
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان.
وها انا أصل إلى المقال (100) المئة من هذه السلسلة التي جاءت وفاءً لتاريخ الأسرة، وتوثيقًا لذاكرتها، واستحضارًا لسير الآباء والأجداد، وما تركوه من آثار ومواقف وأحداث ارتبطت بمدينة بريدة وأهلها.
مئة مقال ليست مجرد رقم يُضاف إلى سجل الكتابة، وإنما هي مئة محطة من محطات الذاكرة؛ حاولت من خلالها أن أجمع شيئًا مما بقي في الذاكرة، وأن أحفظ للأجيال بعضًا من أخبار من سبقوهم، والأماكن التي عاشوا فيها، والمجالس التي جلسوا فيها، والأعمال التي تركوا بها أثرًا في مجتمعهم.
ولعل من جميل المصادفة أن يأتي المقال المئة عن جامع الجردان؛ ذلك الجامع الذي لا يمثل مكانًا للعبادة والصلاة فحسب، بل هو معلم من معالم ذاكرة الأسرة وحي الخالدية في بريدة، وموضع ارتبط بأيام الآباء والأجداد، وبحياة الناس في ذلك الحي، وبصور من تاريخ المدينة التي لا تزال حاضرة في الذاكرة.
وفي هذا الجامع تتقاطع صفحات من تاريخ الأسرة؛ فقد ارتبط اسم جدي علي الجارالله العجلان بالأذان، وكان قبل ذلك من رجال العقيلات، ثم ترك حياة التجارة والترحال واستقر في بريدة، وأصبح للجامع حضوره في حياته وخدمته للمصلين.
ثم جاء دور والدي محمد بن علي الجارالله العجلان آل أبو عليان، فكان يقوم بمهام الإمام، وكان يُنيب في القراءة على المصلين في شهر رمضان، فكان الجامع جزءًا من حياته، وموضعًا مارس فيه مسؤولية دينية واجتماعية تتطلب العلم والأمانة وحسن القيام بحق المصلين.
ثم امتدت هذه الصلة إلى عمي الشيخ القاضي عبدالرحمن بن سليمان الجارالله العجلان آل أبو عليان، الذي تولّى خطابة وإمامة جامع الجردان مدةً من الزمن؛ فكان حضوره في الجامع امتدادًا لهذا الدور الذي ارتبط بأفراد من الأسرة، ورسّخ حضورها الديني والاجتماعي في حي الخالدية.
وهكذا تبدو لنا صورة جميلة من صور تعاقب الأدوار داخل الأسرة؛ مؤذن، وإمام وقائم بشؤون الصلاة والقراءة، ثم خطيب وإمام، وكل ذلك في جامع واحد، وفي حي واحد، وفي مدينة واحدة، حتى أصبح الجامع شاهدًا على جانب من تاريخ الأسرة وحياتها في بريدة.
ولذلك فإن الحديث عن جامع الجردان ليس حديثًا عن بناء أو مكان فحسب، وإنما هو حديث عن الإنسان والمكان والذاكرة؛ عن آباء وأجداد كانت لهم صلة بهذا الجامع، وعن حي الخالدية الذي احتضن جانبًا من حياتهم، وعن بريدة التي كانت وما زالت حاضرة في وجدان الأسرة.
مئة مقال.. وذاكرة لا تنتهي
وبلوغ المقال المئة يجعلني أنظر إلى هذه الكتابات لا بوصفها مقالات متفرقة، وإنما بوصفها صفحات متتابعة من سجل الذاكرة؛ بعضها عن أشخاص، وبعضها عن أماكن، وبعضها عن مواقف وأحداث، يجمعها هدف واحد: أن يبقى شيء من تاريخ الأسرة حاضرًا، وأن يجد الأبناء والأحفاد مادة مكتوبة تعينهم على معرفة من سبقهم، وما تركوه من سيرة وأثر.
وما أجمل أن تكون الصفحة المئة عن جامع الجردان؛ ذلك المكان الذي اجتمع فيه شيء من عبادة الأجداد، وخدمتهم للمجتمع، وذكرياتهم في حي الخالدية. فكأن المكان نفسه يختصر جانبًا من الرحلة التي حاولت هذه المقالات أن توثقها.
لقد علمتني هذه الرحلة أن الذاكرة أمانة، وأن كثيرًا من التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة في حياة أصحابها قد تصبح بعد عقود شاهدًا مهمًا على زمن كامل. وأن الكتابة عن الآباء والأجداد ليست استعادة للماضي فحسب، بل هي صلة بين جيل مضى وجيل يعيش اليوم وجيل سيأتي غدًا.
وأنا إذ أصل إلى المقال المئة، أحمد الله على توفيقه، وأشكر كل من قرأ هذه المقالات، أو أضاف إليها معلومة، أو صحح رواية، أو استعاد ذكرى، أو شجع على مواصلة التوثيق؛ فمثل هذه المشاركات هي التي تجعل الذاكرة أكثر اكتمالًا، والتاريخ أكثر قربًا من الحقيقة.
مئة مقال مضت، وما زالت الذاكرة تقول الكثير.
وإن كان المقال الأول قد بدأ بخطوة، فإن المقال المئة ليس نهاية الطريق، وإنما محطة أتوقف عندها لأتأمل ما مضى، وأستشرف ما بقي من صفحات تستحق أن تُكتب.
أسأل الله أن يبارك فيما كُتب، وأن يجعله وفاءً لمن سبقونا، وذكرى طيبة لمن عاشوا تلك الأيام، وفائدةً لمن يأتي بعدنا، وأن يحفظ لنا تاريخ الأسرة وذاكرتها، وأن تبقى بريدة وأحياؤها ومعالمها حاضرة في وجدان أبنائها.
ومن جامع الجردان، هذا المعلم من ذاكرة الأسرة وحي الخالدية، تأتي الصفحة المئة… صفحةٌ تحمل في طياتها مئة حكاية، ومئة وقفة، ومئة محاولة لحفظ شيء من ذاكرةٍ عزيزة لا نريد لها أن تغيب.
المصدر: موقع أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان
https://aljarallah.net/articles/art-1790636483851
أضف تعليق