
توطئة:-
لم يكن إدراج السيرة الذاتية للأستاذ عبدالله بن إبراهيم الحسون – رحمه الله – في موقع أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان عملاً عابرًا وإنما جاء انطلاقًا من رسالة الموقع في توثيق سير رجالات اسرة ال أبو عليان وأعلامها الذين كان لهم أثر في المجتمع وحفاظًا على هذا الإرث ليبقى حاضرًا بين الأجيال.
وقد كان من أهم الدوافع إلى نشر هذه السيرة أن أسرة الحسون تُعد إحدى الأسر الكريمة المنتمية إلى آل أبو عليان ومن ثم فإن توثيق سيرة أحد رجالاتها يُعد جزءًا من توثيق تاريخ الأسرة الكبير وإبرازًا لتنوع إسهامات أبنائها في ميادين الحياة المختلفة.
كما أن هذه السيرة كتبها ابنه الاستاذ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله الحسون وهو من الشخصيات المعروفة في أسرة آل أبو عليان ومن أصحاب الحضور الاجتماعي والثقافي وله إسهامات وكتابات نافعة فضلًا عن علاقاته الواسعة وحرصه الدائم على خدمة أسرته وتعزيز التواصل بين أفرادها. ومن هذا المنطلق كان من الوفاء والتقدير أن تُحفظ هذه السيرة في الموقع لتكون مرجعًا موثقًا يعرّف الأجيال بسيرة والده ويُبرز ما بذله من أعمال ومواقف تستحق أن تُروى وتُحفظ.
كتب د عبدالرحمن بن عبدالله الحسون
من مشاهير اسرة آل ابو عليان المعاصرين والدي المعلم والمربي الفاضل عبدالله بن إبراهيم الحسون رحمه الله كما يصفه المؤلف الأستاذ عبدالله زايد الطويان رحمه الله في كتابه أيسر الدلائل لبعض أنساب أسر القصيم وحائل. ولد رحمه الله عام ١٣٤٩هـ الموافق ١٩٣٠م في مدينة بريدة بمنطقة القصيم. ودرس المرحلة الابتدائية في مدينة بريدة ثم التحق بالمعهد العلمي فيها وتخرج منه في العام ١٣٦٧ هـ وأثناء عمله مديراً للتعليم الأهلي بالرياض بين عامي ١٣٩١-٩٥ ١٣هـ التحق منتسباً في كلية اللغة العربية في جامعة الإمام بالرياض. كان من رجالات التعليم الأوائل الذين خدموا التعليم في المملكة العربية السعودية منذ عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله.
تحدث عنه صديقه الوفي والوجيه في كتابه حب الحصيد الشيخ محمد بن عثمان البشر رحمه الله أحد أشهر أعيان بريدة وهو من أحفاد المؤرخ الشهير عثمان ابن بشر صاحب كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد يقول: ((عبدالله إبراهيم الحسون من أوائل الزملاء، ومن أوفى الأصدقاء، باشرت أنا وإياه العمل التدريس في وقت واحد عام ١٣٨٦هـ حيث وجه رحمه الله مدرساً بمدرسة المذنب مرافقاً للشيخ عبدالله المشعلي الذي قام بافتتاح أول مدرسة في المذنب وإدارتها. ثم جمعتنا مدارس بريدة. خلفني على إدارة مدرسة الفيصلية عام ١٣٧٩هـ حين انتقالي إلى المتوسطة الثانوية، وحين فصلت المرحلة المتوسطة عن الثانوية عام ١٣٨٥هـ تولى إدارة المدرسة المتوسطة في بريدة. عمل مساعداً لمدير عام تعليم البنات بالمنطقة الشرقية ثم مديراً للتعليم الأهلي بالرئاسة العامة لتعليم البنات. كان مثال الصابر المحتسب. في آخر شعبان ١٤٢٩هـ زرته أنا والشيخ عبدالله بن سليمان الربدي زميل وصديق الجميع كان يحمد الله ويشكره أن مكنه من شهود صلوات الجماعة، كان الصديق والرفيق في مرحلة العمر، شاركنا في تعقب مشاريع مدينة بريدة، وكان وجوده في الرياض معيناً ومساعداً، بيته في الرياض بيت الجميع لا يرضى إلا أن نحل عنده دائماً. من مؤسسي جمعية البر الخيرية في بريدة يساعد في توفير الدعم لها أعتبره من الأمثلة الحية للمسلم الصابر المحتسب. وقد وفقه الله فوهبه أبناءً صالحين بررة برزوا في تعلمهم وفي أعمالهم)).
كان رحمه الله محباً للعلم والثقافة والتعليم ويعشق القراءة والكتابة، فكان عضواً في النادي الأدبي في القصيم ومشرفاً على مكتب صحيفة القصيم في بريدة لسنوات. وكما انه كان كاتباً في صحيفة القصيم وكتب بعض المقالات القيمة وتم نشرها في صحيفة القصيم واذكر ما نشر منها في العدد الثامن من تاريخ ٢٠-٠٧-١٣٧٩ من الهجرة يطالب فيه لجنة الاستيراد باسم الأهالي ان تجعل مدينة بريدة وهي من كبريات المدن الرئيسية في نجد والا تكون من المنسيات. ذكر الشيخ محمد البشر والدي رحمهما الله جميعاً عند حديثه عن جريدة القصيم وقال: ((إن اي كاتب أو مؤرخ أو متحدث عن منطقة القصيم ومدينة بريدة لابد أن يتطرق إلى حدث هام له قيمته وهو صدور صحيفة القصيم من بريدة وكان ذلك أملاً حياً يراود أبناء بريدة بصدور صحيفة باسم منطقتهم تكون لسان حالهم، والمعبر عنهم وعن وطنهم. وقد اختمرت الفكرة عند عدد من المتعلمين والمثقفين. وكان ذلك قبل قيام نادي القصيم الأدبي عام ١٤٠٠هـ. وقد نفذ الفكرة الأخوة في الرياض حيث سارع الشيخ/ عبدالله علي الصانع إلى أخذ امتياز وإذن بصدورها حتى قال وكنت أنا والأستاذ عبدالله الحسون مشرفين على مكتبها في بريدة. وفي موضع آخر ذكر قصة وفاة الملك فيصل رحمه الله في عام ١٣٩٥هـ وسفره إلى الرياض للصلاة عليه، فلم يتمكن من الوصول إلى جامع الرياض فبقوا في منزل والدي رحمه الله.
وقد تحدث المؤلف والأديب إبراهيم المسلم في كتابه القصيم والتطور الحضاري عن الشباب الذين ساهموا في مشاركة صادقة في تقدم بلادهم نحو الأفضل، وكانوا لا يقصدون مناصب، أو جاه، وإنما خدمات جليلة يقدمونها دون مقابل وذكر منهم والدي عبدالله إبراهيم الحسون رحمه الله.
كان الوالد رحمه الله رجلاً اجتماعياً ويهتم لأمر مدينة بريدة كثيراً، فتم ترشيحه ليصبح عضواً في مجلس أهالي بريدة، فكان مع وجهاء مدينة بريدة ولا يدع مناسبة أو زيارة للمسئولين أو مساعي لتطوير بريدة إلا ويشارك بها، وكما أن له مساهمات في حفلات بريدة ومناسباتهم الدورية ومشاركات في اجتماعات المناطق وغيرها. تم تكريمه من أمير القصيم كعضو بارز في جمعية البر ببريدة بمناسبة مرور ٤٠ سنة على إنشائها حيث كان من المؤسسين لها رحمه الله وكما تم تكريمه من قبل وزارة التعليم عند الاحتفال بمرور ٧٠ سنة على افتتاح المدرسة الفيصلية ببريدة وتم تدوين نبذة عن سيرته في كتاب الفيصلية تاريخ ورجال. وسطر أيضاً رحمه الله خلال مسيرة حياته موقفاً شجاعاً حكيماً حيث كان من أوائل المطالبين بافتتاح أول مدرسة بنات في بريدة ومن أشد المؤيدين لتعليم المرأة حيث واجه مع زملائه المقربين حملة مناهضة لتعليم المرأة في ذلك الوقت وتعامل معها بكل عقلانية وصبر رحمه الله حيث كان بعض الناس في ذلك الوقت يرون أن تعليم المرأة يؤدي إلى فساد الدين والمجتمع. ولوالدي الفضل بعد الله سبحانه في حب ذريته وذرية ذريته التعليم والتعلم وحب القراءة والمطالعة وتحصيل أعلى الشهادات، حيث كان رحمه الله شديد الحرص على متابعتنا وعدم تغيبنا عن المدرسة، وكان هو ملهمنا الحقيقي، قد رزقه الله أربعة عشر رجلًا واثنتا عشرة امرأة، جميعهم تعلموا وتخرجوا وأحفاده اليوم نهجوا على خطاه في حب العلم والتعليم والسعي للحصول على أعلى الشهادات والمراتب.
كان الوالد رحمه الله رجلاً قيادياً في أسرته وإدارياً ناجحاً في عمله. قد كتب بعد وفاته الأديب د.حسن بن فهد الهويمل مقالاً في صحيفة الجزيرة بعنوان عبدالله الحسون والذكر الجميل قال فيه: ((الموت اليقين هو وحده الذي لا نرقبه، بل نَفِرُّ منه، وإشكاليته أنه يلاقي ولا يلحق، والمؤمل أن تَفُوتَ اللاحق، ولكن الملاقي لا يدع لك فرصة الخلوص، وكل الأعزاء وذوو الفضل نفاجأ بموتهم، وكأننا لم نرقبه، وكلما قضى منهم من نحبه، أقبل بعضنا على بعض يتلاومون، كيف مات؟ وكان بالإمكان أن نراه وأن نزوره، وأن نجلس معه، نواسيه أو نأسوه أو نتوجع، هكذا كنت عندما علمت بموت أستاذي الأستاذ عبدالله بن إبراهيم الحسون، الذي كادت تنقطع أخباره لولا لقاءات عابرة أقبّل فيها رأسه ثم أمضي لشأني، لقد هاتفني زملاء الدراسة الابتدائية لتبادل التعازي بأستاذ عرفناه قبل ثلاث وخمسين سنة، وعرفنا فيه الجدَّ والإخلاص والمتابعة، والفقيد الذي لحق بكوكبة من معلمينا يتمتع بأخلاقيات فاضلة، يتجدد معها ذكره كلما تطاول عليها الزمن ومن ذا الذي يتنكر أو يُنكر أفضال معلميه، وفي الآثار: (من علّمني حرفاً صرت له عبداً) ورجل مثل الفقيد الفذ علّمنا أكثر من حرف، فلقد كان قدوة في قوَّته وانتظامه ومتابعته وجدِّه واجتهاده، وحمله همّ التربية قبل التعليم، عرفته أول ما عرفته يوم أن دخل علينا الفصل في عنفوان شبابه عام 1372هـ أي قبل سبع وخمسين سنة، وكنت يومها طالباً في السنة الرابعة الابتدائية في المدرسة العزيزية ببريدة لتدريس المطالعة، وكنت يومها لا أجيد القراءة. لقد انخرط في سلك التعليم عام 1368هـ حين عيِّن مدرساً ابتدائياً بمحافظة (المذنب) وبرزت مواهبه الإدارية الملفتة للنظر حين تولَّى إدارة المدرسة الفيصلية (ببريدة) عام 1379هـ وإدارة المدرسة المتوسطة (ببريدة) عام 1385هـ، ولما كانت طموحاته أكبر من ذلك شدَّ الرحال إلى المنطقة الشرقية ليكون مساعداً لمدير تعليم البنات، فمديراً للتعليم الأهلي بالرئاسة العامة لتعليم البنات، ولم أكن على تواصل معه أثناء تنقلاته القيادية إلا حين يعود إلى مراتع صباه ويلتقي بزملائه وطلابه، ولا سيما أنه كان من الشباب الواعي الذي يسعى في حاجات بلاده، ومشاريعها، وفي كهولته ترك الأعمال الحكومية وانخرط في سلك رجال الأعمال، وتعددت اهتماماته وتوسعت مسؤولياته، وكلما لقيته رأيت فيه العبد الصابر الذاكر المحتسب، حتى وافاه أجله يوم الأحد لأربعة عشر يوماً خلون من رمضان المبارك من العام ١٤٢٩هـ، ففقدنا بفقده أستاذاً ناصحاً ومواطناً مخلصاً أسهم في عدة مجالات إنسانية واجتماعية. لقد حدثني عمّا أجهله عنه أستاذي محمد بن عثمان البشر زميله ورفيق دربه أمد الله في عمره، وحديث مثله عنه يوحي بالفراغ الذي تركه، رحمه الله رحمةً واسعة وجعل في عقبه الخلف الصالح الذي يسد المكان الذي سده.
أضف تعليق