نبذة يسيرة عن العمة حصة بنت علي الجارالله العجلان آل أبو عليان.
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان.
وُلدت عمتي حصة – رحمها الله – في مسقط رأسها مدينة بريدة عام 1355هـ، ونشأت في بيتٍ عُرف بالأصالة ورغد العيش، وتربّت على القيم الفاضلة ومكارم الأخلاق، في بيئةٍ محافظةٍ غرسَت فيها معاني الصبر والاعتماد على النفس، فكان لذلك أثرٌ واضح في شخصيتها وسيرتها لاحقًا.
فوالدها (جدي علي الجارالله العجلان آل أبوعليان) – رحمه الله – يُعد من الجيل الأخير من رجالات العقيلات الذين جابوا أرجاء الجزيرة العربية والشام وفلسطين والعراق ومصر طلبًا للرزق والتجارة، مجسدًا نموذجًا فريدًا من الشجاعة والصبر.
أما والدتها فهي منيرة بنت صالح الدخيل، من أهل السادة، ويعود نسبها إلى آل أبوعليان من بني سعد من بني تميم، وهو نسب عريق امتد أثره في القيم والتربية.
وقد كان لوالدها (جدي علي) موقف إنساني رائد يُذكر له، حين لاحظ أثر مرض الجدري القاتل على مجتمعه، بعد أن فقد عددًا من أبنائه، ولم يبقَ منهم سوى محمد وحصة – صاحبة هذه السيرة –؛ فدفعه ذلك إلى اتخاذ قرارٍ جريء أثناء اغترابه إلى مصر، حيث جلب لقاح الجدري في شتاء عام 1931م، بعد أن استشار أطباء القصر العيني بالقاهرة، وتلقى منهم الإرشاد والتدريب على استخدامه.
حمل اللقاح معه عبر الصحراء في علبةٍ محكمة، وضعها في خرج ناقته “الصفراء”، محافظًا عليه طوال رحلته حتى وصل إلى بريدة، فبادر بتطعيم أسرته: زوجته وأولاده، ثم أقاربه وجيرانه. وسرعان ما انتشر خبر اللقاح في منطقة القصيم، فكان – بإذن الله – سببًا في إنقاذ أرواحٍ كثيرة من مرضٍ كان يهدد الناس بالموت أو العمى.
وبعد عودته، طوى صفحة أسفار العقيلات، وافتتح متجرًا في سوق جردة بريدة، يبيع فيه القهوة والهيل والسكر والشاي والأرز وغيرها، إلى جانب تجارته في الإبل والغنم، مستفيدًا من خبراته وعلاقاته التجارية الممتدة إلى مكة المكرمة ونجران، حيث تُجلب أفخر أنواع القهوة التي عُرف بها متجره.
ومن خلال تلك العلاقات التجارية، تعرّف الوجيه سعد بن عامر العجمي – رحمه الله – على جدي علي، وتعامل معه وما إن علم بوجود ابنة له في سن الزواج حتى بادر لخطبتها. وبعد المشاورة مع شقيقها وأخوالها وأعمامها، لما عُرف عنه من حسن الخلق وطيب المعشر وصدق التعامل والتدين – وهو ما لمسه جدي علي بنفسه – تمت الموافقة عليه، وتم عقد قرانهما، جامعًا بين أسرتين كريمتين لهما تاريخٌ مشهود. كما أن انتماءه إلى قبيلة العجمان، ذات التاريخ المجيد، المعروفة بالأصالة والشهامة وصدق المواقف، كان محل تقدير واعتزاز.
ونظرًا لكثرة أسفار زوجها وغيابه تبعًا لعمله، حرص على أن يكون مسكن زوجته قريبًا من بيت والدها، فاستقرت في حي الخالدية ببريدة. وقد رزقها الله من الأبناء: مسلم – رحمه الله –، ومحمد، وعامر، وعدد من البنات.
وكانت – رحمها الله – شديدة المحبة لأخيها الوحيد محمد، جمعتهما علاقة متميزة قائمة على الود والتشاور؛ فلا يُقدم أحدهما على أمرٍ إلا بعد الأخذ برأي الآخر، فقد كانا يتشاركان الأفكار وما يحيط بهما من شؤون، ويتبادلان الرأي والمشورة في كل ما يواجههما.
عُرفت عمتي حصة (أم مسلم) بالحلم ورجاحة العقل، فكان أهلها وأبناؤها يرجعون إلى رأيها، ويأخذون بمشورتها عن ثقةٍ وقناعة. وقد بقيت هذه الصفات ملازمة لها حتى في كهولتها ومرضها الأخير؛ فكان الهدوء يعلو محيّاها، والوقار يكسوها، وتمتعت برأيٍ سديد عُرفت به بين أسرتها، لما لمسوه فيها من صواب التقدير ورجاحة العقل.
حرصت – رحمها الله – على تربية أبنائها على الخُلُق القويم، والمحافظة على أداء الصلاة في وقتها، وعدم التهاون فيها، فجعلتها خطًا أحمر لا يُسمح بتجاوزه، خاصةً في ظل غياب زوجها المتكرر تبعًا لعمله. وكانت إذا لاحظت تقصيرًا في ذلك شدّدت في التوجيه، وربما عاقبت بالهجر حتى يتحقق الوعد بعدم التكرار. وكانت – رحمها الله – حريصةً أيضا على حفظ الأحاديث النبوية الشريفة الثابتة الصحيحة ، مواظبةً على الاستماع إلى إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية، تستمد منها العلم والسكينة، وتنهل من معينها ما يعزز إيمانها ويقوّي صلتها بربها.
فجعت بوفاة ابنتها فوزية – رحمها الله – فاحتسبت مصابها عند الله، صابرةً محتسبة، راضيةً بقضائه وقدره. وأما ابنها مسلم – رحمه الله – فقد تُوفي بعد وفاتها، فلم تشهد وفاته.
كما كانت – رحمها الله – محبوبةً لدى أخوات زوجها وقريباته، لها مكانة رفيعة وحظوة كبيرة بينهن، تنال تقديرًا خاصًا لما عُرف عنها من حسن الخلق وطيب المعشر. وكانت تسعى إلى مدّ يد العون للمحتاجين، وتتحرى أحوالهم، وتلتمس حاجتهم بصدق واهتمام.
ثم انتقلت مع أسرتها إلى مدينة الرياض، مرافقةً أبناءها خلال دراستهم الجامعية، في وقتٍ لم تكن فيه الدراسة الجامعية متاحة في بريدة، فكانت لهم سندًا وعونًا حتى تخرجوا وتبوؤوا مناصب قيادية رفيعة.
وفي تاريخ 19/7/1439هـ، انتقلت إلى رحمة الله بعد مرضٍ لم يطل، وصُلّي عليها في جامع الراجحي، ودُفنت في مقبرة النسيم بمدينة الرياض.
رحم الله عمتنا حصة، فقد كانت مثالًا للمرأة الصالحة والزوجة الوفية والأم الحنون، والعمة القريبة إلى القلوب، وتركت أثرًا طيبًا في نفوس كل من عرفها. وستبقى سيرتها شاهدًا على زمنٍ جميل، وأخلاقٍ أصيلة، وعلاقاتٍ صادقة صنعت أجيالًا يُحتذى بها.
دمتم بخير.

اترك رداً على الجوهرة إلغاء الرد