، توضع داخل تجويف كرش بعير بعد تنظيفه جيدًا، ثم يُغلق بإحكام ويُعلّق تحت الشمس عدة أيام، حتى تخرج منه الرطوبة ويتماسك الشحم ويتكلّس بداخله. وبعد ذلك يُحفظ في مطبخ البيت للاستفادة منه عند الحاجة. فإذا أقبل الشتاء، أُخذ منه مقدار قليل ووُضع مع المرقوق أو المطازيز أثناء الطبخ، فيكسبهما نكهة دسمة وطعمًا يغني عن اللحم عند عدم توفره. وكان «المحزّر» مثالًا على حسن تدبير أهل بريدة والقصيم واقتصادهم في أوقات الشدة، واستفادتهم من المتاح من موارد الغذاء وعدم التفريط فيها.

الحسو ماء البيت في بريدة القديمة
ومن معالم البيت البريداوي القديم الحسو، وهو البئر التي كانت توجد في كثير من المنازل، وقد يكون الحسو مشتركًا بين جارين متجاورين، فينتفعان بمائه ويشتركان في العناية به.

وكان الماء يستخرج من الحسو بوسائل بسيطة، ويستخدم في شؤون المنزل المختلفة، ولا سيما سقي الأشجار والنخيل، وري النباتات، وسقي المواشي، والغسيل والتنظيف وسائر الاحتياجات المنزلية.

وكانت مياه الآبار في بريدة متفاوتة في جودتها، وكان كثير من مياه الحساوة (الآبار) وهي قريبة من سطح الأرض لا يتجاوز العشرة أمتار مياهها هماجًا، أي مالحًا أو غير مستساغ للشرب، ولذلك لم يكن يعتمد عليه بالضرورة للشرب والطهي، وكانت الأسر تعتمد للشرب والطهي على المياه التي تجلب من الآبار والمصادر المعروفة بصلاحية مياهها، بحسب الزمان والمكان.

وكان وجود الحسو في المنزل جزءًا من تكامل البيت القديم؛ فالماء قريب، والنخلة في الفناء، وشجرة الأترنج إلى جوارها، والبقرة أو البقرتان في موضعها، والدجاج في ناحية من الحوش، وما تحتاجه الأسرة من الطعام ينتفع فيه بما تنتجه البيئة المحيطة بها.

وهذه التفاصيل الصغيرة ترسم لنا صورة واضحة للحياة في بريدة قديمًا؛ حياة كانت تقوم على البساطة، وحسن التدبير، والاستفادة من موارد المنزل، والتعاون بين الجيران، حتى إن مورد الماء نفسه كان في بعض البيوت يجمع بين أسرتين متجاورتين.

مائدة الأسرة أكثر من مجرد طعام
ولعل أجمل ما في طعام الآباء والأجداد أنه لم يكن مجرد سد للجوع، بل كان جزءًا من الحياة الأسرية والاجتماعية.

كانت الأسرة تجتمع على سفرة واحدة من الخوص، وقد يوضع صحنان؛ الأول للأب وأبنائه الذكور، والثاني للأم وبناتها، مع اجتماع الجميع في المكان نفسه حول السفرة.

وكان الضيف قريب الصلة بالأسرة إذا حضر شارك أهل البيت طعامهم، وتتحول الوجبة إلى مناسبة للحديث والتواصل.

وكانت القهوة والتمر في مقدمة ما يقدم للضيف، ثم الشاهي، وإن كان حضوره أقل مما أصبح عليه في الأزمنة اللاحقة، ثم يقدم الطعام بحسب الوقت والمناسبة.

وكان الكرم يقاس بما يقدمه أهل البيت مما يملكون، لا بكثرة الأصناف.

وهكذا كانت المائدة، رغم بساطتها، تجمع الأسرة وتقرب أفرادها، وتعلم الأبناء معنى المشاركة والقناعة واحترام النعمة.

وكان للربيع في حياة أهل بريدة طعامٌ آخر يأتيهم من السماء؛ فحين تهاجر أسراب الجراد إلى القصيم، وتمر ببريدة وما حولها، كان الناس في ذلك الزمان يستقبلونها بالصيد والفرح، ويرون فيها رزقًا ساقه الله إليهم، حتى كانوا يقولون إنها وجبة جاء بها الرحمن.

فيخرج الرجال والصبيان لاصطياد الجراد، ويجمعونه بكميات كبيرة، ثم يُعدّ للأكل بطرق معروفة عند أهل المنطقة، فيكون طعامًا حاضرًا على موائدهم. وكان بعض أهل بريدة يعدّ الجراد من أطيب ما يؤكل، بل يفضّله على اللحم، لما اعتادوا عليه من مذاقه وما يرونه فيه من خير ورزق.

ولم يكن الجراد عندهم مجرد طعام عابر، بل كان جزءًا من ذاكرة الربيع وموسمًا ينتظره الناس، تتجدد معه مشاهد الصيد والاجتماع والتعاون بين أفراد الأسرة والجيران. وهكذا ارتبط الطعام في حياة أهل بريدة بالمواسم والبيئة من حولهم؛ فما تجود به الأرض يؤكل، وما يأتي مع المطر والربيع يُستقبل بالفرح، وما تسوقه أسراب الجراد يُعد رزقًا من الله.

ولهذا قالوا اذا جاء الجراد فانثر الدواء.

من ذاكرة أسرة آل أبو عليان
وعندما نستعيد اليوم طعام أهل بريدة، ومنهم أسرة آل أبو عليان، وهي أسرة عاشت في بريدة وكانت من الأسر المتحضرة فيها والمؤسسة لها، فإننا لا نستعيد مجرد أسماء أكلات قديمة وطرق إعدادها، وإنما نستعيد صورة متكاملة من حياة الآباء والأجداد؛ نستعيد معها تفاصيل البيت، والمزرعة، والنخلة، والبئر، والابل والمواشي، ومواسم الزراعة والحصاد، كما نستعيد عادات الأسرة في الطعام والضيافة، وروح التعاون والتكافل بين أهل الحي.

فوراء كل أكلة قديمة قصة، ووراء كل طريقة إعداد جانب من جوانب الحياة التي عاشها الأجداد؛ ولذلك فإن توثيق طعامهم ليس توثيقًا للمائدة وحدها، بل هو توثيق لذاكرة المجتمع وحياته اليومية، ولأسلوب معيشة الآباء والأجداد، وما كان فيها من بساطة وقناعة وكرم وحسن تدبير.

ففي الصباح قهوة وتمر ولبن، وقد يكون الجريش أو غيره من الأطعمة.

وفي الغداء مراصيع ولبن وفي العشاء قرصان او جريش او مرقوق أو مطازيز، ومعها ما يتيسر من الخضار، وقد يكون اللحم حاضرًا في المناسبات وأيام السعة والضيافة.

وفي المساء البعيد وجبة خفيفة للاطفال أخف من الجريش أو المرقوق أو خبز البر والتمر واللبن، وفي الشتاء يحضر الحنيني والقشد.

وكانت هذه الحياة تقوم على القناعة، وحسن التدبير، والاستفادة من الموجود؛ فالقليل يكفي، والنعمة تحفظ، والطعام لا يهدر.

ولذلك فإن توثيق ما كان يأكله الآباء والأجداد هو في حقيقته توثيق لجانب مهم من ذاكرة الأسرة وذاكرة بريدة نفسها؛ إذ إن الطعام يخبرنا عن البيئة والزراعة والمواشي والأسواق، وعن دور المرأة في البيت، وعادات الضيافة، ومستوى المعيشة، وطبيعة العلاقات الاجتماعية.

لقد كانت مائدة أسرة آل أبو عليان وعموم أسر بريدة والقصيم بسيطة في مكوناتها، لكنها كانت تحمل معنى كبيرًا: البر الكامل والتمر والدبس واللبن والسمن، وما تيسر من طعام الأرض والماشية، و أكرام الضيف بالذبح له تعظيما لشانه، واجتماع الأسرة حول المائدة.

وهذه تفاصيل قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها حين تجمع تصبح صورة حية من صور الحياة التي عاشها الآباء والأجداد، وتستحق أن تبقى محفوظة للأبناء والأحفاد.

Posted in

أضف تعليق