قراءة في (كتاب الخيل في حياة العقيلات ) لمؤلفه الدكتور بدر بن صالح الوهيبي
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
مقدمة
يعد هذا الكتاب مهما في مجاله وفنه ويوثّق جانبًا من تاريخ الفروسية القصيمية النجدية .
وتاريخ العقيلات من الصفحات المشرقة في تاريخ إقليم نجد الشهير وبالذات منطقة القصيم تحديدا، لما اضطلع به رجاله من أدوار اقتصادية واجتماعية وثقافية امتدت آثارها إلى عدد من البلدان العربية، ولا سيما العراق والشام وفلسطين وشرق الأردن ومصر. والسودان ولم تقتصر أنشطتهم على التجارة ونقل البضائع، بل تجاوزتها إلى مجالات أخرى، كان من أبرزها تربية الخيل العربية الأصيلة والاتجار بها بين القصيم وتلك الدول، والمشاركة في ميادين الفروسية وسباقاتها.
ومن المؤلفات التي تناولت هذا الجانب كتاب «الخيل في حياة العقيلات» للباحث الدكتور بدر بن صالح الوهيبي، الذي سلط الضوء على جانب من تاريخ العقيلات لم يحظَ بما يستحقه من اهتمام في كثير من المؤلفات التاريخية العامة.
وقد تفضل المؤلف مشكورا بإهدائي نسخة من الطبعة الثانية من هذا الكتاب، وذلك خلال زيارتي لمتحف العقيلات التاريخي بمدينة بريدة. عصر يوم الجمعة 5/5/1448 الموافق 16/10/2026 وكان هذا الإهداء الكريم مناسبة للاطلاع على موضوع الكتاب والتعريف بأهميته وقيمته التاريخية.
أولًا: العقيلات ومكانتهم في التاريخ النجدي
اشتهر رجال العقيلات، وهم جماعات من التجار المنحدرين من منطقة القصيم، برحلاتهم التجارية الطويلة إلى البلدان المشار اليها. وقد امتدت أنشطتهم عبر أجيال متعاقبة، وأسهموا في تنشيط الحركة التجارية وتبادل السلع والخبرات بين الجزيرة العربية وأطرافها الخارجية .
وكانت الخيل العربية والإبل والسمن النجدي من أبرز السلع المصدرة والتي ارتبطت بتجارة العقيلات، وحظيت الخيل العربية الأصيلة بمكانة خاصة بينهم؛ لما تميزت به من أصالة وجمال وقوة تحمّل، مما جعلها موضع اهتمام الملوك والأمراء ومربّي الخيل في البلدان العربية وخارجها.
ولم يكن العقيلات مجرد تجار عابرين، بل أقام بعضهم في البلدان التي وصلوا إليها، وأسسوا علاقات اجتماعية وتجارية واسعة، واسطبلات خاصة بهم وأسهموا في مجالات متعددة، مما جعل لهم حضورًا ملحوظًا في تاريخ تلك المجتمعات.
ثانيًا: موضوع الكتاب ومحتوياته
يتناول كتاب «الخيل في حياة العقيلات» (وهو كتاب من الحجم الكبير المصقول الذي يحتوي على عدد 330 صفحة ومسجل في مكتبة الملك فهد الوطنية بالإيداع رقم 38/1441) العلاقة التاريخية بين العقيلات والخيل العربية الأصيلة، ويعرض أوجه اهتمامهم بتربيتها واقتنائها والاتجار بها، فضلًا عن مشاركاتهم في سباقات الفروسية، وبخاصة في مصر.
ويستعرض الكتاب وهو من أربعة فصول عددًا من الموضوعات، من أبرزها:
التعريف بالعقيلات والخيل العربية واجناسها واوصافها ومعارض بيعها ومكانتها في التراث العربي والاهتمام العالمي.
أشهر ملاك الخيل ومربيها من العقيلات في مصر.
أشهر المدربين والمضمرين الذين ارتبطت أسماؤهم بميادين الفروسية.
مشاركة أبناء العقيلات وأحفادهم في سباقات الخيل.
برامج سباقات الخيل في مصر وما تضمنته من أسماء الخيل وملاكها والمشاركين فيها.
وتكشف هذه الموضوعات عن امتداد النشاط العقيلي من تجارة الخيل إلى تربية وامتلاك الإسطبلات وتدريب الجياد والمشاركة في تنظيم السباقات، وهو ما يعكس تنوع اهتماماتهم وقدرتهم الفائقة على الاندماج في الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية في البلدان التي استقروا فيها.
ثالثًا: العقيلات وميادين الفروسية في مصر
من الجوانب اللافتة في الكتاب اهتمامه بحضور العقيلات في ميادين سباق الخيل المصرية، حيث برز عدد منهم في امتلاك الخيول العربية وتربيتها وتدريبها، وأصبحت لهم أسماء معروفة في أوساط المهتمين والناشطين بالفروسية.
وقد شهدت مصر خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تطورًا ملحوظًا في تنظيم سباقات الخيل، ووجد بعض العقيلات في هذا النشاط مجالًا لإظهار خبراتهم المتوارثة في معرفة الخيل وخصائصها، والخبرة بسياستها ورعايتها والعناية بها.
ويبرز الكتاب جانبًا من هذا الحضور من خلال التعريف بعدد من الشخصيات والأسر القصيمية التي ارتبطت بميادين الفروسية المصرية حصرا، وهو ما يضيف بعدًا مهمًا إلى دراسة تاريخ العلاقات بين نجد ومصر.
رابعًا: القيمة التاريخية للصور والوثائق
ومن أبرز ما يمنح هذا الكتاب قيمته التاريخية والوثائقية ما يضمّه من صور ووثائق وبرامج قديمة لسباقات الخيل، يعود بعضها إلى مطلع القرن العشرين، وتوثّق جانبًا من مشاركة العقيلات في تلك السباقات.
وتكتسب هذه المواد أهمية خاصة؛ لأنها تقدم شواهد مكتوبة ومصورة تساعد الباحث على التعرف على أسماء الملاك والمدربين والخيول والخيالة، وتواريخ بعض المشاركات، فضلًا عن طبيعة النشاط الفروسي في تلك المرحلة.
واعتقد ان افراد فصل كامل من صفحة 58 الى صفحة 247 هو اكثر ما يميز الكتاب اذ تناول فيه اشهر ملاك ومربي الخيل في مصر من العقيلات بأسمائهم ووثائقهم وصورهم ومشاركتهم في سباقات الخيل والجوائز التي حصلوا عليها وسنوات تأسيسهم لإصطبلاتهم واحتكارهم للبطولات وبالذات من أحفادهم وغيرها من المعلومات عنهم حتى ان البعض منهم أصبح من أعضاء مجلس سباق الخيل بالقاهرة والجمعية الرياضية لسباق الخيل ومالكي الجياد.
ومن المعلوم أن الوثائق التاريخية المعاصرة للأحداث تمثل مصدرًا مهمًا في البحث التاريخي، لا سيما إذا أمكن مقارنتها بمصادر أخرى مستقلة.
ومن هنا فإن جمع هذه الوثائق وإتاحتها للباحثين يمثل خدمة لتاريخ نجد، ويسهم في حفظ جانب من ذاكرة العقيلات، التي قد تتعرض بعض تفاصيلها للنسيان بمرور الزمن وغياب شهودها.
خامسًا: أهمية الكتاب في تدوين تاريخ نجد
تتجلّى أهمية هذا الكتاب في تناوله موضوعًا متخصصًا من التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لإقليم نجد، بما يوسّع دائرة النظر إلى ماضيه، ويتجاوز التركيز على الأحداث السياسية والعسكرية التي حظيت بنصيب من اهتمام المؤرخين وان كانت التدوين عن الأخيرة محدودا. أنظر في ذلك للمقال في الموقع عن أسباب نقص المعلومات التاريخية عن إقليم نجد
فالتاريخ يشمل، إلى جانب أخبار الحكّام والحروب والتحوّلات السياسية، حياة الناس وأنشطتهم الاقتصادية وعلاقاتهم الاجتماعية ومهاراتهم ومهنهم، وما تركوه من آثار في المجتمعات التي عاشوا فيها أو تواصلوا معها.
ومن هذه الزاوية، يقدم هذا الكتاب مادة تسهم في توسيع دائرة المعرفة بتاريخ العقيلات، ويتيح للباحثين النظر إلى الخيل والفروسية بوصفهما جزءًا من النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي المرتبطة بحياتهم.
كما أن توثيق أسماء الأشخاص والأسر المرتبطة بهذا النشاط يفتح المجال أمام دراسات لاحقة تتناول سيرهم وعلاقاتهم التجارية وأدوارهم في المجتمعات العربية.
سادسًا: جهود المؤلف في خدمة التراث
يستحق الباحث المؤلف الدكتور بدر بن صالح الوهيبي التقدير على اهتمامه بتاريخ العقيلات، وسعيه إلى جمع مادته التاريخية وإبراز جوانبها المتعددة إضافة الى ما يقدمه من حضور اعلامي بالتعريف بالعقيلات وانشاءه متحفا خاصا بهم وعضوياته المتعددة في مجالس اعمال تختص بهذا الجانب وأشرافه على مجموعة احفاد العقيلات ومؤلفاته المتعددة عنهم.
ولا شك أن البحث في مثل هذه الموضوعات يتطلب جهدًا مضاعفا في تتبع المصادر والوثائق والصور القديمة، والبحث عن الأسماء والأحداث المتفرقة في السجلات والمرويات وقد بذل الباحث المؤلف جهدا واضحا لا تخطئه العين في هذا الجانب.
وتزداد قيمة هذه الجهود حين تتجه إلى موضوعات لم تنل حظها الكافي من الدراسة، وتسعى إلى تقديمها بصورة منظمة يستفيد منها الباحث والقارئ المهتم بالتاريخ.
وكتاب «الخيل في حياة العقيلات» يمثل إضافة إلى المؤلفات المتخصصة في تاريخ الفروسية، كما أنه يسهم في التعريف بأدوار العقيلات خارج الجزيرة العربية.
سابعًا: بين حفظ التاريخ والحاجة إلى مزيد من البحث
على الرغم من أهمية الجهود المبذولة في توثيق تاريخ العقيلات، فإن هذا الميدان لا يزال يتسع لمزيد من الدراسات العلمية، ولا سيما تلك التي تعتمد على الوثائق الأصلية والمراسلات والسجلات التجارية والصور التاريخية.
ومن المفيد أن تتواصل جهود جمع الوثائق وتصنيفها وتحقيقها، مع العناية ببيان مصادرها وتواريخها وظروف نشأتها، وربطها بالأحداث والأشخاص الذين ورد ذكرهم فيها.
فكل وثيقة جديدة قد تسهم في توضيح واقعة تاريخية، أو تصحيح معلومة متداولة، أو الكشف عن جانب لم يكن معروفًا من حياة الأجيال السابقة.
ولا ينبغي أن يكون الهدف من تدوين التاريخ مجرد الإشادة بالماضي، على أهميتها حين تكون مستحقة، بل الوصول إلى معرفة تاريخية تقوم على الأمانة والتثبت والموازنة بين الروايات والشواهد.
خاتمة
إن كتاب «الخيل في حياة العقيلات» للدكتور بدر بن صالح الوهيبي يمثل جهدًا مشكورا ومحمودًا في توثيق جانب من تاريخ العقيلات وعلاقتهم بالخيل العربية الأصيلة، ويسلط الضوء على إسهامات رجال القصيم في ميادين الفروسية خارج الجزيرة العربية.
وتتجاوز أهمية الكتاب موضوع الخيل إلى ما يكشفه من امتداد الحضور النجدي في المجتمعات العربية، وما ارتبط بذلك من نشاط اقتصادي واجتماعي وثقافي.
وإنني إذ أتقدم بخالص الشكر والتقدير للدكتور بدر الوهيبي على إهدائه الكريم نسخة من الطبعة الثانية من هذا المؤلف، وعلى جهوده في خدمة تاريخ العقيلات، فإنني أرجو له دوام التوفيق والسداد، وأن تتواصل جهوده العلمية في حفظ هذا التراث التاريخي وإتاحته للأجيال القادمة.
فرحم الله رجال العقيلات الذين سطروا صفحات من الكفاح والعمل، وجزى الله خيرًا كل من أسهم في حفظ أخبارهم وتوثيق مآثرهم، خدمةً لتاريخ نجد وتراثها الأصيل ولتاريخ بلادنا المملكة العربية السعودية.


اترك تعليقًا