أحد رواد المقاولات المعمارية الهندسية في المملكة العربية السعودية
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
يُعد المهندس سليمان بن علي بن عبدالعزيز الرجيعي من الرواد الأوائل في مجال المقاولات المعمارية الهندسية في المملكة العربية السعودية، وهو أحد النماذج الوطنية التي جمعت بين التفوق العلمي، والإدارة الناجحة، والإسهام الفاعل في مسيرة التنمية العمرانية التي شهدتها المملكة خلال العقود الماضية.
ينتمي المهندس سليمان الى قبيلة سبيع من بني ثور، وُلد ونشأ في مدينة بريدة، المدينة التي ظل يحمل لها محبة خاصة واعتزازًا كبيرًا، وتلقى فيها تعليمه الابتدائي والمتوسط والثانوي درس في المدرسة الزراعية ثم في ثانوية بريدة قبل أن ينتقل إلى مدينة الرياض لمواصلة تعليمه الجامعي في جامعة الرياض – التي تُعرف اليوم بجامعة الملك سعود – حيث تخرج في أواخر الستينيات الميلادية من كلية الهندسة قسم العمارة بعد سنوات من الجد والاجتهاد والمثابرة، ليكون من أوائل المهندسين السعوديين الذين شاركوا في نهضة قطاع المشاريع والإنشاءات في المملكة.
بدأ حياته العملية موظفا في جمعية الهلال الأحمر السعودي ببريدة وبعد تخرجه من الجامعة عمل مهندسا في رئاسة تعليم البنات بالرياض ثم انتقل عمله الى وزارة الصحة، حيث عُيّن مهندسًا مشرفًا في الإدارة العامة للمشاريع، وأسهم في الإشراف على تنفيذ عدد من المشاريع الحكومية التابعة للوزارة، فاكتسب خبرة هندسية وإدارية واسعة، عززت قدراته المهنية، ومهدت له الطريق لخوض تجربة العمل الحر.

وبعد سنوات قليلة من العمل الحكومي، اتخذ قرارًا جريئًا بالاستقالة، واتجه إلى تأسيس مؤسسة وطنية للمقاولات بالشراكة مع عدد من إخوانه، وكان من أبرزهم شقيقه المهندس منصور الرجيعي. وقد بدأت المؤسسة بخطوات متدرجة، اعتمدت على جودة التنفيذ، والانضباط، والالتزام بالمواصفات، وحسن الإدارة، حتى أصبحت – بفضل الله ثم بجهود مؤسسيها – من المؤسسات الوطنية الرائدة في مجال المقاولات العامة.
وشهدت المؤسسة توسعًا كبيرًا، ونفذت مشاريع حكومية كبيرة نوعية في مختلف مناطق المملكة، ، وكان من أبرزها إنشاء المستشفيات العامة والتخصصية، ومباني إمارات المناطق، إلى جانب العديد من المشاريع التابعة لوزارات وأجهزة الدولة المختلفة. وقد أكسبها ذلك سمعة مرموقة بين كبريات شركات المقاولات الوطنية، لما عُرفت به من جودة التنفيذ، والالتزام بالمواصفات، والوفاء بالمواعيد، والحرص على إنجاز الأعمال وفق أعلى المعايير المهنية.
ولم يكن نجاح المهندس سليمان الرجيعي مقتصرًا على الجانب المهني، بل عُرف كذلك بحسن الخلق، وطيب المعشر، وكرم النفس، والتواضع، وهي صفات أكسبته محبة كل من عرفه وتعامل معه. كما كان مثالًا في بر الوالدين، والوفاء لأسرته، وصلة رحمه، فكان بارًا بوالديه، كريمًا مع عماته، قريبًا من أبناء عمومته، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ويحرص على أداء ما تمليه عليه قيم الأسرة والمجتمع من واجبات ومكارم.
وكان، رحمه الله، يتمتع بشخصية قيادية، تجمع بين الحزم والحكمة، وبين حسن الإدارة وبُعد النظر، فكان موفقًا في اتخاذ القرار، ناجحًا في إدارة أعماله، كما كان صاحب رأي سديد في الشأن العام والاقتصاد، ومحدثًا لبقًا، حاضر الذهن، يحسن الحوار، ويترك أثرًا طيبًا في مجالسه، وهي صفات قلما تجتمع إلا في الشخصيات التي تترك بصمة باقية في محيطها.
ولم يكن المهندس سليمان بن علي الرجيعي رحمه الله ناجحًا في حياته العملية فحسب، بل كان أيضًا مثالًا في الوفاء وحسن العشرة. فقد جمعته بوالدي محمد بن علي الجارالله العجلان رحمه الله، زمالة العمل في وزارة الصحة في سنواتهما الأولى ثم تحولت تلك الزمالة إلى صداقة متينة امتدت طوال حياتهما، ولم يفرِّق بينهما إلا الموت رحمهما الله . وكانا نموذجًا للصديقين الصادقين اللذين جمعتهما المودة والاحترام والتقدير المتبادل.
ومن الشواهد التي بقيت حاضرة على تلك العلاقة الوطيدة أن المهندس سليمان هو الذي تولى تصميم فيلا والدي الكائنة في حي الربوة بمدينة الرياض عام 1985 على مساحة 2500 م فكان ذلك العمل شاهدًا ماديًا على عمق تلك الصداقة والثقة التي كانت تربط بينهما. وكان رحمه الله كثيرَ التردد على والدي، يزوره في منزله بحي الملز، ثم استمرت تلك الزيارات بعد انتقال والدي إلى منزله في حي الربوة وكنتُ أحرص غالبًا على استقباله كلما قدم للزيارة فلم تنقطع أواصر المودة التي جمعتهما، بل ظلت قائمة على الوفاء والإخاء الصادق. وكانت لقاءاتهما عامرةً بالمحبة والذكريات وتبادل الرأي، في صورةٍ تجسد عمق العلاقة التي نشأت بينهما وقد بقي المهندس سليمان رحمه الله وفيًّا لهذه العلاقة حتى بعد وفاة والدي، فكان يذكره بخير، ويترحم عليه، ويستعيد مواقفه معه ، وهو ما يعكس ما عُرف عنه من أصالة الوفاء وحفظ الجميل.
ولم تقتصر علاقته بأسرتنا على والدي بل امتدت إلى شقيقي جارالله (أبو هشام) رحمه الله الذي ربطته به علاقة مودة واحترام وكان المهندس سليمان يرجع إليه في عدد من المسائل القانونية طالبًا مشورته لما عرف عنه من علم وخبرة وحسن رأي وهو ما يعكس ما كان يكنّه له من ثقة وتقدير.
وقد أسرَّ إليَّ بسرٍّ لم يكن يعلم به أحد، فقال لي بعد وفاة أخي جارالله رحمه الله: إنه يحرص في كل عيد أضحى على أن يضحي عنه بأضحية، وفاءً له ومحبةً صادقةً بقيت في قلبه ولم تنقطع بوفاته. ولم يقف وفاؤه عند هذا الحد، بل كان لا يكاد يلقاني إلا ويسألني عن أبناء أخي، ويستفسر عن أحوالهم، ويتابع أخبارهم باهتمام وحرص، وكأنه يرى في السؤال عنهم امتدادًا لوفائه ومحبةً لأبيهم رحمه الله.
ومن جميل ما يُذكر في سيرة المهندس سليمان بن علي الرجيعي رحمه الله أنه لم يكن صديقًا وفيًّا فحسب، بل كان سببًا في توثيق صلة القربى بين أسرتين كريمتين. فقد كان هو الحلقة التي ربطت بين أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان وأسرة الحصين الكريمة.
ومن المواقف التي لا تزال عالقة في ذاكرتي، وتدل على كريم شمائل المهندس سليمان بن علي الرجيعي رحمه الله، أنه في صيف عام 1984م، وكنت حينها طالبا في الجامعة وبينما كنت أقيم في أحد الفنادق في إسطنبول الواقعة على مضيق البسفور وعند توجهي إلى مكتب الاستقبال لإتمام إجراءات المغادرة التفتُ إلى يساري فإذا به يقف أمامي مصادفة فتبادلنا السلام والسؤال عن الأحوال ثم سألني: «إلى أين وجهتك؟ يا فهد » فأخبرته أنني في طريقي إلى بلغاريا.
وما إن علم بذلك حتى بادر دون تردد إلى إخراج محفظته وأراد أن يتكفل بسداد كامل تكلفة إقامتي في الفندق في موقف يجسد أصالة معدنه، وكرم نفسه وسخاء يده. إلا أنني شكرت له مبادرته الكريمة وأكدت له أن معي من المال ما يكفي لسداد قيمة الإقامة ومصاريف السفر.
وقد بقي ذلك الموقف محفورًا في ذاكرتي، ليس لقيمة المبلغ وإنما لما حمله من مشاعر المودة وصدق الأخوة والمبادرة إلى الإحسان وهي خصال عُرف بها المهندس سليمان رحمه الله طوال حياته فكان كريم النفس، سبّاقًا إلى المعروف لا يتردد في بذل ما يستطيع لإكرام من يحب.
ومن المواقف الإنسانية العظيمة التي تُذكر للمهندس سليمان بن علي بن عبدالعزيز الرجيعي رحمه الله، أنه تبرع بما قيمته 20 مليون ريال لشراء 371 جهاز من أجهزة غسيل الكلى، وقدّمها هدية للشعب السوري في فترةٍ عصيبة كان يعاني فيها من ظروف إنسانية بالغة القسوة. ويجسد هذا الموقف جانبًا من شخصيته الكريمة، وإيمانه العميق بأن المال رسالة، وأن الإحسان إلى المحتاجين لا تحدّه حدود ولا تقيده جنسية أو مكان.
وستبقى هذه الذكريات جزءًا من سيرة رجلٍ جمع بين النجاح المهني ودماثة الخلق والوفاء لأصدقائه وهي صفات لا تقل قيمة عن إنجازاته الهندسية بل تزيد سيرته إشراقًا وخلودًا في نفوس من عرفوه.
لقد مثّلت مسيرة المهندس سليمان بن علي الرجيعي نموذجًا مشرفًا لجيل من الرواد الذين أسهموا في بناء المملكة الحديثة، وسخروا علمهم وخبراتهم في تنفيذ مشاريع تنموية كان لها أثر واضح في تطوير البنية التحتية، ودعم مسيرة النهضة الشاملة التي شهدتها المملكة العربية السعودية في مختلف المجالات.
وفي يوم الاثنين 13 من شهر ذي الحجة من عام 1446هـ، الموافق 9 يونيو 2025 انتقل المهندس سليمان بن علي الرجيعي إلى رحمة الله تعالى، وصلي عليه في جامع الشيخ عبدالله المهيني ووُوري الثرى في مقبرة الشمال في مدينة الرياض بعد حياة حافلة بالعطاء والعمل والإنجاز، تاركًا وراءه إرثًا مهنيًا واجتماعيًا مشرفًا، وسيرة عطرة ستظل حاضرة في ذاكرة من عرفه، وفي سجل رجال البناء والتنمية في المملكة.
رحم الله المهندس سليمان بن علي بن عبدالعزيز الرجيعي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه لوطنه ومجتمعه، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان، وجعل ما قدمه من أعمال نافعة في ميزان حسناته.
أضف تعليق