المكتبات العامة في مدينة بريدة. والمكتبات الخاصة بأسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان. 

كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان.

تُعرَف بريدة في القرن الرابع عشر الهجري وبشكل خاص بأنها مدينةُ العلماء ومدينةُ العلم، لما لها من تاريخٍ عريق في التعليم الشرعي والثقافي، إذ ازدهرت فيها مراكزُ العلم، وشهدت حراكًا علميًا وثقافيًا نشطًا، وتخرّج منها عددٌ كبير من العلماء وطلبة العلم الذين أسهموا في نشر المعرفة في مناطق أخرى من المملكة. 

وقد كانت حلقاتُ الذكر والدروسُ العلمية تعجّ بطلاب العلم، في أجواءٍ تُذكِّر بمنهج السلف الصالح، ولا سيما في الجامع الكبير، ومسجد الشيخ صالح الخريصي، ومسجد الحميدي المعروف بمسجد الشيخ محمد الصالح المطوع، ومسجد ماضي، ومسجد عيسى، ومسجد ناصر وغيرها من المساجد الكثيرة في بريدة.

وقد اشتهر أهل بريدة بحب السفر لطلب العلم والتجارة ومنهم رجال العقيلات، الذين غربوا باتجاه الشام ومصر وفلسطين والعراق وجلبوا معهم كل صنوف التجارة مع ما كانوا يجلبونه معهم ايضا من الكتب النافعة في مسائل العقيدة والتوحيد ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرها.

واشهر مكتبات بريدة العامة على الاطلاق مكتبة الملك سعود في بريدة التي يعود تأسيسها إلى عام 1364هـ -1945 م  على يد فضيلة الشيخ عمر بن محمد بن سليم رحمه الله  وكانت في بدايتها غرفة واسعة ملحقة في الجامع الكبير، وبعد وفاة مؤسسها صدرت موافقة جلالة الملك سعود رحمه الله على تحويلها إلى مكتبة مستقلة عامة بناءً على اقتراح رفعه إليه قاضي بريدة آنذاك سماحة الشيخ عبدالله بن محمد بن حميد رحمه الله وكانت في مبنى مسلح شرق الجامع.

وفي عام 1423هـ/2002م، دشن صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز رحمه الله مبنى مكتبة بريدة العامة الجديد على مساحة نحو 13 ألف متر مربع  والذي يتكون من ثلاثة طوابق، تتيح للباحثين والطلاب كل صنوف المعلومات والمصنفات العلمية، بما في ذلك قسم نسائي خصص لهن.

ثم تأتي ثانيا من حيث التأسيس التاريخي مكتبة المعهد العلمي ببريدة التي افتتحت بعد افتتاح المعهد سنة 1372 هجرية والتي تحتوي على كم هائل من الكتب الشرعية والأدبية.

ثم توالى افتتاح المكتبات العامة في بريدة تباعا داخل  جنبات العديد من المنشآت التعليمية والجامعية.

كما ان اميرمنطقة القصيم صاحب السمو الملكي الامير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز انشأ في عام 2025 مكتبة رقمية متميزة عالمياً تسهم في إتاحة وتوفير مصادر إلكترونية من خلال منصة كتب إلكترونية رقمية لدعم العلم والثقافة.

كما ان من ضمن المكتبات العامة في بريدة مكتبة النادي الأدبي، ومكتبة سليمان الراجحي الخيرية.

ولقد اهتمت أسرة الجارالله العجلان آل ابوعليان بهذا الجانب من العلم منذ زمن بعيد فقد حرصت على اقتناء الكتب الشرعية والادبية المتنوعة ولهذا فقد حرص  الجد العقيلي علي الجارالله العجلان في تغريباته المتكررة للشام وفلسطين ومصر على اقتناء نسخ من القرآن الكريم من مصر من طباعة مطبعة بولاق الأميرية بالقاهرة سنة 1926 ميلادية وجلبها معه الى مدينة بريدة كما حرص رحمه الله على جلب كتابي الروض المربع وزاد المعاد من طباعة دار المعارف المصرية حينذاك.

وقد فقدت الأسرة نسخ القرآن الكريم النادرة المشار إليها. والكتابين المؤمى إليهما وغيرها من الكتب أثر التسرب المائي الضخم  وانكسار أنبوب المياه ذو القطر الكبير بشارع مرات قرب منزل الأسرة بالرياض بحي الربوة وذلك في نهاية شهر ديسمبر لعام 1990 ميلادية ودخول المياه إلى قبو الفيلا رغم عزله مائيا وإتلاف كل الأثاث فيه وارفف المكتبة السفلية وكان ذلك أثناء حرب الخليج الثانية وكانت اقامة الوالد حينها في بريدة مما تعذر معه إنقاذ ما يمكن انقاذه.  

ولأن الوالد  محمد بن علي الجارالله العجلان لازم سماحة الشيخ عبدالله بن حميد وحضر دروسه وانتفع بعلمه فترة من الزمن فقد حرص على تنمية علمه بمواصلة دراسته النظامية واقتناء مكتبة تحتوي على صنوف من الكتب المتنوعة إبان زياراته الكثيرة إلى سوريا ولبنان ومصر في أواخر الخمسينات والستينات والسبعينات الميلادية  فقد جلب معه من هناك الكثير من الكتب الشرعية والأدبية والتراثية والتاريخية مثل صحيح البخاري، وصحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، والسنن الأربعة أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة و سيرة ابن هشام، والسير والمغازي لابن إسحاق  وتاريخ الأمم والملوك للطبري، ومروج الذهب للمسعودي وفتاوى ابن تيمية وكتب الجاحظ ومنها كتاب حياة الحيوان وكتاب البيان والتبيين والعقد الفريد لابن عبد ربه وكتب مصطفى المنفلوطي وعباس العقاد وابراهيم المازني وكتب دار الهلال المصرية ومطبوعاتها الشهرية بالاضافة الى ماحصل عليه من كتب من المكتبات التجارية داخل المملكة منها تاريخ ملوك العرب وتاريخ نجد لامين الريحاني وتاريخ ابن بشرالمعروف بعنوان المجد في تاريخ نجد وصحيح الاخبار عما في بلاد العرب من الاثار لمحمد بن بليهد وجمهرة الآسر المتحضرة في نجد لحمد بن محمد الجاسر وغيرها.

كما كان مشتركا بالصحف والمجلات الأسبوعية السعودية والمصرية وقد ذكر الأستاذ المربي عبدالله بن سليمان العمران رحمه الله جانبا من محتويات المكتبة الخاصة للوالد في كتابه عبق الماضي وأصالة الحاضر المطبوع بالرياض سنة 1446 هجرية. 

وتعد مكتبة محمد بن علي الجارالله العجلان من أوائل المكتبات الخاصة في مدينة بريدة وتحتوي على الاف المواضيع والعناوين وهي مجموعة كتب منتقاة بعناية، وادخل عليها لاحقا الكتب الطبية بحكم طبيعة عمله وأهتم بحفظها في مكان خاص داخل المنزل مع مجموعة من الطاولات الصغيرة والكراسي المريحة للقراءة، وبعضها عليها شروح بخط يده عكست الهوية الثقافية لوالدي وقد خدمته في  أغراضه وفي عمله ومجالسه ، وهي مفتوحة لأفراد الأسرة و للضيوف المقربين وقد انتفع منها الكثير وقد تشكّلت ثقافتنا نحن أبناءه خارج نطاق الدراسة النظامية، من خلال هذه المكتبة،  وكم من مرة وُضِع أمامنا كتبٌ لتكون في متناول أيدينا، دون أن يُطلب منا صراحةً قراءتها، لكنها بحضورها الدائم أمام أنظارنا، وبما نلناه من قراءتها، أسهمت في تنمية فكرنا وكان لها أثرٌ بالغ في بناء عقولنا وتشكيل الوعي لدينا .

وقد ضمت المكتبة وثائق، ومجلات قديمة، وكتب نادرة خلفها له والده رحمه الله إلا أن بعضها فقد مع الأسف بسبب تسرب الماء الى قبو الفيلا كما اشرت اليه انفا. ومازالت اجزاء من مكتبته موجودة بين جنبات منزله حتى بعد وفاته رحمه الله.

ومن مكتبات الأسرة الخاصة مكتبة القاضي معالي فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن سليمان الجارالله العجلان الذي قرأ  في بداية حياته القرآن الكريم ، في الكتاتيب وحفظه عن ظهر قلب ، وشرع في طلب العلم بهمةٍ عاليةٍ ، ومثابرة على الطلب فلازم علماء بريدة وقضاتها.ومن أبرز مشايخه الشيخ محمد الصالح المطوع في مسجده وجود عليه القرآن ، وقرأ عليه مبادئ العلوم الشرعية ، كما لازم الشيخ فهد العبيد والشيخ إبراهيم العبيد العبد المحسن  والشيخ عبد المحسن العبيد ، والشيخ صالح البراهيم الرسيني ، والشيخ محمد بن صالح بن سليم فقرأ عليهم الأصول ، والفروع ، والحديث ، والتفسير، والفرائض ، ولازم سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد في جميع جلساته ، وكان من المعجبين بفرط ذكائه ، ونباهته ،وفي سنة 1368 هـ رحل إلى الرياض ولازم علماءها ، ومن أبرز مشايخه فيها سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ، والشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم ، وعبد الرحمن بن قاسم في الاصول ، والفروع.

وكان قد درس في المعهد العلمي في بريدة ، وتخرج منه ثم  التحق بكلية الشريعة بالرياض ، وحصل على شهادة الليسانس منها في عام 1381 هـ. 

تم تعيينه في سلك القضاء اثر تخرجه وكان قبل ذلك مهتما باقتناء الكتب العلمية بكافة المذاهب الإسلامية وبالذات المذهب الحنبلي وتضم مكتبته متون وفروع المذهب الحنبلي المعتمدة، ممثلةً لخلاصة فقهه وأصوله، وفي مقدمتها المغني لابن قدامة وشرح منتهى الإرادات للبهوتي، إلى جانب كتب متقدمة مثل الإقناع والمبدع، مع تركيز خاص على القواعد الفقهية والقضائية المستمدة من مصادرها الأصيلة، كـ أعلام الموقعين والطرق الحكمية لابن القيم، بما يُعين على تنزيل أصول المذهب على المنازعات والوقائع العملية.مثل كتاب كشف القناع والمغني وغيرها من الكتب الادبية الاخرى.

 ونظرًا لفقده البصر، فقد كان يعتمد على من يقرأ عليه من كتب مكتبته، من موظفي المحكمة أو من غيرهم خارج أوقات الدوام الرسمي.

وكان رحمه الله يخصص وقتا محددا لدخوله مكتبته للقراءة والانتفاع منها وكانت يتيح مكتبته للآخرين  لمن يريد الاطلاع أو يبحث مسألة معينة وكان يساعدهم في الوصول إلى النتيجة المبتغاة. وكانت مكتبته الشخصية الكبيرة تنتقل معه من بريدة الى مقر عمله في المحاكم أو سكنه في مختلف أنحاء المملكة.

ولان  نشر الثقافة والمعرفة داخل الاسرة تساهم في إثراء عقل أفراد الأسرة وتنمية حب القراءة والاطلاع وحفظ التراث والمعرفة ،والكتب القيمة التي قد تتناقلها الأجيال توفر الوقت والجهد إذ تسهّل الوصول إلى المراجع والكتب دون الحاجة للخروج وتعزيز الروابط الأسرية فالمكتبة تكون محورًا للتفاعل بين أفراد الأسرة حول مواضيع ثقافية وعلمية.
ووجود المكتبة داخل المنزل تشجع على التفكير فهي بيئة محفزة على الإبداع والتفكير النقدي.

بالتالي، فإن وجود المكتبة الشخصية يعزز من دور المنزل كمركز للعلم والثقافة ولهذا حرص بقية الاعمام محمد وإبراهيم وعبدالله ابناء سليمان الجارالله العجلان رحمهم الله والأعمام محمد وصالح ابني ابراهيم الجارالله العجلان رحمهما الله على اقتناء أمهات الكتب النافعة في مسائل التوحيد والعقيدة والادب وتوفيرها في منازلهم لهم ولاسرهم.

Posted in

أضف تعليق