كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
تُعد السيدة حصة بنت محمد بن إبراهيم بن جارالله العجلان آل أبو عليان إحدى ابنتي العم محمد بن إبراهيم الجارالله العجلان آل أبو عليان رحمه الله، إلى جانب شقيقتها هيلة حفظها الله. وهي أيضا شقيقة كلٍ من إبراهيم وصالح وعبدالعزيز رحمهم الله تعالى، وأخيهم علي بن محمد الجارالله العجلان آل أبو عليان، أطال الله في عمره على طاعته ومتعه بموفور الصحة والعافية.
وقد نشأت في أسرة عُرفت بالاستقامة وحسن الخلق والتمسك بالقيم الإسلامية، مما كان له الأثر البالغ في تكوين شخصيتها وما عُرفت به من كريم الصفات وحسن السيرة.
وُلدت في مدينة بريدة في تاريخ 7/1/ 1362هـ، ونشأت في بيئة محافظة محبة للعلم والمعرفة. تلقت قدراً من العلوم الشرعية، على يد المطوعة في (كتابها) مع حفظ وقراءة بعض سور جزء عم من القرآن الكريم ، ثم واصلت تثقيف نفسها ذاتياً من خلال استماعها لإذاعة القران الكريم والمحاضرات والندوات الشرعية التي تسمعها من القنوات الإعلامية او التي تقام بالمساجد، ثم حفظها لاحقا للقران الكريم فتنامى لديها حب الاطلاع والبحث والمعرفة.
ولما بلغت السابعة من عمرها انتقلت مع أسرتها إلى مدينة الرياض، وسكنت معهم في «حِلّة القصمان» شرق وادي البطحاء الشهير في بدايات تأسيسها. ومع مطلع شبابها أصبحت تتحمل جانبًا كبيرًا من مسؤوليات المنزل وتدبير شؤونه، مساندةً لوالدتها رحمها الله ومعينةً لها في أعمال البيت.
وعندما بلغت الخامسة عشرة من عمرها عُقد قرانها على الشيخ محمد بن عبدالرحمن المسند رحمه الله، وقد تولى أبرام عقد النكاح شقيقه معالي فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالرحمن المسند رحمه الله. وكان زوجها آنذاك من رجالات جلالة الملك عبدالعزيز رحمه الله، ومشرفًا على بناء قصور المربع في حينه.
ومن وفائها وتقديرها لزوجها أنها آثرت السكن مع والدته التي كان يكنّ لها محبةً كبيرة، فاجتمعوا في منزل واحد بحي المربع قريبًا من مقر عمله.
ورُزقت منه بعدد من الأبناء والبنات، أكبرهم بدر.
وبعد وفاة زوجها وهي في ريعان شبابها، لم تتجاوز الثلاثين من عمرها، وأبناؤها ما يزالون صغارًا في سنّ الحاجة إلى الرعاية والتوجيه، حملت على عاتقها مسؤولية تربيتهم والعناية بهم وتنشئتهم تنشئةً إسلاميةً صالحة. فكانت لهم الأم الحانية والمربية الفاضلة، وبذلت في سبيلهم من الجهد والصبر والتضحية ما مكّنها من أداء رسالتها على أكمل وجه، حتى نشؤوا رجالًا ونساءً صالحين، وكان ذلك من أبرز إنجازاتها وأعظم ما تفخر به في حياتها.
ولكثرة من تقدموا لخطبتها بعد وفاة زوجها، وما كانت تتمتع به من جمال الخلق والخُلُق وحسن السيرة، آثرت الاعتذار عن الزواج، مفضلةً التفرغ لتربية أبنائها ورعايتهم، وفاءً لزوجها الراحل وحفظًا لعهده وذكراه. وقد ضربت بذلك مثالًا نادرًا في الإخلاص والتضحية وتحمل المسؤولية، فوهبت شبابها وعمرها لأبنائها حتى استقام عودهم وكبروا تحت رعايتها وعنايتها.
ومن شدة تعلقها بزوجها ومحبتها له، وما خلفه رحيله المبكر من ألمٍ في نفسها، قالت فيه أبياتًا من الشعر الشعبي الصادق، عبّرت فيها عن لوعة الفقد وحرارة الشوق وصدق الوفاء فقالت:
يا بدر وجدي على أبوك وجداه وجدٍ يحدر نايفات المباني
والوجد الآخر كل ما وحيت طرياه أفز لو حلو الكرى قد غشاني
توك صغير ما لنفسك ملاقاه يا الله يا المعبود تلطف بحالي
عزيل قلبٍ كل ما جيت أنساه ولاّه يذكرني طفيلن قبالي
يصفق باليدين يقول باباه خليتني يا بوي وحيدٍ لحالي
والناس واجد مير للنفس مشهاه ولا بهم غير أخوي (علي) بقالي
وبعد أن تزوج أبناؤها وبناتها التحقت بالدراسة من جديد في مدرسة تحفيظ القرآن الكريم وعلومه بحي السلام في مدينة الرياض، ومن خلالها حفظت القران الكريم كاملا ولازالت تستحضره إيمانًا منها بأهمية العلم وحرصًا على الاستزادة من معارف الدين.
كما حافظت على صلاتها الوثيقة بأسرة زوجها الشيخ محمد بن عبدالرحمن المسند رحمه الله، فكانت حريصة على حضور اجتماعاتهم الأسرية في الأعياد والمناسبات واللقاءات الموسمية، وظلت تحظى بمكانة رفيعة وتقدير كبير بينهم لما عُرف عنها من حسن الخلق، وطيب المعشر، وكرم الضيافة، ووفائها لزوجها وأسرته.
وكانت كذلك حلقة وصل بين أقاربها وأنسابها، تجمعهم على المحبة والألفة وصلة الرحم في الرياض والقصيم، وتحرص على التواصل معهم واستقبالهم وإقامة المآدب والولائم لهم في مختلف المناسبات، مما أسهم في توثيق أواصر القربى وتعزيز روابط المودة بين أفراد الأسرة.
وقد جمعت في شخصيتها بين قوة الرأي وحسن التدبير ولين الجانب، وبين التمسك بالدين والحرص على أعمال البر والإحسان، كما عُرفت بعطفها على المحتاجين من الأقارب والأنساب والجيران، وبما اتصفت به من تواضع وبساطة وحسن معاشرة، فحازت محبة الناس واحترامهم، وتركت أثراً طيباً في نفوس كل من عرفها وتعامل معها.
وقد حظيت بمكانة خاصة في قلب والدها الشيخ محمد بن إبراهيم الجارالله العجلان آل أبو عليان رحمه الله، لما عرفه فيها من حسن الخلق، وبرّ الوالدين، ورجاحة العقل، وحسن التدبير. والصبر وقد عبّر عن محبته لها واعتزازه بها في قصيدة أثنى عليها فيها وأشاد بخصالها الحميدة وسيرتها الطيبة، مما يعكس ما كانت تتمتع به من مكانة رفيعة لدى والدها وأفراد أسرتها، وما عُرفت به من فضائل ومكارم أخلاق جعلتها محل تقدير واحترام من عرفها فقال فيها :
يا ناس انا ماشفت بالملك كله من مثل حصة بالخلايق عمومي
الملح والقبلة زها مفرقن له وزين له كله ثبات محتومي
والعقل وافي ما ترا فيه عله فيها نماره في جميع السلوكي
يا سعد من حاشها زوجة له حضه كبير ودافي ومحشومي
ايلا نظرها زال همه وغمه يروح من صدره جميع الهمومي
عُرفت بسعة اطلاعها على تاريخ الأسرة وأحوالها، واهتمامها الكبير بعلم الأنساب، وكانت تمتلك ذاكرة متميزة وقدرة فائقة على تتبع التسلسل الزمني للأجداد والأسر المتفرعة منهم، مما جعلها مرجعاً موثوقاً لدى أفراد أسرتنا التميمية وأسرة المسند العنزية الكريمة في كثير من المسائل المتعلقة بالأنساب والتاريخ الأسري.
كما عُرفت بحرصها على نقل المعلومة الصحيحة وتوثيقها، وكان لها دور بارز في حفظ جانب من الموروث الأسري وتناقله بين الأجيال، فجزاها الله خير الجزاء.
وتلك المسيرةٍ الطويلة الحافلة بالعطاء والتضحية والوفاء، أبقت العمة حصة بنت محمد بن إبراهيم بن جارالله العجلان آل أبو عليان أم بدر مثالاً للمرأة الصالحة والزوجة الوفية والأم المربية، التي أفنت عمرها في خدمة أسرتها ورعاية أبنائها وبناتها، وحفظ روابط المودة بين أقاربها وأنسابها. وقد تركت أثراً طيباً في نفوس كل من عرفها، بما عُرفت به من كرمٍ وتواضعٍ وحسن خلقٍ ورحمةٍ بالناس.
نسأل الله تعالى أن يجزيها خير الجزاء على ما قدمت من أعمال صالحة، وأن يبارك في عمرها، ويمتعها بالصحة والعافية، ويقر عينها بأبنائها وبناتها وأحفادها،
وأن يجعل ما قدمته من خير وإحسان في موازين حسناتها، وأن يلبسها لباس السعادة والرضا في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ولا يفوتني في هذا المقام الا أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير لأخيها الشيخ المستشار علي بن محمد بن إبراهيم الجارالله العجلان آل أبو عليان، الذي كان المصدر الرئيس لكثير من المعلومات والذكريات الواردة في هذه السيرة، حيث تفضل بإمدادي بما حفظه من أخبار شقيقته ومواقفها وسيرتها العطرة، فجزاه الله خير الجزاء، وبارك في عمره وعلمه، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته.
دمتم بخير
أضف تعليق