

صلة الرحم.. الرابط الذي يحفظ قوة الأسرة
كتب علي بن محمد بن علي الجارالله العجلان
تُعدّ صلة الرحم من أعظم القيم التي تحفظ للأسرة تماسكها، وتجمع أفرادها على المحبة والتراحم والتعاون. فالأسر لا تقوى بكثرة أفرادها ولا بما تملكه من إمكانات فحسب، وإنما تقوى بعمق الروابط التي تجمع أبناءها، وبقدر ما يسود بينهم من مودة ووفاء وتواصل.
وقد حثّ الإسلام على صلة الرحم، وجعلها من الأعمال العظيمة التي تقرّب الإنسان إلى ربه، لما لها من أثر كبير في إصلاح العلاقات وتقوية المجتمع. فالرحم ليست مجرد معرفة الأسماء والأنساب، بل هي سؤال واهتمام، وزيارة وتواصل، ومشاركة في الأفراح، ومواساة في الأحزان، ووقوف إلى جانب القريب عند الحاجة.
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: 36] وقال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1 ] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الرعد: 21] وقال سبحانه محذرًا من القطيعة:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾[محمد: 22-23]
وقال رسول الله ﷺ: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه» رواه البخاري ومسلم. وقال ﷺ: «مَن أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه»
متفق عليه. وقال ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها» رواه البخاري.
وهذا الحديث الأخير يحمل معنى عظيمًا؛ إذ يبيّن أن صلة الرحم الحقيقية لا تكون فقط في مقابلة الإحسان بالإحسان، وإنما تظهر في المبادرة إلى التواصل والعفو والمحافظة على رابطة الأسرة حتى عند وجود الجفاء أو التقصير.
وفي زمن تتسارع فيه الحياة وتكثر فيه المشاغل، أصبح من المهم أن نحافظ على هذه الروابط وألا نسمح للانشغال أو البعد أو اختلاف وجهات النظر بأن يقطع ما أمر الله به أن يوصل. فكم من علاقة أسرية ضعفت بسبب تأجيل الاتصال، أو انتظار المبادرة من الطرف الآخر، أو تراكم عتابٍ كان يمكن أن يزول بكلمة طيبة.
إن الأسرة التي يحرص أفرادها على صلة الرحم هي أسرة أكثر قوة واستقرارًا؛ يعرف الصغير فيها كبار أسرته، ويتعلم من تجاربهم، ويشعر الكبير بأن أبناء الأسرة وأحفادها قريبون منه. ومن خلال هذا التواصل تنتقل القيم والذكريات والتاريخ من جيل إلى جيل، فلا تضيع الهوية الأسرية ولا تنقطع صلة الأبناء بماضيهم.
كما أن صلة الرحم لا تعني غياب الاختلاف، فاختلاف الآراء أمر طبيعي بين الناس، ولكن قوة الأسرة تظهر في قدرتها على تجاوز الخلاف، وتقديم المحبة وصلة الرحم على الخصومات العابرة. فالعاقل من يحفظ الود، ويصل من قطعه، ويبادر بالسلام، ويجعل مصلحة الأسرة ووحدتها فوق الاعتبارات الشخصية.
ومن هنا فإن مسؤولية المحافظة على صلة الرحم مسؤولية مشتركة بين جميع أفراد الأسرة؛ من خلال اللقاءات الأسرية، والسؤال عن الغائب، والاهتمام بالكبير، ومساعدة المحتاج، وتعريف الأبناء بأقاربهم وتاريخ أسرتهم. فهذه الأمور الصغيرة في ظاهرها تصنع مع الزمن روابط قوية لا تُقدّر بثمن.
إن صلة الرحم ليست واجبًا عابرًا نؤديه في المناسبات، بل هي أسلوب حياة يحفظ للأسرة قوتها، ويمنح أفرادها شعورًا بالانتماء والأمان. وحين نحافظ على أرحامنا، فإننا لا نحفظ الماضي وحده، بل نبني للمستقبل أسرة أكثر تماسكًا ومحبةً وترابطًا.
فصلة الرحم هي الجسر الذي يصل الماضي بالحاضر، ويحمل قيم الأسرة وذكرياتها إلى الأجيال القادمة، لتبقى الأسرة قوية ما بقي أفرادها متواصلين ومتراحمين.
«إن صلة الرحم ليست مجرد عادة اجتماعية، بل عبادة عظيمة، وحصن للأسرة، وجسرٌ يصل القلوب والذكريات والأجيال، وبها تبقى الأسرة متماسكة قوية، مهما باعدت بين أفرادها المسافات واختلفت بهم ظروف الحياة.»
أضف تعليق