سنة الهدام أو سنة الغرقة عام 1376هـ – 1956 م في مدينة بريدة
كتبها فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
في يوم شتوي بارد وعاصف هز وجدان وقلب بريدة والذي صادف يوم الجمعة 12 جمادى الأولى 1376 هـ الموافق 14 ديسمبر 1956 م أن نزلت الأمطار بمعدلات ،وبكميات غزيرة ،وقوية متفاوتة الشدة ، ونتيجة استمرار هطولها على مدى أربعين يوماً على عاصمة القصيم مدينة بريدة وضواحيها أن الشمس لم تشاهد فيها ساطعة بالكلية وقد أدت شدة نزول الأمطار الى انهيار أكثر البيوت والمساجد ، والمتاجر ، التي كان أغلبها بل كلها مبني من الطين الممزوج بالتبن والمجصص في أعلى حوافه العلوية بالجص المحروق وأساسها من الحجر والفروش.
وقد تركز الضرر الأكثر على مدينة بريدة وما جاورها من قرى وإن كانت الأمطارالشديدة شملت عموم منطقة القصيم .
وقد تجاوز المطر أساسات المنازل ، والمباني ، وحاصرت السكان ، وأغلقت الطرق ، وترك الناس بيوتهم إلى الأماكن المرتفعة اتقاءا من الغرق ، والى الصحاري القريبة حيث الأمان النسبي ورفع الناس أكف الضراعة الى الله سبحانه وتعالى أن يرفع عنهم هذا البلاء العظيم.
وقد نصب أهالي مدينة بريدة خيامهم ، ورفعوا ما تبقى من أمتعتهم فوق الأشجار للاحتماء تحتها من زخات المطر المنهمر عليهم ليلا ونهارا.
ولهذا انبرى الاستاذ محمد بن علي الجارالله العجلان رحمه الله وكان وقتها مشرفا على أعمال مستشفى بريدة المركزي الى المناداة للسكان أن هلموا الى مبنى المستشفى ، الذي كان تحت الإنشاء وقتها ، وهو من الاسمنت المسلح ، ولم يبقى على اكتماله إلا اعمال الدهان ، وبعض البلاط ، فاحتموا بداخله وقام بتقسيم غرف وصالات واجنحة المستشفى الكثيرة بتوزيعها على المتضررين من سكان مدينة بريدة.
كما وجه بنصب خيام اضافية في أحواش المستشفى بعد امتلاء غرف المبنى ووزعها على العوائل المتضررة، ونظم لهم إعاشة ، ووجبات ساخنة ، توزع عليهم على مدار اليوم إلى أن انجلت العاصفة، الممطرة النادرة الحدوث ، والتي امتدت لاكثر من اربعين يوما.
وقد هبت الدولة حينها أدام الله عزها فورا لمساعدة المتضررين ، بتوفير الخيام والمساعدات الغذائية ، والأموال النقدية ، وتلمس احتياجاتهم وشكلت لجنة في الإمارة لحصر الأضرار ، والمتضررين وتعويض أصحابها.
ومما ذكره الاستاذ محمد بن علي الجارالله العجلان رحمه الله أن إحدى رحلات طائرة الخطوط الجوية العربية السعودية المجدولة الرياض -بريدة -حائل ، هبطت في مطار بريدة وكان وقتها في العكيرشه (المطار القديم الترابي)، وانزلت ركابها في المطار، وعند استعدادها للإقلاع إلى مطار حائل انغرست عجلات الطائرة بالطين من أثر تلك الأمطار الشديدة ولم تستطيع الإقلاع بسبب ذلك ، ولهذا أصبح ركابها الحائليون ضيوفا على أهل بريدة ، في مبنى المستشفى الذي أصبح ملجأ لهم ولغيرهم من المتضررين من هذه الكارثة.
وقد ذكر الشيخ إبراهيم بن عبيد العبد المحسن رحمه الله الذي رصد هول الحادثة ، وما جرى بها ضمن كتابه تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان ، عن بعض تفاصيلها فقال مانصه:
لما كان في 12 جمادى الأولى 1376 هـ (في أول المربعانية) من هذه السنة هطلت أمطار على القصيم ، واستمرت طيلة ذلك اليوم ومن الغد وبعد الغد وهكذا خمسة أيام لم يتوقف نزول الماء حتى (انماعت) رؤوس الحيطان وجعلت تنهار من كثرة نزول مياه الأمطار.
ومضى على الأمة خمسة أيام متوالية ، والأهالي في القصيم ينتظرون بفارغ الصبر ، أن يمسك الله السماء عنهم ، وبما أن بريدة وضواحيها
لا تزال مهددة من خطر السيول نتيجة (120) ساعة لم تتوقف الديمة عنها ، وكانت سائر القصيم كذلك ، غير أن شدة وقعه كانت على بريدة وضواحيها
كان مما يعجب له خوف أوقعه الله في القلوب من سكنى البيوت ، حيث كانوا يتوقعون أنها تنطبق عليهم ، وفي يوم الأربعاء 17 جمادى الأولى ، هطلت أمطار، وسيول زيادة عما هم فيه من الديمة المتواصلة ، فتعطلت الدراسة منذ ذلك اليوم ، ولم يستطع البشر الجلوس داخل المنازل لشدة خرير السقوف ، ولما كان في 18 /5 / 1376 خرجت الأمة إلى البراري خوفاً من سقوط البيوت ، وأصبحوا مهددين بالأخطار، هذا ولا تزال السماء منطلقة الوكاء تصب المياه صباً ، وكان قد أنخاط الجو وأظلمت الدنيا لفقدهم ضياء الشمس ، وكان القوي من يملك بساطاً يرفعه بأعواد فيجلس وعائلته تحته.
حدثني جدي (علي) أ كما حدثني والدي ايضا رحمهما الله عن تلك الفاجعة المأساوية غير الاضرار المادية التي لحقت بالمنازل بأن مؤنة الناس واطعمتها ، وملابسها ، تلفت بفعل تساقط الأمطار المستمر على مدى – أربعين ليلة – وأثار ذلك تمثلت في سقوط المنازل الطينية عليها ومن ثم ضياعها ، وامتزاجها بالمطر ، والطين ، والتراب ، وما بقي من مستودعات التجار، التي سلمت من السقوط تبرعوا ما بداخلها من أرزاق ومؤن واغلبها من أكياس الأرز ، والحنطة ، والسكر والطحين والسمن والقاز الى المتضررين.
ومنها مستودعا الجد علي والوالد محمد اللذين وهبا ما بداخلهما للناس تخفيفا عنهم من هول الفاجعة العظيمة.
ويذكر والدي ان جدي علي فتح باب المستودع ، وسمح للناس بأخذ ما ارادوا من أرزاق واستثنى بعضه بأن قصره على الأرامل ، وأولادهن اللاتي يعرفهن من المتكففات.
كما أضافا أنه وقعت بعض الوفيات نتيجة هذه السيول العظيمة والجارفة والتي تركت أثرا كبيرا في تاريخ بريدة.
ولم تذكر كتب المؤرخين السابقين وحتى المعاصرين وحتى وصولنا الى هذه السنة 1447-2026 سقوط أمطار تاريخية بمثل تلك الأمطار التي انهمرت سنة 1376 -1956 بشدتها وعنفوانها وكمياتها ودوامها المتصل مدة أربعين يوما على التوالي على مدينة بريدة فلله في خلقه شؤون وحكمة ورحمة وتدبير وغاية وهدف لايدركه البشر فسبحان الله جل وعلا أنه على كل شي قدير.






