كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان

يُعد الخال اللواء الدكتور ناصر بن سليمان بن محمد بن منصور العمران، الذي يعود نسبه إلى آل غيهب من بني زيد، من الشخصيات التي جمعت بين شرف الخدمة العسكرية، ورفعة التحصيل العلمي الشرعي، فكان نموذجًا للرجل الذي وازن بين أداء الواجب الوطني، والارتقاء العلمي، وسمو الأخلاق.
وُلِد عام 1370هـ في منزل والده الواقع بحي العجيبة بالقرب من مسجد الشيخ علي السالم بمدينة بريدة، ونشأ في أسرة عُرفت بالاستقامة، والتمسك بالقيم الأصيلة، والاهتمام بالعلم. ويُعد أصغر إخوته سنًا، وهم: شقيقته الكبرى هيلة، ثم مزنة، ثم صالح، وعبدالله – رحمهم الله –، ثم محمد حفظه الله.

تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة العزيزية ثم انتقل في السنة الثانية إلى المدرسة الخالدية الابتدائية بحي الخالدية بمدينة بريدة، بعد انتقال سكن الاسرة الى حي حميدان بالخبيب وتخرج منها سنة 1383 هـ ثم واصل دراسته بالمدرسة الزراعية لمدة سنة ثم التحق بالدراسة المتوسطة والثانوية في معهد بريدة العلمي،وتخرج منه سنة 1388 هـ الذي كان آنذاك يعد من أبرز الصروح العلمية في منطقة القصيم. وقد تتلمذ على أيدي نخبة من كبار علمائه، من أبرزهم: الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي، والشيخ صالح بن إبراهيم السكيتي، والشيخ علي بن سليمان الضالع، والداعية الشيخ عبدالله الزعاق الذي كان جارا للاسرة وإماما لمسجد الدباسي وكان لهذه البيئة العلمية أثرٌ بالغ في تكوين شخصيته، وترسيخ منهجه الشرعي منذ وقت مبكر.

بعد ذلك التحق بـكلية قوى الأمن الداخلي، التي كانت آنذاك – ولا تزال بعد أن أصبحت كلية الملك فهد الأمنية – من أعرق المؤسسات التعليمية والتدريبية التابعة لوزارة الداخلية، والمعنية بإعداد وتأهيل القيادات الأمنية. ثم صدر أمرٌ ملكي كريم عام 1403هـ بتغيير مسماها إلى كلية الملك فهد الأمنية، وهو الاسم الذي تُعرف به حتى اليوم. 

وقد تخرج في كلية قوى الأمن الداخلي عام 1392هـ وحصل على البكالوريوس بالعلوم الامنية برتبة ملازم أول، وبدأ مسيرته العسكرية بتعيينه في العاصمة الرياض ثم انتقل سنة 1394 هـ للعمل في مدينة أبها بمنطقة عسير حتى سنة 1397هـ ثم انتقل عمله إلى العاصمة الرياض ومن خلال هذه السنوات انطلقت رحلة مهنية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود في خدمة دينه، ثم مليكه ووطنه، تنقل خلالها بين عدد من المسؤوليات والمهام الأمنية، وتدرج في مختلف الرتب العسكرية بجدارة وكفاءة، عُرف خلالها بالانضباط، والإخلاص، وحسن الأداء، حتى نال رتبة لواء، بعد سجل حافل بالعطاء والإنجاز.واختتم مسيرته المهنية في العمل في جامعة الأمير نايف العربية للعلوم الأمنية.

وعلى الرغم مما عُرف به في حياته العسكرية من قوة الشخصية، وهيبة الحضور، والحزم في أداء الواجب، فإنه كان يحمل قلبًا رحيمًا، ونفسًا متواضعة، قريبًا من الناس، حسن المعشر، لين الجانب في غير ضعف، يجمع بين صرامة القائد، ولطف الإنسان، فكان يهابه من يعمل معه، ويأنس به من يخالطه ويعرفه. 

ولم يقف طموحه عند حدود العمل العسكري، بل واصل طلب العلم، فحصل على درجة البكالوريوس من كلية الشريعة سنة 1395 من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، ثم درجة الماجستير من ذات الجامعة سنة 1409 هـ، وكان موضوعها عن (تحقيق جزء من تفسير العليمي) وناقشه فيها فضيلة الشيخ الدكتور عبدالعزيز إسماعيل وهو المشرف عليها وفضيلة الشيخ الدكتور جمعة سهل.

ثم أتبعها بحصوله على درجة الدكتوراه عن أطروحته المعنونة (جزء من آيات الأحكام في كتاب المغني لابن قدامة) من كلية أصول الدين التابعة لـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، سنة 1419 هـ جامعًا بين الخبرة الميدانية والتأصيل العلمي، مما أكسب شخصيته توازنًا فريدًا بين الحزم الذي تقتضيه القيادة العسكرية، والفقه والبصيرة اللذين يثمرهما العلم الشرعي.

ومن الشواهد على مكانته العلمية أن رسالة الدكتوراه الخاصة به نوقشت بحضور ومشاركة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، الذي كان آنذاك نائبًا للمفتي العام للمملكة العربية السعودية، وهو ما يعكس المستوى العلمي الرفيع الذي بلغته رسالته وأهميتها.كما ناقشه فيها فضيلة الشيخ الدكتور إبراهيم بن سليمان الهويمل والمشرف فضيلة الشيخ الدكتور فريد مصطفى سلمان.وقد طبعت رسالة الماجستير وأطروحة الدكتوراة المشار اليهما.

كما عنى بنسب أسرة العمران ولهذا الف كتاب بهذا الخصوص معنون باسم التبيان في توثيق نسب أسرة العمران في جلاجل وبريدة.

ومن أجلِّ ما عُرف به اللواء الدكتور ناصر العمران برُّه بوالديه، سليمان بن محمد العمران ومنيرة بنت عبدالرحمن الجمعة، فقد كان شديد الحرص على زيارتهما، وتفقد أحوالهما، ورعايتهما، والقيام على خدمتهما، ولم تشغله مسؤولياته العسكرية، ولا ارتباطاته العلمية، ولا كثرة أعماله عن أداء حقهما، فكان مثالًا يُحتذى في بر الوالدين، وصلة الرحم، والوفاء لأسرته، حتى غدا ذلك خُلُقًا أصيلًا عُرف به بين أقاربه وكل من عرفه.

ولم يكن هذا البر سلوكًا عارضًا، بل كان سمةً راسخة في شخصيته، نشأ عليها، وعاش بها، ولا يزال وفيًّا لها، فلم تزده المناصب إلا تواضعًا، ولم تشغله المسؤوليات عن القيام بحق والديه، والإحسان إلى أرحامه، والمحافظة على صلاته الأسرية الوثيقة.

لقد اجتمع في شخصية اللواء الدكتور ناصر العمران شرف الخدمة للوطن، وفضل العلم الشرعي، ونبل الأخلاق، ودفء الأسرة، فكان قائدًا في ميدان عمله، وباحثًا في ميدان العلم، وابنًا بارًا،ووالدا عطوفا وأخًا كريمًا، وخالًا حنونًا، ولا يزال أثره الطيب حاضرًا في نفوس كل من عرفه وخالطه.

أما في محيط الأسرة، فقد كان خالنا اللواء الدكتور ناصر العمران حاضرًا في تفاصيل طفولتنا، قريبًا من نفوسنا، يملأ البيت بحضوره وأُنسه، ويغمرنا بعطفه وحنانه. ونحن أبناء شقيقته الكبرى هيلة، لا تزال ذاكرتنا تحتفظ بأجمل صفحات الصبا التي ارتبطت به؛ إذ كان في مطلع شبابه كثير التردد على منزلنا، ويقيم بيننا أيامًا وليالي، حتى غدا وجوده جزءًا من ذكرياتنا الجميلة، وكنا نترقب قدومه بشوق ولهفة.

وكان يمتلك روحًا مرحة، وقلبًا قريبًا من الأطفال، فيبتكر لنا بيديه ألعابًا خشبية جميلة، يبدع في صنعها بما يدخل السرور إلى نفوسنا، كما كان يأخذنا إلى عوالمٍ من الخيال بما يرويه لنا من حكايات وقصص مشوقة، يسردها بأسلوب شيق يأسر الأسماع ويوقظ الخيال، فكنا نعيش أحداثها وكأننا نشاهدها رأي العين. ولم تكن تلك المجالس والليالي التي قضاها بيننا مجرد ذكريات عابرة، بل أصبحت صفحاتٍ مضيئة في سجل طفولتنا، لا تزال حاضرة في وجداننا، نستعيدها بكل محبة وامتنان، لما تركته في نفوسنا من أثر كريم، ولما غرسه فينا من معاني الألفة، والمحبة، والترابط الأسري.

وماتزال زيارته الاسبوعية المبرمجة لزيارة والدنا ووالدتنا اخته هيلة لاتنقطع حتى بعد وفاتهما رحمهما الله بتفقد ابنائهما.

كما لا أنسى الكلمة التي ارتجلتها في عزاء الوالد محمد بن علي الجارالله، رحمه الله، بحضور جموع المعزِّين، وقد غلبه التأثر الشديد لفقده، فلم تكن الكلمات تخرج إلا ممزوجةً بالحزن والوفاء، مستحضرةً سيرته الطيبة وأثره الكريم في نفوس أهله ومحبيه. 

نسأل الله تعالى أن يحفظ الخال اللواء الدكتور ناصر بن سليمان بن محمد العمران، ويمتعه بموفور الصحة والعافية، ويبارك في عمره وعلمه وعمله، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدمه لدينه، ثم لمليكه ووطنه، وعلى ما أداه من واجب مشرّف خلال مسيرته العسكرية الحافلة بالعطاء والإخلاص، وأن يجعل ذلك في موازين حسناته، وأن يمده بالتوفيق والسداد، ويختم له بخير.

Posted in

أضف تعليق