سوق الجردة: المكان الذي ارتبط باسم أسرة آل أبو عليان وذكرياتها. (الصورة المرفقة تعبيرية)

كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان 

عندما نشأت إمارة آل أبو عليان متزامنةً مع نشأة وتأسيس مدينة بريدة، كانتا توأمين في التاريخ؛ فقد تولّت الأسرة إمارة بريدة، ثم القصيم وتعاقب على قيادتها عدد من أمرائها، وقامت بتأسيس المدينة وتنظيم حياتها، وشيدت القلعة والجامع والأسواق فيها، التي أصبحت موطنًا للسكان ومركزًا لحياتهم الاقتصادية والاجتماعية.

وقد ارتبطت نشأة بريدة، منذ استقرار آل أبو عليان فيها في سنة 985 هـ، بنشاط عمراني وتجاري متنامٍ؛ فازدهرت الأسواق، ونشطت الزراعة والتجارة، وأصبحت المدينة مع مرور الزمن من أبرز حواضر نجد ومراكزها الاقتصادية.

ومع اتساع بريدة ونموها، برز سوق الجردة بوصفه واحدًا من أهم أسواقها القديمة، وأصبح جزءًا من نسيج المدينة وذاكرتها، وارتبط اسمه بحركة التجارة والقوافل والباعة والمتسوقين، وبحياة أجيال متعاقبة من أهل بريدة.

سوق الجردة وموقعه تحديدا من قصر آل أبو عليان والأسواق المحيطة به

ارتبط اسم سوق الجردة في الذاكرة الشعبية على نحو خاص بسوق الإبل والبعير، وكان السوق يعمل من يوم السبت إلى يوم الخميس، على فترتين يوميًا، في حركة تجارية نشطة تعكس أهمية السوق في الحياة الاقتصادية لبريدة وموقعه مواجه تماما لقصر آل أبو عليان من بوابته الجنوبية ويمتد الى سوره الشرقي.

وكانت له أسواق رديفة ومجاورة، من أبرزها أسواق قبة رشيد وداحس والوسعة، إلى جانب سوق تجار القشلة (المجلس) وأهل الصناعات والجزارين، والفلاحين القادمين من الخبوب الغربية بما يحملونه من منتجات زراعية وغذائية لبيعها في هذه الأسواق ويقع سوق الجردة شرق الأسواق المشار اليها إلا أن الغلبة والصدارة ظلت لسوق الجردة، لما كان يتمتع به من أهمية ومكانة وحركة تجارية، وما عُرف به من عنفوانٍ وحيوية جعلته أبرز أسواق المنطقة وأكثرها حضورًا في ذاكرة أهل بريدة. 

وكان هذا التعدد في الأنشطة والأسواق يجعل المنطقة المحيطة بالجردة مركزًا نابضًا بالحركة؛ يأتي إليها أهل البادية والحاضرة، والتجار والمزارعين وأصحاب الحرف، فيلتقون فيها للبيع والشراء وقضاء الحاجات وتبادل الأخبار.

وكان رُغاء الإبل من الأصوات المميزة التي تملأ أرجاء سوق الجردة، يمتزج بحركتها وهي تتنقل في رحاب السوق، وتتزاحم بينها وبين الناس والقادمين بها من البادية. فتارةً تُقاد الإبل إلى مواضع العرض، وتارةً تُدار حول المشترين ليتفحصوا سنامها وقوامها وسيرها، بينما أصحابها يصفون محاسنها وما تتميز به من صفات.

وكانت لحظة البيع مشهدًا له طابعه الخاص؛ ترتفع فيه أصوات الدلّالين والمنادين، وتمتزج برُغاء الإبل وحركتها، لتشكّل لحنًا أسطوريًا يستمد أصداءه من عبق الماضي  وينادي الدلال على الإبل ويبدأ عرض ثمنها، فتتعالى الأصوات من حوله بالمزايدة، ويزيد هذا على ذاك، حتى تستقر المزايدة على آخر سعر يقبله البائع والمشتري، فيرسو البيع وتنتقل الإبل إلى مالك جديد.

وكانت المساومة جزءًا أصيلًا من حياة السوق؛ فلا تتم الصفقة عادةً في صمت أو عجلة، وإنما وسط حركة الناس وأصواتهم، والنظر في جودة الإبل وقيمتها، ومعرفة أهل السوق بأسعارها وما يرفع قيمتها أو ينقصها. فإذا رسا السعر وأعلن الدلال تمام الصفقة، انفض الناس عن البيعة إلى صفقة أخرى، فيما يستمر السوق في ضجيجه وحركته، وكأن موجةً من الأصوات تعقبها أخرى لا تهدأ.

وكانت بعض البيعات تتم للقطيع جملةً وبالذات من تجار العقيلات تمهيدا لبيعها ضمن رحلاتهم في أسواق الشام وفلسطين والعراق ومصر، وأخرى لرؤوسٍ مفردة، بحسب نوع الإبل وغرض المشتري وحجم الصفقة. 

وهكذا كان سوق الجردة صورةً حيةً من صور الحياة التجارية في بريدة؛ رُغاء الإبل، وصوت الدلال، ونداء الباعة، ومساومة المشترين، وحركة القادمين من البادية والحاضرة، كلها أصوات ومشاهد شكّلت جزءًا من ذاكرة المكان، ولا تزال حاضرة في روايات من عاشوا تلك الأيام.

سبب تسمية الجردة

تتداول الذاكرة المحلية أكثر من رواية في سبب تسمية الجردة بهذا الاسم، ومن أشهرها أن كلمة «الجردة» في لهجة نجد تشير إلى الأرض الجرداء، أي الأرض الفضاء المكشوفة التي لا شجر فيها ولا زرع.

وتذكر الرواية أن السوق في بداياته كان ميدانًا ترابيًا واسعًا ومكشوفًا في شرق سور بريدة القديمة، تجتمع فيه القوافل والتجار والبدو والحضر، وتعرض فيه الإبل والمواشي والبضائع، فغلب على المكان اسم الجردة، ثم امتد الاسم إلى السوق وما حوله.

وتوجد رواية أخرى متداولة عند بعض كبار السن من أهل بريدة، مفادها أن المكان كان يسمى ميدان الجردة؛ لأنه كان موضعًا تُجرد فيه البضائع وتعرض على الأرض المكشوفة، قبل أن تنتظم الأسواق وتقام الحوانيت الطينية على أطرافها.

وأيًا كانت الرواية الأصح في أصل التسمية، فقد أصبح اسم الجردة مع مرور الزمن اسمًا راسخًا في ذاكرة بريدة، لا للسوق وحده، وإنما للمنطقة وما ارتبط بها من نشاط اقتصادي واجتماعي.

الجردة في ذاكرة أسرة آل أبو عليان

ليس كل مكان مجرد شوارع وبيوت وأسواق؛ فبعض الأماكن يتحول مع مرور الزمن إلى جزء من ذاكرة الإنسان، يحمل بين أركانه قصص الآباء والأجداد، ويختزن أصواتهم وخطواتهم ومجالسهم وأيامهم.

ومن هذه الأماكن التي احتلت مكانة خاصة في ذاكرة أسرة آل أبو عليان سوق الجردة في بريدة.

فقد ارتبط السوق بحياة الأسرة ارتباطًا وثيقًا، فهم من أسسه وقام على شانه (تنظيما، ورقابة ،وحسبة ) وأصبح ذكره يستحضر مرحلة كاملة من تاريخها؛ مرحلة عاش فيها الآباء والأجداد، ومارسوا فيها أعمالهم، وعرفوا أهل بريدة وعرفهم أهلها، وكانت لهم فيها دكاكين ومجالس وعلاقات اجتماعية وتجارية.

وكان سوق الجردة شاهدًا على جانب مهم من حياة الأسرة الاقتصادية؛ فقد ارتبط بالتجارة وحركة القوافل، ومنها قوافل العُقيلات التي كانت تنطلق منه مغرّبة إلى الشام وفلسطين وشرق الأردن، او محدرة الى العراق بحثًا عن الرزق والتجارة.

ولم تكن دكاكين الأسواق القديمة مجرد أماكن للبيع والشراء، بل كانت مجالس صغيرة يلتقي فيها التجار والأهالي، وتعقد فيها المعاملات، وتكتب المداينات، وتتبادل الأخبار، ويتعارف الناس ويتواصلون.

وفي هذا المحيط عاش أفراد من الأسرة تفاصيل حياتهم، وتكونت علاقاتهم الاجتماعية، وامتدت صلاتهم بأهل بريدة، ولذلك فإن الحديث عن سوق الجردة ليس حديثًا عن سوق قديم فحسب، بل هو حديث عن مرحلة من مراحل حياة الأسرة واستقرارها في بريدة.

من حياة «التغريب» إلى التجارة في سوق الجردة

ومن أبرز ما ارتبط بسوق الجردة في ذاكرة اسرة الجارالله العجلان وهم جزء من ذاكرة أسرة آل أبو عليان قصة الجد علي الجارالله العجلان رحمه الله، الذي أمضى سنوات من حياته في حياة العُقيلات وهو أول من جلب لقاح الجدري للقصيم من مصر سنة 1931.أطلع على المقال التالي

وقد كان للعقيليين الفاظا خاصة بهم فهم يقولون عن أنفسهم انهم(مغربين) أي متجهين للشام وفلسطين ومصر أو (محدرين) أي متجهين للعراق أو (مشرقين) أي عائدين منها وهي حياة السفر والاغتراب طلبًا للتجارة والرزق، والتنقل بين البلدان والأسواق، وما يصاحب ذلك من مشقة الطريق وبعد الأهل والوطن.

ثم تغيرت الظروف الاقتصادية في المملكة العربية السعودية، ولا سيما مع اكتشاف البترول وبدء تصديره، وما صاحب ذلك من تحسن في الأوضاع الاقتصادية، واتساع حركة التجارة والموانئ، وتطور وسائل النقل والاتصال، ودخول البلاد مرحلة جديدة من الاستقرار والنمو.

ومع هذه التحولات، رأى رحمه الله، أن يعود إلى بريدة، وأن ينتقل من حياة الترحال والتغريب إلى التجارة المستقرة في مدينته وبين أهله.

ففتح له دكانًا في سوق الجردة، وبدأ يمارس التجارة من جديد، ولكن هذه المرة من خلال متجر ثابت في سوق يعرفه أهل بريدة ويرتادونه.

وكان دكانه يبيع ما كان يعرف آنذاك بـ «الأرزاق»؛ من القهوة والهيل والشاي والسكر والبهارات والعيش، أي القمح، إضافة إلى السمن وغيرها من المواد الغذائية، وما يحتاجه أهل البادية والمزارعون من مستلزمات الحياة اليومية أضافة الى تجارته بالابل.

وهكذا انتقل الجد علي من تجارة العُقيلات التي تقوم على السفر والتنقل بين البلدان إلى تجارة مستقرة داخل بريدة، لتكون عودته إلى سوق الجردة صفحة جديدة في حياته؛ صفحة عنوانها الاستقرار بعد الترحال، والتجارة بعد الاغتراب، والعودة إلى المدينة والأهل والمجتمع.

ولم تكن تجارة الجد علي مجرد بيع للسلع، بل كان الدكان جزءًا من الحياة اليومية للسوق؛ يلتقي فيه الناس، ويتبادلون الأحاديث والأخبار، وتجرى فيه المعاملات، ويعرف التاجر زبائنه وأهل حيه، ويعرفونه.

دكاكين الأسرة في الجردة وقبة رشيد 

ولم يكن الجد علي الجارالله العجلان وحده من أفراد الأسرة الذين ارتبطوا بالأسواق في تلك المنطقة؛ فقد سبقه والده جارالله وجده إبراهيم بن عجلان وشقيقه إبراهيم الجارالله العجلان وشقيقه عبدالله الجارالله العجلان رحمهم الله الذين كانوا من أصحاب الحوانيت المعروفة في السوق، في البيع والشراء والمداينات وكان لهم حضور في الحياة التجارية في تلك البيئة والحقبة الزمنية .

كما كان ابن أخيه الشاعر المعروف صالح بن إبراهيم الجارالله العجلان رحمه الله صاحب دكان في سوق قبة رشيد، وكان دكانه معروفًا ومقصودًا بين الناس.

ولم يكن دكان صالح مكانًا للتجارة فحسب، بل كان أيضًا ملتقى لمحبي الشعر الشعبي وذوّاقته، يجتمع فيه الشعراء ومحبي الشعر، وتتبادل فيه المساجلات الشعرية، وكان صالح نفسه أحد المشاركين فيها، فجمع دكانه بين التجارة والأدب الشعبي، وبين حركة السوق ومجالس الشعر.

وهكذا تتصل في ذاكرة الأسرة أكثر من صورة في منطقة واحدة: علي الجارالله العجلان في سوق الجردة، ووالده جارالله وجده إبراهيم وشقيقاه إبراهيم وعبدالله في حوانيت السوق، وابن أخيه صالح بن إبراهيم في قبة رشيد؛ وبين هذه الأسماء حركة تجارية واجتماعية وثقافية كانت تمثل جانبًا مهمًا من حياة بريدة في ذلك الزمن.

السكن بالقرب من السوق

وكانت الأسرة تسكن قريبًا من هذه الأسواق، الأمر الذي جعل سوق الجردة وما حوله جزءًا من البيئة اليومية التي عاش فيها أفرادها.

فلم يكن السوق مكانًا للعمل وحده، بل كان قريبًا من السكن ومن جامع آل أبو عليان، المعروف حاليًا باسم جامع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد، رحمه الله، حيث كان أفراد الأسرة مع غيرهم يؤدون الصلوات ويحضرون حلقات العلم، وكان الجامع إلى جانب دوره في العبادة يؤدي أدوارًا دينية واجتماعية مهمة، ظلت حاضرة في ذاكرة الأسرة ومرتبطة بحياتها في تلك المرحلة. 

وهكذا اجتمعت في مكان واحد عناصر متعددة من حياة الأسرة: السكن والتجارة والجامع والعلاقات الاجتماعية، ولذلك بقيت المنطقة حاضرة في الذاكرة حتى بعد أن انتقلت الأسرة إلى أحياء أخرى، واتسعت بريدة وتغيرت معالمها.

المكان الذي لا يغادر الذاكرة

ولعل أجمل ما في الأماكن القديمة أنها لا تحفظ التاريخ في حجارتها فقط، وإنما تحفظه في الذكريات التي ارتبطت بها.

فالمكان الذي مر به الأجداد كل يوم في طريقهم إلى الجامع، والدكان الذي جلس فيه الأجداد مع الناس، والسوق الذي شهد حركة التجارة، والطريق الذي سلكه الأبناء في طفولتهم، كلها تفاصيل قد تبدو بسيطة في وقتها، لكنها تتحول بعد عقود إلى شواهد ثمينة على حياة مضت.

وقد بقي سوق الجردة حتى بعد تطويره وتطوير سوق المجلس وسوق قبة رشيد من قبل امانة منطقة القصيم مشكورة حاضرًة في ذاكرة الأسرة حتى بعد انتقال أفرادها إلى أحياء أخرى، ومع اتساع مدينة بريدة وتغير ملامحها؛ فالأماكن تتغير، والبيوت قد تهدم أو يعاد بناؤها، والأسواق تتبدل، لكن ذاكرة المكان تبقى ما بقي من عاشها قادرًا على روايتها.

ومن هنا تأتي أهمية توثيق مثل هذه الأماكن في تاريخ الأسرة؛ فعندما نكتب عن سوق الجردة، فإننا لا نوثق سوقًا من أسواق بريدة فحسب، وإنما نوثق جزءًا من البيئة التي عاش فيها آباؤنا وأجدادنا، والفضاء الذي تشكلت فيه صفحات من حياتهم.

إن المحافظة على أسماء الأسواق والأحياء القديمة، والمساجد والبيوت والطرق، وربطها بالأشخاص والأحداث التي عرفتها الأسرة، تجعل تاريخ العائلة أكثر حيوية ووضوحًا؛ فالتاريخ لا يعيش بالأسماء وحدها، وإنما يعيش أيضًا بالأمكنة التي احتضنت أصحاب تلك الأسماء.

ولهذا سيظل سوق الجردة في ذاكرة أسرة آل أبو عليان، ومنهم أسرة الجارالله العجلان، أكثر من مجرد سوق قديم في بريدة؛ سيبقى مكانًا ارتبط بتاريخهم وحياتهم، وبالآباء والأجداد، وببقية تجار بريدة وأهلها، وبحركة التجارة التي شهدها السوق، وبأيام مضت وذكريات تناقلها الأبناء والأحفاد.

ففي هذا المكان تداخلت حياة الأسرة مع حياة المدينة؛ بين السكن والتجارة والجامع ومجالس الناس، وشهد السوق صفحات من حياة رجالٍ كان لهم حضورهم في تجارة بريدة ومجتمعها، وبقيت آثار تلك المرحلة محفوظة في ذاكرة من عاصرها، وفيما تناقلته الأجيال من روايات وذكريات.

فالأماكن قد تتغير ملامحها، وقد تتبدل أسواقها وبيوتها وطرقها، لكن بعض الأماكن لا تغادر الذاكرة؛ لأنها لم تكن مكانًا فحسب، بل كانت جزءًا من حياة من نحب، وجزءًا من تاريخ أسرةٍ ومدينةٍ ووطن.

(سوق الجردة) لن ننساك فكنت أنت مدرسةً تجارية عريقة نشأت في رحابه أعرافٌ وتقاليد استقر عليها أهل السوق، وأصبحت مع مرور الزمن جزءًا من الحياة التجارية في بريدة.

معظم المعلومات الواردة في هذا المقال مستقاة من الاستماع لجدي العقيلي علي الجارالله العجلان ومن والدي محمد بن علي الجارالله العجلان رحمهما الله ومن مشاهداتي وقراءاتي.

Posted in

أضف تعليق