أستاذ القانون المدني والباحث في الفقه الإسلامي في معهد الإدارة العامة بالرياض
الأستاذ الدكتور محمد وحيد الدين سوار
أستاذ القانون المدني والباحث في الفقه الإسلامي في معهد الإدارة العامة بالرياض
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
تظل بعض الشخصيات العلمية حاضرة في ذاكرة تلاميذها، لا بسبب ما قدمته من علم فحسب، وإنما لما تركته من أثر إنساني وتربوي يرافق الطالب سنوات طويلة بعد انتهاء الدراسة.
ومن هؤلاء الأساتذة الذين بقيت صورتهم حاضرة في ذاكرتي ولا انساها هو الأستاذ الدكتور محمد وحيد الدين سوار،الذي يعد أحد أبرز علماء وأعلام القانون المدني والفقه الإسلامي في سوريا والوطن العربي الذي تولى رئاسة قسم القانون الخاص (المدني) في كلية الحقوق بجامعة حلب لفترات متعددة، و أشرف خلالها على رسائل الماجستير والدكتوراه وتطوير الخطط الدراسية.
وهو أستاذ القانون المدني، الذي تشرفت بالدراسة على يديه في معهد الإدارة العامة بالرياض خلال عامي 1405–1406هـ، ضمن دارسي الدورة الرابعة عشرة من برنامج دبلوم دراسات الأنظمة.
وقد كان الدكتور سوار، كما أذكره، أستاذًا حازمًا، دقيقًا، واسع الاطلاع، مثقفًا، شديد العناية بالتفاصيل العلمية، وفي الوقت نفسه كان يتمتع بروح مرحة وحسّ إنساني لطيف يظهر أحيانًا في تعليقاته ومداخلاته مع طلابه.
مكانته العلمية
يُعد الدكتور محمد وحيد الدين سوار من الأسماء المعروفة في مجال القانون المدني العربي ، وقد ترك عددًا من المؤلفات والدراسات التي تناولت النظرية العامة للالتزام والحقوق العينية وحق الملكية وغيرها من موضوعات القانون المدني.
وتوثق الفهارس العلمية أعماله باسم محمد محمود وحيد الدين سوار، ومن بينها كتابه شرح القانون المدني: النظرية العامة للالتزام، الصادر عن جامعة دمشق، كما توجد طبعات وأعمال أخرى له في القانون المدني السوري والأردني.
ومن مؤلفاته كذلك حق الملكية في ذاته في القانون المدني، والاتجاهات العامة في القانون المدني – دراسة موازنة بالفقه الإسلامي والمدونات المدنية العربية، وهي أعمال تعكس اهتمامه بالقانون المقارن ومحاولة الربط بين القواعد القانونية الوضعية وأصول الفقه الإسلامي.
الدكتور سوار والقانون المدني
كان القانون المدني هو المجال الأبرز في تدريسه وبحثه العلمي. وقد عُرف بأسلوبه الذي يجمع بين التأصيل القانوني والتحليل والمقارنة.
ومن اللافت في إنتاجه العلمي كثرة عنايته بموضوع الحقوق العينية وحق الملكية ونظرية الالتزام، وهي من الموضوعات الأساسية في القانون المدني.
وقد صدرت له أعمال متعددة في هذا المجال، منها شرح القانون المدني – الحقوق العينية الأصلية، الذي صدرت منه طبعات في دمشق، كما تواصل إنتاجه العلمي في هذا المجال في الأردن.
الجمع بين القانون والفقه الإسلامي
من السمات البارزة في منهجه العلمي اهتمامه بالمقارنة بين القانون المدني والفقه الإسلامي.
وهذا الجانب كان واضحًا في تدريسه لنا؛ فلم يكن يعرض القاعدة القانونية مجردة، بل كان يربطها بأصولها ومقارنتها بما يقابلها في الفقه الإسلامي، وبالذات بالمذهب الحنبلي الأمر الذي جعل دراسة القانون المدني أكثر عمقًا وفائدة.
وقد انعكس هذا المنهج في عدد من مؤلفاته التي حملت طابع الدراسة المقارنة بين المدونات المدنية العربية والفقه الإسلامي.
تجربته العلمية في المملكة العربية السعودية
امتدت تجربة الدكتور سوار العلمية إلى المملكة العربية السعودية، حيث قام بالتدريس في المجال القانوني، ومن ذلك تدريسه في معهد الإدارة العامة بالرياض.
وهنا أتيحت لي شخصيًا فرصة الدراسة على يديه في برنامج دراسات الأنظمة خلال عامي 1405–1406هـ. وقد أتاح لنا تدريسُه لنا طوال أربعة فصول دراسية كاملة أن نتعرف إليه عن قرب، كما أتاح له بدوره أن يعرفنا نحن دارسي البرنامج واحدًا واحدًا، وأن يتابع مستوياتنا العلمية وقدراتنا الدراسية، ويقف على مدى استيعاب كل طالب وتفاعله مع المادة العلمية. ولذلك لم تكن علاقتنا به علاقة أستاذ بطلابه فحسب، بل كانت معرفة علمية امتدت على مدى عامين، أتاحت له أن يتابع تطورنا ومستوياتنا عن كثب.
وما زلت أذكره أستاذًا حاضر الذهن، قوي الشخصية، دقيقًا في مناقشاته، لا يقبل الإجابة السطحية، ويحرص على أن يفهم الطالب المسألة القانونية من أساسها.
ذكرياتي معه في معهد الإدارة العامة
من أجمل ما بقي في ذاكرتي من تلك الفترة أن الدكتور سوار لم يكن مجرد أستاذ يلقي المادة العلمية، بل كان يتعامل مع طلابه بصورة تجمع بين الحزم والقرب الإنساني.
كان حازمًا في درسه، دقيقًا في أسئلته، واسع المعرفة، لكنه كان في الوقت نفسه محبًا للدعابة، وكانت له تعليقات عفوية تخفف من جدية المحاضرة وتكشف عن شخصية إنسانية لطيفة خلف الأستاذ الأكاديمي الصارم.
وأذكر أنه في إحدى المرات وقفت أمام زملائي لأشرح لهم موضوعًا كلّفني الدكتور سوار بالحديث عنه، وكان الموضوع يتعلق بأحد مصادر الشريعة الإسلامية، وهو «العرف”. الذي يُعد أيضا مصدراً رسمياً احتياطياً مهماً من مصادر القاعدة القانونية في أغلب الأنظمة والقوانين الوضعية وبعد أن انتهيت من الحديث، نظر إليّ وقال:
«فهد، جسمك معتدل، هل تلعب رياضة؟»
فأجبته بأنني أمارس الرياضة، ومن بينها السباحة بالبرك والقلبان. فابتسم وقال لي:
«يعجبني فيك ثقتك بنفسك وحديثك المتزن.»
وقد بقي هذا الموقف في ذاكرتي؛ لأنه لم يكن مجرد تعليق عابر، بل كان يحمل تقديرًا من أستاذ علمي عُرف بالحزم والدقة، بعد أن استمع إلى حديثي أمام زملائي. وكانت كلماته تلك محل اعتزاز بالنسبة لي، ولا تزال من الذكريات الجميلة التي أستحضرها كلما تذكرت أستاذي الدكتور محمد وحيد الدين سوار
وقد بقيت هذه العبارة في ذاكرتي؛ ليس لأنها جملة علمية أو أكاديمية، وإنما لأنها تكشف جانبًا آخر من شخصية الدكتور سوار، ذلك الأستاذ الذي كان يلاحظ طلابه ويتعامل معهم بقدر من الألفة والدعابة.
ومن دعاباته أيضا أنه لاحظ حُمرة شفتي أحد زملائنا، واسمه محمد، فقال له بلهجته الشامية مازحًا: «محمد، شفايفك حمرا، أكيد عندك الدورة الدموية منيحة !» فبقيت هذه العبارة من طرائفه العالقة في الذاكرة.
ومن الطرائف الجميلة التي ما زلت أذكرها من علاقتي به، أنه عندما كنت أدخل عليه في مكتبه في معهد الإدارة العامة للاستفسار منه عن أي موضوع قانوني، كان يستقبلني أحيانًا بعفوية ولطف، فيناولني تفاحة حمراء من سلة في مكتبه.
ولعل هذه المواقف الصغيرة هي التي تجعل ذكريات الأساتذة تبقى حيّة في الذاكرة؛ فالأستاذ لا يُذكر بعلمه ومحاضراته وكتبه فقط، وإنما تُستعاد معه أيضًا مواقفه الإنسانية وتفاصيل تعامله مع طلابه.
وكان الدكتور سوار، رغم ما عُرف عنه من الحزم والدقة في العلم، يحمل جانبًا إنسانيًا لطيفًا، يظهر في مثل هذه المواقف العفوية، مما جعل صورته في ذاكرتي تجمع بين الأستاذ العالم الحازم، والإنسان الكريم القريب من طلابه.
وكانت له مع بعض الزملاء تعليقات عفوية مماثلة، الأمر الذي جعل العلاقة بينه وبين طلابه تتجاوز حدود قاعة الدرس إلى علاقة أستاذ بتلاميذه يتذكرونه بعد سنوات طويلة.
ومن الجوانب التي أذكرها عنه أيضًا أنه كان يستشهد ببعض الأمثال الشامية لتقريب المعنى وتوضيح المسألة، ومنها قوله: «إذا حلق جارك، بُلّ ذقنك»، في إشارة إلى أخذ العبرة مما يقع للآخرين والاستعداد لمثله. كما كان يورد حكمًا جميلة في طلب العلم، ومن العبارات التي ما زلت أذكرها قوله: «العلم خزانة، لا يفتحها إلا المسألة»، وهي حكمة بليغة تُبرز أهمية السؤال والبحث في تحصيل المعرفة.
ومن الأمور التي أذكرها عن الدكتور سوار، ونحن لا نزال طلابًا لديه في معهد الإدارة العامة، أنه كان يسألنا أحيانًا عن بعض الطلاب الذين سبق أن درّسهم وتخرجوا من البرنامج، ثم تقلدوا مناصب عليا في الدولة.
وكان يسأل عن أخبارهم وما آل إليه أمرهم، ويتابع مسيرتهم بعد التخرج، وهو ما لفت انتباهي في ذلك الوقت؛ إذ أدركت أن اهتمامه بطلابه لم يكن ينتهي بانتهاء المقرر أو بتخرج الطالب، وإنما كان يحتفظ بذكريات عنهم ويتابع ما حققوه في حياتهم العملية.
وكان ذلك يعكس جانبًا جميلًا من شخصيته؛ فقد كان يرى في نجاح طلابه امتدادًا لرسالته العلمية، ويفخر بما يصل إليه من درّسهم وأسهم في تأهيلهم، ولذلك بقيت هذه الخصلة من الصفات التي أذكرها له بكل تقدير.
ومن العبارات التي سمعتها من الدكتور محمد وحيد الدين سوار، وبقيت عالقة في ذاكرتي، قوله، بما معناه، إنه تعلّم من هذه الدنيا أن يقبل الناس على عِلّاتهم؛ وهي عبارة تعبّر عن التسامح والتفهّم لطبائع البشر ونقائصهم. .
وقد فهمت من هذه العبارة أنه كان يتحدث عن خبرة الإنسان في الحياة، وأن المرء مع مرور السنين يتعلم أن يتعامل مع الناس كما هم، بما فيهم من صفات وطباع ونقاط قوة ونقاط ضعف، دون أن يشترط فيهم الكمال.
وأرى أن هذه العبارة تكشف جانبًا عميقًا من شخصية الدكتور سوار؛ فهو، إلى جانب علمه وحزمه ودقته، كان يحمل نظرة واقعية إلى الناس والحياة، ويعرف أن التعامل الإنساني لا يقوم على انتظار المثالية، وإنما على فهم الناس وقبولهم كما هم.
وهذه من العبارات التي لا تزال حاضرة في ذاكرتي، لأنها لم تكن مجرد حكمة عابرة، بل شعرت أنها خلاصة تجربة رجل عاش في ميادين العلم والتعليم والتعامل مع أجيال من الطلاب، فخرج منها بهذه القناعة الإنسانية الجميلة.
قصة القانون المدني الكويتي
ومن الذكريات التي بقيت لدي من دراسته لنا أنه كان شديد الاهتمام بأحدث ما صدر من القوانين المدنية العربية.
وكان يذكر لنا القانون المدني الكويتي باعتباره من أحدث القوانين المدنية العربية في ذلك الوقت، وكان حريصًا على أن تكون لدى طلابه نسخ منه حتى نتمكن من الاطلاع عليه ودراسته ومقارنته بالقواعد القانونية والفقه الإسلامي.
وبناءً على توجيهه، كُلّف أحد زملائنا بالسفر إلى الكويت لشراء عددٍ كافٍ من نسخ القانون المدني الكويتي، فاشترى النسخ وأُتيحت لجميع طلاب الدورة الرابعة عشرة.
وتظل هذه الواقعة من الذكريات التي تُبرز حرص الدكتور سوار على توسيع مدارك طلابه، وربط دراستهم النظرية بالاطلاع المباشر على التشريعات الحديثة ومقارنتها.
ومن الذكريات العلمية التي لا أنساها أيضًا أن الدكتور سوار قام بتوزيع مؤلفه في «الحقوق العينية الاصلية» على طلاب برنامج دراسات الأنظمة، وكان ذلك من المواقف التي تركت أثرًا طيبًا في نفوسنا؛ إذ كان الأستاذ لا يكتفي بتدريسنا المادة، بل كان حريصًا على أن يضع بين أيدينا من إنتاجه العلمي ما يعيننا على التوسع في المعرفة ودراسة موضوعات القانون المدني بصورة أعمق.
وأذكر ذلك اليوم باعتزاز، فقد كان الكتاب الذي ألفه أستاذنا يصل إلينا مباشرة منه، ونحن طلاب نتلقى العلم على يديه، وهو ما جعل لهذا المؤلف قيمة خاصة في ذاكرتي، إلى جانب قيمته العلمية.
أستاذ حازم بروح مرحة
كان الدكتور سوار يجمع بين صفتين قد تبدوان للوهلة الأولى متباعدتين: الحزم العلمي وخفة الروح.
ففي قاعة الدرس كان جادًا ودقيقًا، ويحرص على أن يعرف الطالب لماذا أخذ المشرع بهذه القاعدة، وما أساسها، وما مدى اتفاقها أو اختلافها مع الفقه الإسلامي.
لكن هذا الحزم لم يمنعه من المزاح والتعليق اللطيف، وكان ذلك يجعل شخصيته أقرب إلى الطلاب ويجعل ذكراه أكثر رسوخًا في نفوسهم.
ومن هنا فإن الصورة التي بقيت في ذاكرتي عنه ليست صورة أستاذ القانون الصارم فحسب، وإنما صورة عالم وأستاذ مثقف، دقيق في علمه، واسع الأفق، وفي الوقت نفسه إنسان لطيف محب للدعابة.
تجربته العلمية في الأردن
بعد أن انهى مهمته في المعهد واصل الدكتور سوار نشاطه العلمي خارج المملكة وسوريا، وارتبط اسمه بالتدريس والبحث في القانون المدني في الأردن.
وتوثق فهارس المكتبات مؤلفاته الأردنية في القانون المدني، ومنها أعمال في حق الملكية والحقوق العينية الأصلية، كما توثق فهارس مكتبية تدريسه القانون المدني في كلية الحقوق بجامعة عمّان الأهلية.
وقد أسهمت هذه التجربة في إثراء إنتاجه العلمي في مجال القانون المدني الأردني، وظهرت ثمرة ذلك في عدد من كتبه ودراساته التي تناولت أحكام القانون المدني الأردني في ضوء الفقه الإسلامي والقوانين المدنية المقارنة.
مؤلفاته
من أبرز الأعمال التي ارتبطت باسم الدكتور محمد وحيد الدين سوار:
- شرح القانون المدني – النظرية العامة للالتزام.
- شرح القانون المدني – الحقوق العينية الأصلية.
- حق الملكية في ذاته في القانون المدني.
- دليل التمارين العملية في المدخل للعلوم القانونية.
- الاتجاهات العامة في القانون المدني – دراسة موازنة بالفقه الإسلامي والمدونات المدنية العربية.
- شرح القانون المدني – الحقوق العينية التبعية.
وتكشف هذه الأعمال عن مسار علمي ركز بصورة خاصة على القانون المدني، مع اهتمام واضح بالمقارنة بين التشريعات والفقه الإسلامي. وتظهر سجلات المكتبات اختلافًا في سنوات الطبعات بحسب البلد والطبعة، ولذلك ينبغي عند إعداد سيرة نهائية موثقة التفريق بين سنة التأليف وسنة كل طبعة.
أثر الأستاذ في تلاميذه
قد ينتهي المقرر الدراسي وتنتهي الامتحانات، ولكن أثر الأستاذ الحقيقي قد يستمر عشرات السنين.
وهذا ما أشعر به عندما أتذكر الدكتور محمد وحيد الدين سوار بعد مرور سنوات طويلة على دراستي عليه مع ثلة من زملائي.
فقد علّمنا القانون المدني، وعلّمنا معه أن دراسته تتجاوز فهم النصوص وحفظها إلى تحليلها ومقارنتها، وربط القواعد بأصولها وغاياتها، وحسن تطبيقها على الوقائع.
كما أن شخصيته العلمية جعلتني أقدّر الأساتذة الذين يجمعون بين العلم والثقافة والانضباط، وبين الحزم في أداء رسالتهم والجانب الإنساني الذي يجعل الطالب يتذكرهم بمحبة وتقدير.
خاتمة
إن الحديث عن الأستاذ الدكتور محمد وحيد الدين سوار رحمه الله بالنسبة لي ليس مجرد حديث عن أستاذ قانون مدني مرّ في حياتي الدراسية، وإنما هو استحضار لمرحلة علمية مهمة من حياتي، وذكرى لأستاذ ترك أثرًا في نفوس طلابه بعلمه وشخصيته.
مضت سنوات طويلة منذ أن جلست في قاعة الدرس بمعهد الإدارة العامة بالرياض، غير أن بعض المواقف لا تغيب، وبعض العبارات تبقى حيّة في الذاكرة، كأننا نسمعها لأول مرة.
رحم الله أستاذنا الدكتور محمد وحيد الدين سوار، وجزاه عن طلابه وعن العلم خير الجزاء، وبارك فيما تركه من مؤلفات وبحوث، وما غرسه في نفوس طلابه من علم وقيم. ورحم الله من مضى من أساتذتنا، وأبقى أثرهم الطيب فيمن تعلّم على أيديهم.
اترك تعليقًا