الشيخ صالح بن حسن بن صالح العجلان آل أبو عليان رحمه الله
1322–1408هـ
كتب د عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن الجارالله العجلان
اسمه ونشأته
هو الشيخ صالح بن حسن بن صالح العجلان آل أبو عليان، ولد في مدينة بريدة عام 1322هـ. انفصل والداه وهو صغير السن، فعاش مع والدته عند أخواله، وتولى خاله جارالله البريدي، رحمه الله، رعايته وتربيته، فنشأ في بيته بقرية القصيعة، وتربى في كنفه.
عمله ورحلاته التجارية
عمل في بداية حياته مع خاله في المزرعة. وكانت الحياة في نجد خلال الخمسينيات من القرن الرابع عشر الهجري شديدة الصعوبة، وشحّت فيها فرص العمل والكسب. وبعد زواجه الأول، ازدادت حاجته إلى المال لتأمين معيشة أسرته، فبحث عن عمل، ثم أشار عليه خاله بالسفر إلى الكويت طلبًا للرزق، كما كان يفعل كثير من شباب أهل نجد آنذاك.
فسافر إلى الكويت، وعمل لدى تجار الغوص واللؤلؤ بأجر معلوم، ومكث هناك خمس سنوات متواصلة لم يرجع خلالها إلى أهله.
ومن الأخبار التي تُروى عن عودته أن أهل بريدة خرجوا لاستقبال القافلة القادمة من الكويت ، فجاءت طفلة صغيرة تسأل عن «صالح بن حسن العجلان»، فسألها: وما قرابتك بهذا الرجل؟ فقالت: «إنه أبي». فعرف أنها ابنته التي وُلدت أثناء غيابه، فاحتضنها وقبلها ولم يكن قد رآها من قبل.
وبعد عودته إلى بريدة من رحلته للعمل في الكويت، التي استمرت خمس سنوات، بحث عن محل تجاري في سوق قبة رشيد، فوجد نسيبه الشاعر صالح بن إبراهيم الجارالله العجلان قد سبقه إلى السوق، وشاركه في متجره. وكان نشاطهما التجاري يقوم على بيع الحبوب والتمر والهيل والقهوة وغيرها من المواد الغذائية.
تدينه وورعه
عُرف، رحمه الله، بالتدين والتقوى والمحافظة على الطاعات، وكان شديد الحرص على أداء الصلوات مع الجماعة، فلا يكاد يتأخر عن المسجد، بل يذهب إليه مع الأذان أو قبله.
وكان محافظًا على قيام الليل، لا يتركه إلا لعذر، كثير الصيام، حريصًا على صيام التطوع؛ فكان يصوم الاثنين والخميس، ثم لازم في آخر حياته صيام يوم وإفطار يوم، اقتداءً بصيام نبي الله داود عليه السلام.
وكان يقوم من الليل ويوقظ زوجاته للصلاة، فيصلّين معه حتى قبيل الفجر، فكانت العبادة حاضرة في حياته وحياة أسرته.
حرصه على الصلاة على الجنائز واتباعها
كان، رحمه الله، شديد الحرص على الصلاة على الجنائز واتباعها، فلا يكاد يسمع بجنازة إلا بادر إلى الصلاة عليها وتشييعها، حتى اشتهر بين الناس بلقب «صالح الجنائز».
وكان متجره يقع على طريق الجامع، فإذا مرت جنازة من أمامه، ترك في المحل من يقوم مقامه، وخرج متبعًا لها، حريصًا على ألا يفوته أجر الصلاة عليها واتباعها.
عطفه على الفقراء والمحتاجين
عُرف بالسخاء والرحمة بالفقراء والمحتاجين، فكان يتصدق عليهم ويقضي حوائجهم، مع أنه لم يكن من أصحاب الأموال الكثيرة. وكان إذا أخذ منه محتاج شيئًا من بضاعته بالدَّين، لا يلحّ عليه في المطالبة بالسداد، ولا يحرجه.
ومن المواقف النبيلة التي تُروى في تعامله مع الفقراء والعطف عليهم أثناء تجارته.
عُرف رحمه الله بالسخاء والرحمة بالفقراء والمحتاجين، فكان يتصدق عليهم ويقضي حوائجهم،
فمن صور رحمته وإحسانه:
1ــ أن أحد جيرانه كان رجلاً معاقاً لا يستطيع المشي يدعى (حريول)، وليس له من يعوله، فكان يذهب إليه الشيخ صالح كل صباح بعد فتح متجره، فيقضي حاجاته في منزله، ثم يحمله إلى متجره ليجلس معه إدخالاً للسرور عليه، حتى الطعام كان يطعمه مما يتوفر لديه من الأكل وإذا كان الأكل حاراً قام بتبريده له خشية أن يؤذيه ثم في آخر النهار يعيده إلى منزله، وظل على ذلك حتى توفي الرجل.
2ـ في يوم من الأيام التي عمّ الفقر في البلاد، واشتدت الحاجة إلى لقمة العيش، تجلت مروءة الشيخ صالح وكرمه في موقف إنساني نبيل، فقد جاءه شاب من إحدى القرى المجاورة لشراء تمراً لأهله فاشترى خمسة كيلوغرامات من التمر، وفي طريق عودته غلبه الجوع فأكل التمر حتى قارب أن ينهيه، ثم عاد إلى الشيخ صالح خائفا من عقاب والده إن علم بما فعل. فما كان من الشيخ صالح إلا أن أعطاه كمية أخرى من التمر دون مقابل، إشفاقاً عليه ومراعاة لحاله، ليعود إلى أهله بما اشتراه لهم.
وهذا الموقف، على بساطته، يكشف عن قلب رحيم ونفس كريمة، لم تكن تنظر إلى البيع والشراء وحدهما، بل كانت ترى وراء كل محتاج إنسانًا له كرامته وظروفه، يستحق الرفق والإحسان.
شجاعته
ومن المواقف التي تُروى في شجاعته أن رجلًا دخل يومًا سوق قبة رشيد، وكان في حال من الغضب والهيجان، ويحمل سكينًا، فخافه الناس، ولزم أصحاب المتاجر محالهم خشية أذاه.
أما الشيخ صالح، فخشي أن يعتدي الرجل على أحد من المتسوقين، فخرج إليه وأمسك به، وقيّد حركته، وانتزع السكين من يده، فحال بذلك دون إيذائه للناس.
حياته الأسرية
تزوج، رحمه الله، ثلاث زوجات:
منيرة بنت إبراهيم الجارالله العجلان وأنجبت له هيلة وحسنً، وتوفيت نحو عام 1362هـ، رحمها الله.
فاطمة بنت حمد البريدي، وأنجبت له رقية وعبدالله وسليمان ومنيرة ونورة، وتوفيت عام 1420هـ، رحمها الله.
لولوة بنت إبراهيم الجارالله، وقد تزوجها بعد وفاة أختها منيرة، وأنجبت له فاطمة وحصة وموضي ومزنة وقماشة، كما توفي عدد من أبنائها في صغرهم. وتوفيت عام 1430هـ، رحمها الله.
علاقته بعائلة الجارالله العجلان
ارتبط بعائلة الجارالله العجلان بروابط وثيقة من المصاهرة والصداقة والشراكة، وكانت له مكانة وتقدير كبيران لدى أجداد العائلة، إبراهيم وسليمان وعبدالله وعلي، لما عُرف عنه من تدين ودماثة خلق، وتتجلى هذه العلاقة في جوانب عدة:
1ـ المصاهرة: تزوج من ابنتي إبراهيم الجارالله، العجلان الأختين (منيرة ولولوة)، وهما المذكورتان سابقا
2ـ الشراكة التجارية: جمعته شراكة في التجارة وصداقة وطيدة مع نسيبه الشاعر صالح بن إبراهيم الجارالله العجلان، فكان شريكه في تجارته ورفيق دربه.
3ـ الرحلات البرية: كانت له رحلات برية تجمعه بأبناء الجارالله العجلان وعوائلهم، ومنهم نسيباه محمد وصالح أبناء إبراهيم الجارالله العجلان، وابن عمهما محمد بن سليمان الجارالله العجلان ونسيبه محمد الصلال، زوج حصة بنت سليمان الجارالله العجلان.
- 4ـ مصاهرة ذريته : امتدت روابط المصاهرة إلى الجيل التالي، فزوّج ابنتيه فاطمة وموضي من أبناء الجارالله العجلان؛ فتزوجت فاطمة من إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الجارالله العجلان (أبو أحمد)، وتزوجت موضي من محمد بن عبدالرحمن بن سليمان الجارالله العجلان (أبو بدر).
وهكذا لم تكن علاقته بالجارالله العجلان مجرد مصاهرة، بل كانت علاقة ممتدة جمعت بين القرابة والشراكة والصداقة والمجالسة.
عدله وحسن عشرته
عُرف، رحمه الله، بالعدل بين زوجاته وحسن العشرة، وسادت بينهن الألفة والمودة، فعشن معه في منزل واحد كالأخوات.
وكان عادلًا بين أبنائه وبناته، حريصًا على جمع كلمتهم وتقوية صلاتهم، حتى إن كثيرًا من الأقارب والمعارف لم يكونوا يعرفون أبناء كل زوجة من الأخرى، لما بينهم من المحبة وحسن الصلة.
وقد قام عبدالله وسليمان، ابناه من زوجته فاطمة البريدي، ببرّ زوجة أبيهما لولوة بنت إبراهيم الجارالله العجلان ، التي لم يبقَ لها أبناء ذكور، وأحسنا رعايتها والقيام بحقها؛ فجزاهما الله خير الجزاء، وكتب لهما أجر البر والإحسان.
عنايته بتربية أولاده
كان شديد العناية بتربية أبنائه على الطاعة والاستقامة، ومتابعتهم في أداء الصلاة مع الجماعة، كما حرص على تنشئة بناته على الحياء والعفاف والحشمة والالتزام بآداب الإسلام.
وقد ذكر بعض أبنائه أنه كان يوقظهم لصلاة الفجر، فإذا فات أحدهم أداء الصلاة مع الجماعة، أمره بالذهاب إلى المسجد ليصلي فيه، تعويدًا له على ملازمته والمحافظة على الصلاة فيه.
وذكر أحد أبنائه أيضًا أنه إذا علم بتفريط أحدهم في صلاة الجماعة، وحان وقت الإفطار، أمره أن يفطر منفردًا عن الأسرة، تأديبًا له وتعظيمًا لشأن الصلاة في نفسه.
مرضه ووفاته:
أصيب في أواخر حياته بجلطة، دخل على إثرها المستشفى عدة أيام، ولما خرج منه أصبحت حركته صعبة، والوقوف على قدميه أشد صعوبة، ومع ذلك، لم يفارقه شوقه إلى العبادة وقيام الليل، ففي إحدى الليالي أراد أن يصلي، فلم يستطع القيام، فبكى بكاءً شديدًا، ورفع يديه إلى الله متضرعًا أن يعينه على القيام. فأعانه الله، وتحامل على نفسه حتى استطاع النهوض، فصلى كما كان يصلي في حال صحته وعافيته، رغم ما يعانيه من ضعف ومشقة، وكان من شدة حرصه على قيام الليل وإطالته في الصلاة، أنه كان يواصل القيام رغم عجزه وتعبه، حتى يسقط أحيانًا من شدة الإرهاق دون أن يشعر بنفسه. فكان ذلك شاهدًا على عظيم تعلقه بالصلاة، وحرصه عليها حتى في أيام مرضه وضعفه.
وفي أواخر حياته، حرص على لقاء شريكه في التجارة ونسيبه صالح بن إبراهيم الجارالله العجلان فطلب الاجتماع به، وقال له: «يا أخي، ننظر ما لنا وما علينا، ونبرئ ذمتنا». فانتهت شراكتهما في تلك المقابلة بصفاء نفس وسلامة صدر، في موقف يعكس حرصه على أداء الحقوق وإبراء الذمة.
توفي رحمه الله عام 1408هـ، وكان ذلك يوم السبت وهو صائم. وقد صلى صلاة الضحى، ثم اضطجع على شقه الأيمن، وتشهد، فظن أهله أنه نائم، فلما تأخر قيامه أيقظوه، فإذا هو قد فارق الحياة، رحمه الله رحمة واسعة..
وقد نقل بعض أقاربه ومعارفه رؤى طيبة بعد وفاته، يُرجى أن تكون بشارة خير، وأن يكون له نصيب من النعيم وحسن المآل، والله وحده أعلم بحاله. ونسأل الله أن يرحمه رحمة واسعة، وأن يجعل ما لقيه من مرض وتعب رفعةً في درجاته وتكفيرًا لسيئاته، وأن يجزيه عن إحسانه إلى الناس خير الجزاء، وأن يسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقًا